أخبارتقارير ودراساتملفات

الصومال… النزاعات القبلية وغياب الدور الحكومي

شهدت نهاية العام المنصرف مناطق في جنوب ووسط الصومال ، مواجهات قبلية عنيفة خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. فوفقا لتقارير دولية أسفرت تلك المواجهات عن مقتل وجرح عشرات من الابرياء ونزوح الآلاف من سكان المناطق التي شهدتها الاشتباكات بالاضافة الي احراق قرى بأكملها.

وذكر تقرير للأمم المتحدة أن آلالفا من سكان اقليم شبيلي الوسطى اضطروا خلال المعارك الي الفرار من ديارهم “نتيجة الاشتباكات التي دارت بين قبيلتي جرير وعشائر أبغال والتي قتل فيها أكثر من مائة شخص” بينما تم احراق قرية “كبحلي” الواقعة على بعد حوالي 22  كلم شمال غربي اقليم هيران بوسط البلاد اثر اشتباكات جرت بين قبيلتي حاودلي وسرّى. 

أما في اقليم شبيلي السفلى كانت المواجهات عنيفة واستمرت لعدة أيام قتل فيها مالا يقل عن 60 شخصا واحرق أجزاء من منطقة رقم 50 التي تقع على 50 كلم جنوب العاصمة مقديشو. 

بالرغم من توقف المواجهات المباشرة بين المليشيات القبلية عقب ارسال الحكومة الصومالية وفود الي المناطق المتوترة الا أن أسباب الحرب مازالت تؤرق مضاجع أهالي تلك المناطق، وهناك مخاوف من أن يتجدد القتال وينتشر في أماكن جديدة.

فيما يبدو كان موضوع النزاعات القبلية غائبا في أجندات الحكومة، لأنه لم يكن أداؤها على مستوى يناسب حجم القضية، وهو ما ظهر جليا في الأسلوب التي تعاملت مع الأزمة حيث اقتصر دورها على أصدار بيانات التنديد والشحب، وارسال وفود حكومية الي المناطق المتوترة دون أن تطرح مشروعا وطنيا يحل جذور المشكلة التي قد تتطور في المستقبل الي حرب شاملة تشارك فيها قوى اقليمة، تهدد ما تبقي من جمهورية الصومال.

 هناك أربعة أشياء تدل على تقصير الحكومة في ايجاد حلول ناجعة للنزاعات القبلية:

1- ظهرت بوادر الأزمة منذ انتخاب الرئيس عام 2012 وقبلها بفترة، وكانت بادية للعيان، خاصة بعد ظهور تحركات عشائرية تدعمها قوى اقليمة بهدف السيطرة على المناطق التي تنسحب منها حركة الشباب الصومالية الا أن الحكومة لم تأخذ هذه “التحركات” على محمل الجد وحاولت اختزال الصراع في قضية كسمايو، أو بونت لاند تاركة مصير الاقاليم الأخري في كف العفريت، ولم تصارح مواطنيها بحقيقة ما قيل إنها مؤمرات تحاك ضد البلاد وعلى العكس وضعت كل ثقلها على كسب رضا بعض الأطراف ودون أن تشغل نفسها اعداد مشروع وطني شامل لا يستثني أحدا قادر على انهاء معاناة سكان المناطق الصراع التي استمرات أكثر من ربع قرن.

2- حين برز النزاع القبلي الي العلن ودارت مواجهات عنيفة بين العشائر في كل من هيران وشبيلي السفلى والوسطى، لم يكن التدخل الحكومي سريعا، وفيما يبدو كان الحكومة تراهن على قوة بعض العشائر كي تحسم المعركة لصالحها، لأن معظم القوات الحكومية في مقديشو، ونواحيها تنتمي الي تلك  العشائر، ولا يحفى على احد أن سلطة الحكومة على تلك القوات محدودة بل تتمرد احيانا على قراراتها  وتتهم بعض ضباطها بالتواطؤ مع جماعات أخرى ضد الدولة، وذلك وفق التقرير الذي نشره فريق الرصد المعني بالصومال واريتريا التابع للامم المتحدة .

3- تعاملت الحكومة مع النزاع القبلي على أنه موضوع هامشي لا يمس بوحد ة البلاد ، ولا يضعف ثقة الشعب على الحكومة، وأنه يمكن ارجائه الي ما بعد عام 2016، غير أن الحقيقة توحي خلاف ذلك، فالنزاعات القبلية على ملكية الأراضي قضية محورية وجوهرية لبناء دولة ديمقراطية تتساوى فيها الحقوق والواجبات بين جميع مكونات الشعب الصومالي، وكان ينبغي اعطاء القضية حجمها الحقيقي وعدم الافراط  أو التساهل في معالجتها  ضمن الاطار القانوني والدستوري في البلاد.

4- الخطاب الأخير الذي وجهه الرئيس حسن شيخ محمود الي القبائل المتقاتلة في اقليم هيران وشبيلي الوسطى وشبيلي السفلي أثار جدلا واسعا في أوساط الصوماليين، وأعاد الي الواجهة السؤال الموضوعي والمتعلق عن مدى حيادية القيادة العليا للدولة التي تنحذر من عشائر هي نفسها طرف في المعارك الدائرة في تلك المناطق. وكان الأجدر أن يناى المسؤول في دوائر الدولة بنفسه عن المنزلق القبلي رغم صعوبة التمرد على قرارات العشيرة التي رشحته وانتخبته، وخاصة في وقت لا تزال العملية السياسية في البلاد شيء معقد، والاضاع الامنية هشة وقابلة للاشتعال.

فالحكومة الصومالية يمكن أن تلعب دورا هاما في حل النزاعات القبلية والي الآن تعتبر الجهة الأنسب وإن لم تكن الوحيدة القادرة على وضع حد لهذه المشكلة التي تعد قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أية لحظة والطريق الوحيد لحل المشكلة هو تعين مجلس وطني يطرح مبادرة شاملة للقبائل القاطنة في تلك المناطق ويجب أن  تتوفر في تلك المبادة عدة شروط أهمها: أن تكون شاملة لا تستثني أحد من الجهات المتنازعة، والا تكون مبنية على أساس القوة أو منعكسة على شروط المنتصر فأن ذلك يأثر سلبا على جهد المجلس لايجاد أرضية مشتركة يمكن الإنطلاق منها للتوصل على حل عادل ودائم ينهي أحد الأسباب الرئيسية للمعضلة  السياسية في الصومال، كما يجب  أن يكون الهدف ارضاء تلك العشائر المظلومة واعطاء حقوقها السياسية  كاملة.

لاشك أن الطريق الي ذلك ليس بالأمر السهل أو الهين لكنه أمر لابد منه، لأن الحل البديل  كارثي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فالبديل هو الحرب أو استخدام السلاح مرة أخرى وهذه المرة يختلف الوضع عن المرات السابقة، فهناك قوى أجنبية تتشمر سواعدها لتعلب دورا في تأجيج هذا الصراع وأطالة أمده بهدف تحقيق مصالحها في الصومال التي لا يحدها حدود تلك البقع التي تتنازع العشائر على ملكيتها وكل المعطيات على الأرض تدل أو توحي ذلك. فهناك مساعي تقوم بعض العشائر لإنشاء كنتونات في المناطق المتنازع عليها تتحالف مع قوات من دول الجوار لها صلة مباشرة مع مايجري في البلاد وتريد أن تصطاد من مياه العكرة.

 

 

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات