رحلة ابن بطوطة إلى مقديشو: بين حقيقة المشاهدة ووهم المنتحل الأدبي

يظل كتاب «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» للرحالة المغربي ابن بطوطة واحدًا من أكثر النصوص الجغرافية إثارةً للجدل في تاريخ الأدب العربي والأنثروبولوجيا العالمية. وفي حين يتفق المؤرخون على أن الرجل قطع بالفعل مسافات هائلة في ترحاله، فإن المحققين المعاصرين يقفون بصرامة أمام معضلة نقدية كبرى تلخصها قاعدة انفراد المصدر الواحد. وتتجلى هذه المعضلة بوضوح في وصفه المثير للازدهار السياسي والاقتصادي لمدينة مقديشو في القرن الرابع عشر الميلادي. فهل وطئت أقدام ابن بطوطة أرض بلاد البربر في القرن الإفريقي فعلًا، أم أن قصة مقديشو لم تكن سوى حبكة أدبية ذكية صيغت من وراء البحار؟
ثنائية الأثر والغياب: لغز السلطان المجهول
الرواية التي ساقها ابن بطوطة عن مقديشو تفيض بالتفاصيل؛ فهو لا يكتفي بوصف جغرافية الميناء وأسواقه، بل يذكر اسمًا محددًا لحاكمها، وهو «السلطان أبو بكر بن الشيخ عمر»، ويسهب في وصف بروتوكولات استقباله الفخمة، ومجالس القضاة، ومظاهر الهيبة والرفاهية التي عاشتها المدينة.
بيد أن المنهج التاريخي الصارم يصطدم هنا بفراغ أثري وميثولوجي مريب؛ إذ يلاحظ الباحثون والمؤرخون الصوماليون غيابًا تامًا لاسم هذا السلطان أو مراسمه في ثلاثة جوانب حيوية:
● النقوش الأثرية: تمتلئ مساجد مقديشو التاريخية، كحي حمروين، بنقوش تخلّد أسماء عائلات تجارية وسلاطين آخرين، أو أفرادًا من العامة من حقب مقاربة، لكنها تخلو تمامًا من أي ذكر لأبي بكر بن الشيخ عمر.

● المسكوكات والنقود: عُثر في شرق إفريقيا على آلاف العملات البرونزية المقديشية التي تحمل أسماء حكام متعددين، بينما غاب عنها هذا الاسم تحديدًا.

● الذاكرة الشعبية: يمتلك المجتمع الصومالي واحدة من أغنى الذاكرات الشفهية في إفريقيا، وهي ذاكرة ممتدة تحتفظ بالتفاصيل العشائرية والسياسية بدقة، ومع ذلك لم تنقل أي مأثور أو رواية عن هذا الحاكم أو هذه المراسم المزعومة.

معضلة نظام الحكم وتناقض الوثائق التاريخية
إن الشك في بنية النظام السياسي الذي وصفه ابن بطوطة يزداد عمقًا عند مقارنته بما دوّنه الجغرافيون والمؤرخون المسلمون الذين عاصروه أو سبقوه؛ إذ لم يذكروا وجود أي نظام سلطاني في المدينة، بل أكدوا العكس تمامًا.
ويبرز هنا ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان»، حيث أوضح أن مقديشو لم يكن لها سلطان يجمعها، بل كانت تُدار أهليًا عبر المشايخ والمتقدمين؛ لعدم وجود سلطة مركزية، وكان لكل قبيلة شيخها الخاص الذي يدير شؤونها لإصلاح أحوالها.
وما يعزز هذا التناقض الجذري، ويفنّد ادعاء ابن بطوطة بوجود سلطنة هرمية مستقرة وقت زيارته المزعومة في القرن الثامن الهجري (نحو 731هـ/1331م)، هو ما كشفت عنه الدراسات التاريخية الحديثة، وعلى رأسها أبحاث المستشرق الإيطالي إنريكو جرولي. فقد حقق جرولي وثيقة محلية تاريخية وثّقت اتفاقًا تم بين قبائل مقديشو الأربع التاريخية لاختيار سلطان موحّد وتنصيبه لإدارة شؤون المدينة لأول مرة، وذلك لإنهاء حالة الإدارة الأهلية المجزأة التي عاشتها.
وحيث إن الترجيح التاريخي يثبت أن هذا الاتفاق القبلي وتأسيس النظام السلطاني الفعلي قد حصلا في القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي)، فإن الفارق الزمني بين ادعاء ابن بطوطة والوجود الحقيقي للسلطنة يقارب قرنًا كاملًا من الزمان؛ مما يعني أن مقديشو، وقت مروره المفترض بالساحل الإفريقي، كانت لا تزال تعيش عصر «المشيخات الموزعة» الممتد لثلاثة قرون، ولم تكن قد تحولت بعد إلى سلطنة مركزية، وهو ما يعني أنه أسقط عليها نظام حكم لم يكن قد وُجد في بيئتها بعد.
مكتبة المحيط الهندي المشتركة: السماع بضمير المتكلم
أمام هذا الانفراد المطلق لابن بطوطة، والتناقض الزمني والسياسي الواضح، يطرح تيار من المؤرخين والمشككين الجغرافيين فرضية بالغة المتانة، ومفادها أن ابن بطوطة لم يزر مقديشو قط، بل اعتمد على ما يمكن تسميته «مكتبة المعلومات المشتركة في المحيط الهندي».
ففي القرن الرابع عشر، كانت منتجات مقديشو، وخاصة منسوجاتها الفاخرة، وأخبار وفرتها الاقتصادية، ملء السمع والبصر في موانئ المشرق، كعدن وعُمان ومكة. وكان بمقدور أي مثقف أو فقيه يجلس في تلك الموانئ أن يستمع إلى قصص البحارة والتجار الشائعة، فيعرف بدقة نمط حياتهم وطعامهم ونظام ضيافتهم، ثم يصوغها بأسلوب المشاهدة الشخصية.
وما يعزز هذه الفرضية هو أن ابن بطوطة ثبت عليه بالدليل القاطع استخدام هذا الأسلوب المنتحل في مواضع أخرى من كتابه؛ فحين وصف “أرض الظلمة” في سيبيريا وبروتوكولات السفر على كلاب الجليد، صاغها بضمير المتكلم كشاهد عيان “رأيت ودخلت”، بينما أثبت التحقيق التاريخي المعاصر أنه اقتبس تلك الأوصاف من تجار القوافل في شبه جزيرة القرم، ولم يطأ تلك البقاع أبدًا.
فإذا كانت فبركة البروتوكولات الجليدية ممكنة، فإن فبركة بروتوكولات القضاة والاستقبال ونظام الحكم في مقديشو ليست بعيدة عن خياله وضغوطه الزمنية والجغرافية، خصوصًا مع وجود فجوات وتداخلات زمنية غير منطقية عند حساب مدة التنقل الملاحي المفترضة بين موانئ الساحل الإفريقي ورحلة عودته.
شكوك الأمس واليوم
إن الشك في رواية ابن بطوطة ليس وليد المناهج الحديثة، بل هو امتداد لوعي نقدي عاصر الرحالة نفسه. فالإمام والمؤرخ العبقري ابن خلدون سجّل في مقدمته شهادة تاريخية مهمة تؤكد أن معاصري ابن بطوطة في بلاط الدولة المرينية بفاس واجهوا حكاياته بالإنكار الشديد، وتناجوا بتكذيبه، معتبرين أن ما يرويه عن سلاطين الشرق وإفريقيا يدخل في باب المبالغات المستحيلة التي صيغت لأغراض أدبية وتجميلية ولنيل الحظوة.
أمامنا خيارين لا ثالث لهما: إما أن ابن بطوطة زار مقديشو فعلًا، ولكنه أملى رحلته بعد ربع قرن مستعينًا بالذاكرة، فاختلطت عليه الأسماء والتواريخ والأنظمة السياسية اختلاطًا فادحًا؛ وإما أنه كان جامع معلومات ذكيًا استغل انقطاع أخبار شرق إفريقيا عن شمال إفريقيا ليحيك قصة مشوقة تضمن له مكانته.
وفي غياب أي دليل مادي أو مأثور محلي يسند ادعاءاته، وتضافر الأدلة التاريخية والجغرافية، وعلى رأسها وثيقة جرولي ونصوص ياقوت الحموي، يظل رفض هذه الرواية أو التوجس منها خيارًا علميًا راجحًا ينسجم مع أصول النقد التاريخي.

خالد إبراهيم

باحث في تاريخ الصومال
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى