التقليد ليس مجرد اتباع للغير، بل هو إلغاء لأهم ما يملكه الإنسان: عقله وشخصيته المستقلة.
يُقال دائمًا إن “من سار على درب غيره دون هدى، أضاع دربه ولم يصل لغايته”. فالمشكلة ليست في الاستفادة من تجارب الآخرين، بل في استنساخ أفعالهم دون وعي بالدوافع أو النتائج.
((بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ))
هنا يهرب الإنسان من مسؤولية التفكير الشخصي ويلجأ إلى “الجماعة” أو “الآباء”. التقليد هنا ليس اتباعاً عن قناعة، بل هو استسلام لوراثة فكرية دون فحص
المطلب الشرعي هو الاختيار أنبل أفكار وأجملها
((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ))
الآية الكريمة تحمل منهجاً فكرياً وأخلاقياً راقياً جداً، فهي تمدح الذين يمتلكون مهارة الإنصات الواعي والقدرة على التمييز بين الطيب والخبيث من القول.
المطلب الشرعي هو الدليل عند الادعاء
( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)
هي دعوة صريحة لنبذ التبعية العمياء والظنون، واستبدالها بالمنطق والدليل
“فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ”، الآية الكريمة تكشف لنا كيف أن الشعوب هي التي تصنع فراعنتها حين تتنازل عن حقها في التفكير.
فرعون لم يسيطر عليهم بالقوة المحضة في البداية، بل بدأ بـ “الاستخفاف”.
- معنى الاستخفاف: هو جعل عقولهم “خفيفة” لا وزن لها، خالية من المنطق والبرهان.
- كيف؟ من خلال البروباغندا (أليس لي ملك مصر؟) ومن خلال احتقار الخصم (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين).
- النتيجة: عندما “خفّت” عقولهم ولم تعد تستند إلى “أحسن القول” أو “البرهان”، أصبح من السهل تحريكها في أي اتجاه.
الطاعة هنا لم تكن طاعة الواثق، بل طاعة “المقلّد” الذي ألغى ذاته. التقليد الأعمى للموروث (تقديس الحاكم كإله) جعلهم يتقبلون منه أي ادعاء، حتى لو كان “أنا ربكم الأعلى”.
هنا تبرز الروعة القرآنية؛ فالله لم يضع اللوم على فرعون وحده، بل وصف القوم بأنهم “فاسقون”.
- لماذا؟ لأنهم قبلوا “الاستخفاف”.
- لأنهم امتلكوا أدوات المعرفة (العقل والحواس) وعطلوها اتباعاً للهوى أو خوفاً من التغيير.
وأخيرا ، الاستبداد لا يعيش في بيئة تسأل عن “البرهان”، بل يزدهر فقط في بيئة “إنا وجدنا آباءنا”. فرعون لم يكن ليطغى لولا “خفة” عقول من حوله.





