أخبارالركن الثقافيمقالات

عادتَي التر والتوكسى – نطرة في الفلكلور الشعبي الصومالي

(Tur iyo Tuugsi)

توطئة :

من المؤكد ان لكل مجتمع عادات وتقاليد تختلف عن عادات وتقاليد أي مجتمع آخر، وإن كنا نجد تشابها بين بعض العادات والتقاليد في بعض المجتمعات ولكنها لا تتشابه جميعا. 

وتكشف العادات والتقاليد عن اختلاف كبير داخل المجتمع الواحد، فنجد فروقا بين عادات الفلاحين وعادات سكان المدن، ونجد فروقا بين العادات التي تسود داخل الطبقات والشرائح التي يتكون منها المجتمع، وهناك عادات وتقاليد خاصة بالأطفال وأخرى خاصة بالرجال وثالثة خاصة بالنساء، كما تختلف العادات والتقاليد باختلاف الفئات الحرفية والطوائف الخاصة .

تتحكم العادات والتقاليد في سلوك الأفراد من أوجه الحياة المختلفة, فما من سلوك يصدر من أحد الأشخاص في مجتمع إلا ويكون وراءه عادة أو تقليد. 

وابرازا لقيمة العادات في بلدي الصومال نتناول بشكل موجز عن بعض العادات التي تمارس في جنوب الصومال ، علما اننا نقول دوما او يقال عنا بالأحرى باننا امة لا تدون، ويستوقفني دوما عندما يطرأ موقفا معينا في أمر ما اوفى بلد ما كيف يسرع المعنيين في تغطيته ودراسة حيثياته والكل يبحث ويقارب حتى ينجز احدهم تأليف كتاب حول الموضوع وفى مدة وجيزة لريما بضعة ايام او شهور ، بيد ان اهلي الصومال –وللأسف – لا يكتبون تاريخهم بأقلامهم فضلا عن تغطية الأحداث وتفسير الموافق بوجه السرعة . وهنا اشيد وأثمن الاخ /حسن محمود قورانى في مقاله السباق المعنون بـ” رقصة “طانتو” ضوء من التراث الصومالي” المنشور في  مركز مقديشوا للبحوث والدراسات ،الأخر السباق في تغطية الاحداث في الشأن الصومالي وتحليلها بلغة الضاد وبأقلام صومالية بارعة.

فعادتي التر والتوكسى هما لب العادات التي تمارس في جنوب الصومال بيد ان الجدير بالتنويه هنا هو أن قبيلة -(جري)  Garre بفتح الجيم وتشديد الراء او كرى  Karreكما ينطقها القوم احيانا-  هي التي تمارس هاتين العادتين بشكل خاص.

فأما عادة التوكسي هي عبارة عن رقصات شعبية تعبر دائما عن البهجة والفرحة والمشاعر الجميلة، وغالبا ما تقام هذه الرقصة عند الانفراج كالخروج من الحرب بالنصر، وإنجاب ثلة أولاد ذكور لفخذ من العشيرة، وقد تقام بمناسبة دعاء للعشيرة أو ختم للقرآن، وحفلات العرس، غير أن الصفة المميزة هي أنهم يقومون بعد قراءة القرآن  بذبح قطعان من الماشية ونوق من الابل ،وقد يكون جل ما يذبح من الأغنام سيما الضأن لكون اعتقاد البعض أن لحم الضأن للعلماء والمشايخ، ويعيد الناس جذور عادة الرقص (التوكسي) إلى قبل مئات السنين تقريبا .

وأما طريقة رقصها هي أن الكبار من أفراد العشيرة يصطفون صفا واحدا، وغالبا ما يكون احتراما لمقامهم، ويصطف الكهول والشبان صفا محاذيا له فيبدأ الأكبر سنا الرقص ومن هنا يتوالى الرقص مع ترديد جماعي بعبارة (ليبان واهو) والتي تعني (ها هو الفلاح) بصورة جماعية وبصوت مرتفع، وتختص هذه الرقصة بالذكور فقط، ولا توجد قصائد شعرية إذ يكتفي الراقصون عند إقامتها بالرقص وترديد العبارة المذكورة المسجوع أي ذات السجع غالباً حتى تختلط الصفوف ويختلط الكبار بالصغار لتعكس توحدا وانسجاما فيما بينهم، فعندئذ يختم الأكبر منهم كما بدأها أول مرة وقد يكون الختم إما بالدعاء أو التوجيهات النافعة والإرشادات المفيدة.

