من التشويق إلى الوعي

في رواية «سر الأسرار»، لا يبرهن دان براون على أنه سيد التشويق التاريخي فحسب، بل يخطو خطوة واعية نحو آفاق أرحب. فهو لا يكتفي هذه المرة بصناعة لغز تاريخي يحل، بل يحول الرواية إلى لغز وجودي يفكر فيه. إنها رواية تقرأ على مستويين متوازيين: كمطاردة محمومة لا تهدأ، وكحوار عميق حول طبيعة الوعي البشري وحدوده القصوى.

تأتي هذه الرواية ضمن مغامرات البروفيسور روبرت لانغدون، الذي يعود بشخصيته المألوفة: هدوء الأستاذ الجامعي وسط عالم يشتعل بالمؤامرات. غير أن الجديد هنا أن لانغدون لا يواجه جمعية سرية تقليدية، بقدر ما يصطدم بأفكار تهز تصورات راسخة عن العقل والروح ومعنى الحياة نفسها. فاختفاء العالمة كاثرين سولومون – وهي عقل علمي يقف على التخوم بين المختبر والفلسفة – لا يقدم بوصفه حدثا دراميا فقط، بل كشرارة تشعل السؤال الأكبر: هل الوعي حبيس الدماغ، أم أنه جزء من نسيج كوني أوسع؟

ولم يكن اختيار براغ مسرحا للأحداث تفصيلا شكليا ، بل عنصرا دلاليا مقصودا. فالمدينة، بتاريخها القوطي، وأساطيرها الرمزيّة وظلالها الروحية، تتحول إلى شريك فعلي في السرد. الأزقة، والقلاع، والرموز اليهودية والمسيحية تمنح الرواية طبقة كثيفة من الغموض، وتعيد إلى الأذهان براعة براون في تحويل المكان إلى عنصر سردي حي، ولكن هنا بنبرة أكثر قتامة وتأملا.

على مستوى الحبكة، يلتزم براون بإيقاعه المعروف: فصول قصيرة، نهايات معلقة، وانتقالات سريعة بين الجريمة والمطاردة والكشف الجزئي. هذا الإيقاع يجعل الرواية قراءة جذابة وسهلة المتابعة، لكنه يفتح في الوقت نفسه باب الانتقادات المعتادة، وفي مقدمتها محدودية عمق بعض الشخصيات الثانوية، والإفراط في الاستطراد المعلوماتي. ومع ذلك، لا تضعف هذه الملاحظات جوهر العمل، بل تكشف عن خيار واع من الكاتب، يتمثل في تقديم فكرة كبرى بلغة شعبية قادرة على الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من القراء.

وتكمن القيمة الحقيقية لسر الأسرار في موضوعها المركزي. فبدلا من الانشغال المفرط بالشفرات والتنظيمات الغامضة، يضع براون العلم، ولا سيما علم الأعصاب والعلوم المعرفية، في مواجهة مباشرة مع الإيمان والميتافيزيقا. يناقش تجارب الخروج من الجسد، والحياة بعد الموت، وفكرة أن الوعي قد يكون ظاهرة كونية لا فردية. وهي أطروحات، سواء اتفق القارئ معها أم رفضها، تمنح الرواية بعدا فكريا نادرا في أدب التشويق الجماهيري.

ومن يقرأ الرواية في سياق مجمل أعمال دان براون يلمس بوضوح أن الكاتب بلغ مرحلة أصبح فيها أقل انبهارا باللغز في ذاته، وأكثر اهتماما بما يكشفه هذا اللغز عن الإنسان. لذلك يمكن القول إن «سر الأسرار» ليست ذروة إبداعه من حيث الدهشة البوليسية الخالصة، لكنها من أكثر رواياته جرأة على مستوى الفكرة، وأوضحها ميلا إلى طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بحلها.

وفي الختام يعترف العبد لله أنه كان يلتهم روايات بهذا الحجم في أيام قليلة، مدفوعا بحماسة الشباب واندفاعه. أما اليوم، ومع تقدم العمر، فقد احتاج إلى شهر كامل لإنهاء الرواية لا لأن النص أثقل، بل لأن القارئ صار أبطأ، أقل اندفاعا، وأبرد حماسة فالقراءة لم تعد مطاردة بل مجاهدة بطيئة مع الصفحات.

إلى اللقاء.

عبد الرحمن غوري

عبدالرحمن غوري باحث في الأدب والفلسفة
زر الذهاب إلى الأعلى