وقد أحببتُ أن أقدِّم هذه التأملات في هذه الآية الكريمة ما دمنا في شهر القرآن الكريم؛ شهر التدبر والرجوع إلى هدايات كتاب الله تعالى. ويزداد التأمل في معانيها أهمية في ظل ما نراه ونسمعه من اعتداءات الكفار على بلاد المسلمين، وما يثار من تهديدات ومواقف يُقصد بها الاستخفاف بالمسلمين والنيل من حرماتهم.
ولهذا وقفتُ مع هذه الآية وقفة تأمل وتدبر، مستعرضًا شيئًا مما ذكره المفسرون في بيان معانيها ودلالاتها؛ رجاءَ التذكير بهداياتها، وربط معانيها بواقع الأمة، لا سيما في هذا الشهر المبارك.
قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى المؤمنين بالإعداد والاستعداد لمواجهة أعدائهم، فيقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم﴾، أي هيِّئوا وجهِّزوا لهؤلاء الكافرين الذين يسعون في إهلاككم وإبطال دينكم، ولا يؤمَن جانبهم في الغدر ونقض العهود.
وقد جاء قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم﴾ معطوفًا على ما قبله من الآيات التي تبيّن ضعف المشركين وعجزهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾؛ فكأن الآية الكريمة جاءت احتراسًا وتنبيهًا حتى لا يظن المسلمون أن عدوهم أصبح في متناولهم بلا إعداد ولا استعداد للتنبيه عليه مع وعد الله بالنصر لهم لا بد من الأخذ بالأسباب وإعداد القوة، ومن هنا كان الإعداد سببًا من أسباب تحقق وعد الله وإظهار سننه في نصر المؤمنين.
والمقصود بالأعداء هنا أولئك الذين يُخشى منهم الغدر والخيانة، أو الكفار عمومًا ممن لا يؤمن جانبهم، ويشمل هذا الخطاب جماعة المسلمين كافة، غير أن تنظيم هذا الإعداد وتنفيذه يقع على عاتق ولاة الأمر؛ لأنهم القائمون على تدبير شؤون الأمة ورعاية مصالحها العامة.
أما قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ فهو لفظ عام يشمل كل ما تتحقق به قوة المسلمين في مواجهة عدوهم. وذكر العلماء في تفسير القوة عدة أمثلة، منها:
أنواع الأسلحة التي يُقاتَل بها العدو مثل الرماية والتدرّب عليها، وقد جاء في الحديث عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال على المنبر: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي».
وكان عقبة رضي الله عنه شديد العناية بالرمي حتى مات وترك سبعين قوسًا في سبيل الله.
ومثل تجهيز الحصون والتحصينات الدفاعية التي تحمي ديار المسلمين.
وقيل: إن المراد بالقوة كل ما يتقوى به في الحرب؛ لأن الإعداد معناه التهيئة والإحضار لكل ما يعين على دفع العدو.
وعلى هذا فالمعنى يشمل في كل زمان ما يندرج تحت مفهوم القوة؛ كإعداد الجيوش، والتدريب العسكري، وتطوير الأسلحة، وبناء الحصون والتحصينات، وكذلك إعداد القوة العلمية والفكرية والسياسية التي بها تتقدم الأمم وتدفع عن نفسها عدوان الأعداء.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، أي أعدوا لهم الخيل المربوطة للجهاد، وكانت يومئذٍ من أعظم أدوات القتال والحركة في الحرب. والمقصود بها كل ما يقوم مقامها في تحقيق الغاية نفسها، وهي إرهاب العدو وردعه.
ولهذا قال سبحانه: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، أي ليكون في إعداد هذه القوة ردعٌ للأعداء وزجرٌ لهم عن الاعتداء. والمقصود بالإرهاب هنا إرهاب الردع والمنع؛ أي إظهار القوة التي تمنع العدو من التفكير في العدوان أو الإقدام عليه.
وهذه العلة – وهي إرهاب العدو وردعه – هي أساس الحكم في الآية، ولذلك فإن كل وسيلة تتحقق بها هذه الغاية في أي عصر من العصور تدخل في معنى القوة التي أمر الله تعالى بإعدادها. فالمقصود ليس نوعًا معينًا من الوسائل، وإنما تحقيق القوة التي تحفظ للأمة هيبتها وتدفع عنها عدوان أعدائها.
ولهذا قال العلماء: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ فما كان سببًا في قوة المسلمين، وإظهار هيبتهم، وردع أعدائهم، فهو داخل في عموم الأمر الإلهي بالإعداد.
ومن المهم أن يُفهم من معنى الإعداد في هذه الآية أنه لا يشترط أن يكون للمسلمين مثل ما لدى أعدائهم من العدد أو العُدَّة على وجه المماثلة التامة، وإنما المطلوب أن يبذل المسلمون غاية ما يستطيعون من أسباب القوة بحسب قدرتهم وإمكاناتهم؛ لقوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾. فالتكليف مرتبط بالاستطاعة، وبذل الوسع في تحصيل أسباب القوة.
وقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى في مواضع أخرى، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 64–66).
فهذه الآيات تدل على أن النصر في الإسلام لا يقوم على مجرد كثرة العدد أو وفرة العُدَّة، بل يقوم على اجتماع عدة أسباب، من أهمها: الصبر، والثبات، وقوة الإيمان، مع الأخذ بالأسباب الممكنة من إعداد القوة.
ومن الأمثلة القرآنية الواضحة التي تدل على هذا المعنى قصة طالوت وجالوت، وهي قصة تبين أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد وحدها، وإنما يتحقق بتحقق الإيمان والصبر والأخذ بالأسباب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 250–251).
وتسلّط هذه الآيات الضوء على قضية مهمة في حياة الأمم، وهي قضية الكمّ والكيف والعلاقة بينهما. فقد خرج طالوت لقتال جالوت ومعه أعداد كبيرة من الجنود، وهذا يمثل جانب الكمّ، لكنه أراد أن يختبر نوعية الرجال الذين سيقاتل بهم، فابتلاهم بالشرب من النهر؛ ليميز الصابرين المنضبطين من غيرهم.
فلم ينجح في هذا الاختبار إلا قلة قليلة، نحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهو عدد يقارب عدد أصحاب بدر، في حين أخفق أكثر الجيش في هذا الامتحان. وهنا برزت قيمة الكيف، أي جودة الرجال وقوة إيمانهم وثباتهم.
وكان موقف هذه القلة المؤمنة متناسبًا مع ما تحلَّوا به من يقين وثبات، فقالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فكانت هذه الفئة القليلة هي الغالبة، لما نالت من تأييد الله ونصره بعد أن استكملت شروط النصر من الإيمان والثبات والصدق في نصرة دين الله.
وفي ختام الآية قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وفيه إشارة إلى أن هذه الفئة المؤمنة كانت متحلية بصفة الصبر، وهو من أعظم أسباب النصر والثبات في مواجهة العدو.
وقد تجلّى هذا المعنى أيضًا في يوم بدر، الذي سماه الله تعالى يوم الفرقان؛ إذ كان عدد المسلمين وعدتهم أقل بكثير من عدوهم، ومع ذلك نصرهم الله؛ لأنهم أعدّوا ما استطاعوا من قوة، وتمسكوا بطاعة الله ورسوله ﷺ.
وفي المقابل يظهر الدرس نفسه في يوم حنين، حين أعجب بعض المسلمين بكثرتهم، فنبّه القرآن إلى خطأ الاعتماد على العدد وحده، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25).
فدلّت هذه الوقائع القرآنية والتاريخية على حقيقة عظيمة، وهي أن النصر لا يكون بمجرد الكثرة، وإنما يتحقق باجتماع الإيمان الصادق، والصبر، والطاعة، مع إعداد ما يُستطاع من أسباب القوة؛ سواء وُجد التفوق في العدد والعدة أم لم يوجد.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