أما عادة (التر)فهى تختلف تماما عن نظيرتها “التو كسي”إذ تقام عادة (التر) في مواسم الرخاء ومناسبات الأعياد، ولا يمارسها إلا من هو في مقتبل عمره وعنفوان شبابه، ولعل مرد ذلك ما تحمله من بعد رومانسي لا يتحمس له الكبار غالبا. فطريقة رقصها هي أن تجتمع فئة من الشباب في موقع يتم الاتفاق عليه مسبقا، ويكون في أغلب الأحيان موقعاً نائي عن السكنات أو تحت الأشجار الوارفة الظلال، كما أنها يُفَضَّل أن تكون في عتمة الليل لا سيما النصف الأخير منه، لأن الشباب ينشغلون في النهار برعاية مواشيهم وحرث مزارعهم ، فيسارعون لممارستها بعد العتمة، ولطالما تم الاتفاق على الموقع والزمن قد تم مسبقاً ،فإن أي شاب يتجه إلى الموقع وهو ينشد أبياتاً شعرية تجسد معاني رقيقة يرددها حتى يصل إلى المكان المحدد، فما أن تكاد الأصوات تتهافت إلا ويتحمس الشبان (أعني الذكور والإناث) فيصطفون على شكل حلقة دائرية ويكون هناك منسق عام لسير الرقصة وهو يديرها بصورة دقيقة، فيأمر الشاعر المرموق -أفيال- وفي بعض المناطق –أفمال-  أن يبدأ سرد أبيات شعرية ربما من قصائد ألفها من قبل أو يؤلفها في تلك الحالة حسب موهبته الشعرية واستطاعته لمواكبة المناسبة شريطة أن لا يخرج من الإطار والمشاعر الرقيقة والجميلة؛ فيسرد الشاعر (أفيال) أبياته بصوت عال وواضح وعند نهاية كل بيت يردد مرتين أو ثلاثا أو أكثر، و تردد معه فرقته الإنشادي، وهذا كله دون أن يحدث أي حركة أو التفاتة لليمين أو الشمال، وما أن تنتهي قصيدة الشاعر إلا ويبدأ الشبان الرقص بطريقة هادئة مع ترديد عبارة، بِي “BII” والتي لا يوجد لها معنى حقيقي معين بقدر ما ترمز لإيقاع يشبه موسيقى للتفاهم، وحينئذ تتوسط فتاة الحلقة مرتدية شالا فضفاضاً مترامي الأطراف، بحيث لا يعرفها إلا المنسق وأعوانه، وتدخل الفتاة بخطوات هادئة، وبمجرد أن تتوسط الفتاة إلى داخل الحلقة  يبدأ أفمال وأعوانه من الشعراء الأبيات ذات المصرع القصير وبصوت أكثر هدوء ،وتتزايد سرعة الرقصة مع مرور الزمن، وكلما رقصت البنت بشدة وسرعة وحرارة كلما أثر ذلك إيجابا على سير الرقصة، والجدير بالذكر أن الرقصة عندما تزداد جمالا وأناقة وتناغما بين ممارسيها قد تؤدي إلى حالة من الشطح يمكن أن تصل عند بعض الناس لدرجة غريبة يستخرج عندها سكيناً ويُقَطِّع به أجزاء من جسده ولا يشعر بشيء من ذلك إلا بعد انتهاء الرقص، ويعود تاريخ هذه العادة إلى ما قبل مئات السنين حسبما يتوارثها الأجيال كابرا عن كابر.

 وهاتان الرقصتان جرت العادة أن تمارسها تلك المنظومة القبلية الكبيرة التي تسكن في أراضي شاسعة في منقطة القرن الإفريقي من جنوب جمهورية الصومال في أقاليم بنادر، وشبيلي الوسطى، باي ، بكول، جدو، جوبا الوسطى ، وجوبا السفلى، وكذلك في مقاطعة – منطيرا – في الأراضي المعروفة بالحدود الشمالية في كينيا NFD ، ومقاطعات اخرى في منطقة الصومال الغربي التابع لأثيوبيا. ويمكن البحث بالمزيد في من يمارس هاتين العادتين في المجتمع الجري المهاجر في وسط وأدغال إفريقيا كتشاد مثلا والذين لا زالوا ينتمون إلى قبيلة الأم في الصومال كما يذكر في الاساطير التاريخية .

ومن الغريب أن القبائل الصومالية الأخرى لم تتأثر من نظيرتها قبيلة الجري سواء في عادة التور أو عادة التوكسي كثيرا، رغم الشائعات بان هيئة الفرد –الجري- بشعره الكثيف ونحالة جسمه وطوله لهو المجسم المستخدم لدى السلطات الصومالية في الفلكلور الشعبي

الجدير بالذكر أن الفولكلور الشعبي لقبيلة الجري وغيرها من القبائل والمنظومات الصومالية الأخرى لا يقتصر على هذين العادتين، وإنما أردنا الكتابة عنها هنا فقظ أن نلفظ الانتباه إلى القراء الكرام بأن الصومال تتمتع بتراث عريق غني بلمحات سحرية ذات جذور عميقة في قدم التاريخ، وأنّ بلاد الصومال ولاسيما قسمها الجنوبي تحتاج إلى بحث حر وقلم فياض يصل إلى غور معاني البحور والأدب المدفون في أرضه نثراً  ونظماً، كما ذكر ذلك الدكتور محمد حسين معلم في مقدمة كتابه ” ديوان أبشر نور فارح بعدلي”، وهنا اثمن دوره عاليا في تدوين اجزاء مهمة في تاريخ الصومال سواء في مؤلفاته او سلسة مقالاته وهو يحث دوما على كل قادر ان يسطر ولو قليلا عن تاريخ هذه الامة وتراثها المجيد من باب – لا تحقرن بالمعروف.

بقلم/ادم شيخ حسن حسين “الازهري “

اهم المراجع : 

تاريخ الأعراف والتقاليد الاجتماعية في الصومال للباحث المؤرخ الاستاذ. محمد عمر حلني 

صفحة  البروفسور .محمد ابراهيم ابو سليم http://abusaleem.net/ar/

مكالمة عبر الإسكاب مع  العمدة السابق لمقاطعة – قر يولى-  السيد . ادم عبدى محمد .

آدم شيخ حسن

آدم شيخ حسن حسين " الأزهري" كاتب وباحت -حاصل على الماجستير قسم إدارة الأعمال ويحضر لدرجة الدكتوراه في نفس المجال -، عمل في مجال الاعلام محررا وكاتبا وباحثا ومحللا في قضايا القرن الأفريقي ، وله العديد من المقالات والبحوث المنشورة في المواقع والمجلات المحكمة ،كما يشارك في الحوارات التلفزيونية والإذاعية في تحليل الشأن الصومالي بشكل خاص. يتقن العربية والإنجليزية والنرويجية اضافة الى لغة الأم الصومالية، يقيم حاليا في مملكة النرويج .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات