مقالات

جماعة الاعتصام: مراجعات فكرية غير معلنة

مدخل عام

هناك عدة تعريفات للمراجعة لكن أهم تعريف لها يمكن إيجازه”بأنها عملية نقد ذاتي يقوم بها تنظيم أو فرد معين في تصوراته ومنطلقاته الأيديولوجية السابقة”،مما يؤدي إلى إدخال تغيير في أسلوبه “وممارساته العملية” وينتج عنها غالبا نظام فكري وعملي جديد.( مقال هاني نسيرة بعنوان رؤية تحليلية لمراجعات الجماعات الجهادية موقع السكينية على الربط التالي:([1] )

فكثير من تيارات الإسلام السياسي فى العالم الإسلامي قامت بمراجعات فكرية،بدءاً من جماعة” الإخوان المسلمون” والجماعة الإسلامية فى مصر، وجماعة الجهاد. وبعض هذه المراجعات وخاصة فى مصر  تمت من وراء القضبان، وكانت البداية الحقيقية بعد انتهاء المحاكمات عقب اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات،وان لم تشمل فى البداية المبادئ الرئيسية لفكر الجماعتين(الإخوان المسلمون والجماعة الاسلامية) فيما يتعلق “بالعمل المسلح كوسيلة للتغيير “إلا انها كانت المرة الأولى التي أدخلت في فكرها ما يعرف بـ “معيار الجدوى”بعد أن كان يهمها “المشروعية الدينية” ([2] )

الجماعة الاسلامية أصدرت مؤلفات منها أربع كتب بعنوان”تصحيح المفاهيم والمراجعات”عام 2002 لعبد الحميد الانصاري: المراجعات الفكرية للجماعات الاصولية…. ماحقيقتها العربية.نت) كما أصدرت القيادة التاريخية لجماعة الجهاد المصرية عددا من الكتب والرسائل أثار بعضها جدلا واسعا فى أساط الجماعة مثل مراجعات منظر الجماعة وفقيهها سيد إمام عبد العزيز الشريف المعروف ب” د.فضل ”

وأسست فى ليبيا فى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي جماعات جهادية سلفية لكنها مالبثت أن تفككت على يد أجهزة المخابرات الليبية، وفى بداية التسعينيات من القرن الماضى تم تأسيس جماعات مماثلة سرا، وكان من أهم اهدافها الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي بالقوة، ولكن الجماعة قامت بمراجعات وأصدرت عام2009م كتابا بعنوان”دراسات تصحيحية”([3])

جماعة الإعتصام بالكتاب والسنة الصومالية من الجماعات الإسلامية السلفية التنظيمية المنتمية الى التيار الإسلامي السياسي فى البلاد،

أخذت الجماعة هذا الاسم فى مؤتمر لاسعانود عام1996م بعد الاندماج الذي حصل بين جماعة الاتحاد الإسلامي برئاسة الشيخ محمود عيسى، وجماعة التجمع الإسلامي للإنقاذ التي كان يترأسها آنذاك الداعية الاسلامي المعروف مصطفى حاج اسماعيل هارون.

تقول الجماعة عن نفسها أنها جماعة إسلامية دعوية سلفية صومالية،وأنها الإمتداد الطبيعي والوريث الحقيقي للصّحوة الإسلامية فى الصومال التي ينيف عمرها على نصف قرن من الزمان”.

ملاحظات على منهج الجماعة الجديد

يلاحظ من المنهج الجديد للجماعة إدخال تعديلات جوهرية شملت حتى الهدف. والهدف فى منهج الجماعة القديم على ما أعتقد كان “إعادة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة”،ولكن الهدف فى المنهج الجديد للجماعة جاء على أنه”دعوة الأمة إلى إقامة دين الله في الأرض, وتحكيم شرعه” وفرق بين العمل على إعادة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة وبين “دعوة الإمة الى اقامة دين الله فى الأرض وتحكيم شرعه” وهذه التغيرات لم تأت من فراغ، وإنما نتيجة مراجعات فكرية منظمة قامت بها الجماعة فى فترات مختلفة دون أن تعلن عن تلك المراجعات بصفة رسمية.؟!

وقد لمست مؤخرا تحولا فكريا هائلا لدي قيادة الجماعة أثناء متابعتي لخطابات شخصياتها من خلال  مناسبات ولقاءات مختلفة، وكان آخرها تلك المقابلة التي أجرتها قناة يونفرسالUniversal TV الصومالية مع أمير الجماعة ورئيس هيئة علماء الصومال الشيخ بشير أحمد صلاة خلال زيارته الأخيرة إلى لندن،وكنت من مشاهدي هذه المقابلة التي بثت فى اليوم الأول من أيام عيد الأضحي المبارك، وكانت الحلقة بعنوان “دور الدين فى حل المعضلة الصومالية” ولاحظت من خلال تلك الحلقة جملة من الحقائق أحب ان يشاركني القراء الكرام في ملاحظتها ومن أهم هذه الحقائق:

1-إزدياد الوعي السياسي لقيادة الجماعة

كان النضج السياسي واضحا من أجوبة الشيخ على مجموعة من الأسئلة وجهها له الإعلامي أيانلى حسين عبدى- معد ومقدم البرنامج – ولم يكن هذا النضج وهذا الوعي السياسي وليد اللحظة، وانما جاء نتيجة لخبرات طويلة تراكمت عبر سنوات من  الاحتكاك والتعامل مع واقع السياسة الصومالية غير المستقر ونشاط الحركة الطويل بهدف الوصول والتسلق إلى هرم السلطة ولو بطريق العنف والقتال. أصيب الحركة خلال تلك التجربة بتصدعات وانشقاقات وتولّد من رحمها كيانات أخرى لا يزال بعضها يحمل السلاح حتى كتابة هذه السطور بينما البعض الآخر تراجع عن هذه الفكرة. ويبدو من أجوبة الشيخ أن الجماعة قامت بمراجعات غير معلنة شملت عدة قضايا منها الحاكمية وفلسفة الحكم، ومواصفات الحاكم وقضايا الأسماء والأحكام. كما أن دور الجماعة يقتصر فى هذه المرحلة على الدعوة وتوعية المجتمع والنصيحة لولاة الأمر، فالجماعة لم تعد يهمها من يحكم بقدر ما يهمها “بم يحكم “.

وعند جوابه عن السؤال المتعلق بدور العلماء فى الحكم أكّد على أن تكون هناك “مرجعية دينية أي العودة إلى العلماء لكن الحكم لمن يختاره الشعب” “ودورنا نحن فى هذه المرحلة أن نحثهم على أن يعطوا أصواتهم لمن يستحق” واعطاء الشعب حق إختيار (الحكام) واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة – وان لم يقلها الشيخ بالحرف- كلها مفاهيم جديدة طرأت على أدبيات الجماعة أثناء تطورها وانتقالها من الأسلوب القديم الى أسلوب جديد لم يتم بلورته بصفة رسمية ولم يعلن عن ولادته بعد ولكن ارهاصات ولادته باتت واضحة للمتابعين.

2- تغير الخطاب السياسي والدعوي للجماعة.

الخطابات الحماسية التى كانت تتميز بها الجماعة طيلة تاريخها ها الطويل في الساحة الصومالية لم تعد حاضرة فى أجواء الحلقة، واختفت تماما. ويمكن الاعتقاد بأن هذا ليس أمراً شخصيّا يتعلق ببشير صلاة ولا بالقيادات العليا للجماعة فقط، بل وحتى فى المستويات العادية من قاعدة الجماعة بما فيها الدعاة وطلبة العلم فى المساجد يلاحظ عند الحديث عن دور الدين فى السياسة وضرورة التحاكم على أساسه لا تتضح شحنة الحماسة بنفس الصورة التي كانت تعرض عليها الجماعة فى خطاباتها القديمة، الأمر الذي يفسّر عمق التحول الذي طرأ على خطاب الجماعة.

نقطة أخري تؤشر مدى تغير خطاب الجماعة: ظهور وقبول مفهوم الوطنية، حيث يقول الشيخ حول حب الوطن: ” لم أستطلع آراءهم(يعنى العلماء)  والكل مسؤول عن نفسه، لكن فيما أعلم  إن الذي يفهم مبادئ الدين يفهم قيمة الوطن والشعب،  لأن هذا الدين  ليس للملائكة  وإنما للآدميين والإنسان يقطن فى مكان ما من الأرض، وإن الشعب والوطن هما المرآة التي ينعكس عليها الدين وإصلاح البلاد والعباد، وإن الدين لا يمكن أن يظهر فى وطن وشعب غير موجودين. وهذه نقطة الخلاف بيننا وبين من يهجرون الشعب ويقتلون الأبرياء قائلين بأنهم يحكمون بالدين. ففي من يحكم بالدين اذا لم يبق فى البلاد من يُحكَم؟

3- عدم وجود اعترافات علنية أو صريحة

صحيح أن القيادة العليا للجماعة تعلن موقفها عبر الوسائل المحلية والدولية،وتدين الأعمال القتالية التي تقوم بها حركة الشباب مثلا، لكنها لم تستطع حتى اللحظة – فيما أعلم وبحسب متابعتي المحدودة – أن تعترف للشعب الصومالي وتعتذر له عن ممارستها الخاطئة وخاصة تلك الحروب التي خاضتها فى شمال شرقي البلاد والجنوب فى بداية تسعينيات القرن المنصرم، وأنّ قرار حمل السلاح وفتح معسكرات التدريب لأتباعها كان خطئاً استراتيجيا فادحا ارتكبته الجماعة. كما أن الجماعة لم تصدر أي نوع من المدونات العلمية التي تعلن فيها تراجعها عن بعض المفاهيم والممارسات الخاطئة، كما فعلت كل الجماعات الأصولية التي قامت بمراجعات فكرية سابقا حول العالم.

4- من الملاحظ ايضا:استقرار مفهوم الإسلام الوسطي لدى بعض قيادات الجماعة

صحيح كانت بعض قيادات الجماعة مقتنعة بضرورة إجراء مراجعات فكرية وتأصيل ممارسات الجماعة فيما يتعلق بالأعمال المسلحة(المماسات الجهادية) نذكر منهم على سبيل الايجاز الشيخ محمود عيسى الأمير السابق،فقد كان معارضا لأسلوب وكيفية تعاطى الجماعة مع القضايا السياسية بحكم معرفته الجيدة بتاريخ الجماعات الاسلامية، والشيخ الراحل عبد القادر نور فارح “جعمي”يرحمه الله، والشيخ على ورسمه حسن الأمير الأسبق للجماعة الذي كان معروفا بانتهاجه منهج التوسط والاعتدال، وطرح مرات عديدة ضرورة اجراء مراجعات فكرية أو ما أسماه “بتصحيح المسار”فى مناسبات متعددة وعبر وسائل إعلام محلية منها موقع ” ا لصومال اليوم(“[4])

والرسالة التي كتبها الشيخ بعنوان ردود مقابلة تصحيح المسار على نفس الموقع بتاريخ 31ديسمبر 2011م فهو مفيد جدا.

5- تواجه الحركة فى هذه المرحلة اختبارا حقيقيا صعباحول مدى قدرتها على التنظيم وكسب تأييد أنصارها وإقناعهم بضرورة التحوّل وتجاوز هذه المرحلة الصعبة من تاريخها ون أن تتعرض لتصدعات جديدة قد تفضي إلى عرقلة المسيرة وظهور كيانات أكثر تشددا قد تنتهج أسلوب العنف

المراجع

[1] http://www.assakina.com)

[2] 1ممدوح الشيخ الجماعة الاسلامية فى مصر:مراجعة الفكر والاساليب  والمواقف murajaat.com/trajuaat_akra_data/4.DOC

[3] مقال هاني نسيرة بعنوان رؤية تحليلية لمراجعات الجماعات الجهادية موقع السكينية على الربط التالي http://www.assakina.com

[4]://www.somaliatodaynews.com أنظر الحوار الذي اجراه معه الموقع بتارخ March 2011

عبد النور معلم محمد

كاتب وباحث بمركز مقديشو للبحوث والدراسات

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أشكر الأخ عبد النور على جرأته بفتح هذا الملف الذي لا يعرف ما يدور في داخله.
    وما أسميته من مراجعة غير معلنة ، فهذا من حسن ألفاظك ، ولكن لم نرى أي إشارة من ذلك إلا كلام عام يراد منه للاستهلاك فقط ، وكان الواجب على الجماعة بان تمثل بالتيار السلفي كمنهج لا كحركة ، ولم تستطع التواصل الا من أعضاءها ، فوجهت جهودها الدفاع عن مصالحها دون مبادئها ، وتعاني الحركة من انحسار في مجلات كثيرة ، وكثير من الناس يطلقون عليها باسم حركة الاتحاد مما يدل بأن الشعب لا يعرف عنها كثيرا .
    وما أسميته من الاختبار الذي تواجه الحركة في هذه المرحلة ، فلم يكن وليدة اليوم بل منذ انشطار الاتحاد الاسلامي ، كان التيار السلفي بأجمله يواجه تحديات خطيرة ، وكان النتيجة مزيدا من التفكك والتشرزم ، لأن العقلية الصومالية متماثلة سواء كانت على اللباس السياسي إو الديني .
    وأرجو بان يكون مقالك هذا باكورة لفتح ملفات الحركة الإسلامية الصومالية عامة ، لأن النقد والمراجعة من أسباب معالجة كثير من المشاكل الموجودة في الساحة .
    وشكرا مرة أخرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى