مرّ رحيل الدكتور مراد وهبة كما كانت حياته: بلا ضجيج، وبلا حشود، وبعيدا عن الأضواء. لم يتحول الغياب إلى حدث ثقافي صاخب، ولم تقرع له طبول الوداع، بل انسحب الرجل بهدوء من مشهد طالما آثر الوقوف على هامشه، مقيما في عالم الفكر، حيث الأسئلة أثقل وزنا من التصفيق. قرن كامل قضاه في خدمة الفلسفة وحياة العقل، ثم غادر كما عاش، تاركا خلفه فراغا لا يقاس بعدد المشيعين، بل بعمق الأسئلة التي لم تجد من يحملها بعده.
ليس التأثر طقسا ضروريا، ولا عادة محببة، غير أن الانشغال بأفكار مراد وهبة يظل قائما، لا بوصفها آراء جاهزة، بل باعتبارها مشروعا لمساءلة دائمة للعقل العربي. كان من القلائل الذين آمنوا بأن الفلسفة ليست ترفا نخبويا، ولا مادة جامعية معزولة، بل شرطا من شروط النهضة، وعلامة صحة في الوعي الجمعي. أسئلته عن العقل، والعلمانية، والحرية، وموقع الإنسان من الموروث، لم تكن دعوة إلى القطيعة، بل محاولة شاقة من أجل الفهم، والفهم وحده.
في مثل هذه اللحظات، يميل القارئ إلى العودة لمن يثق بقراءتهم للتاريخ الفكري. من بين هؤلاء من واصلوا الاشتغال الهادئ على أرشفة العقل المصري الحديث قراءة وتحليلا وتأريخا. وفي استعادة سيرة مراد وهبة، جرى التوقف عند جيل كامل من المفكرين الذين ملأوا فضاء القرن العشرين، مع ملاحظة متكررة مفادها أن كثيرا من طاقاتهم استنزفت في معارك جانبية، كان يمكن، لو أديرت على نحو آخر، أن تتحول إلى رصيد معرفي أكثر رسوخا.
غير أن هذا التوصيف، على ما فيه من وجاهة، يتجاهل حقيقة أولى، وهي أن الفلسفة نفسها لا تقوم إلا على الجدل، ولا تتقدم إلا بالاختلاف. لم تكن الإشكالية في المعارك بحد ذاتها، بل في انزلاقها، في السياق العربي، من سجال فكري إلى خصومة شخصية، ومن خلاف معرفي إلى تصفية حسابات، وهو ما أفقدها قدرتها على التراكم والإضافة.
ويعود إلى الذاكرة هنا مثال الفيلسوف الذي طغت سيرته الشخصية، وصداماته، على مشروعه الفكري الواسع، فصار الجدل حوله أكبر من الجدل معه. وفي المقابل، بدا مراد وهبة أقل صخبا، وأقل حضورا في المعارك، وأكثر ميلا إلى الانكفاء على مشروعه الفكري، وهو ما جعله، في مفارقة لافتة، أقل حضورا في الوعي العام، رغم صلابة ما أنجزه.
اللافت، والمؤلم في آن، أن العزاء في فيلسوف من هذا الوزن جاء متواضعا، وكأنه انعكاس لحال الفلسفة نفسها في العالم العربي اليوم. فمنذ انحسار وهج النهضة، تراجعت الفلسفة إلى الهوامش، وانكفأت داخل الأسوار الأكاديمية، فيما خفت النشاط الفكري خارجها إلى حد الندرة. ولم تكن الفلسفة وحدها ضحية هذا الجفاف، فالشعر بدوره أصابه ما أصابها، وغابت الأصوات الكبرى التي كانت تتدفق تلقائيا إلى الوعي الجمعي، بلا وسائط ولا ضجيج.
ليس الأسف، في المحصلة، على موت مراد وهبة، فالموت نهاية طبيعية لكل سيرة، بل على الطريقة التي اعتدنا بها تجاهل المفكرين وهم أحياء، وعلى عجزنا المزمن عن تحويل أفكارهم إلى جزء حي من النقاش العام. لم يكن الرجل نبيا، ولا رمزا شعبويا، بل مفكرا جادا، وربما كان هذا وحده كافيا ليجعله غريبا في زمن الضوضاء. رحل وبقيت أسئلته، وهي وحدها ما يستحق أن يستعاد، لا بالرثاء، بل بالقراءة، وبالنقاش، وبإعادة الاعتبار لتقاليد العقل التي آمن بها حتى آخر العمر.





