زيارة الوفد السعودي إلى إثيوبيا ما هي إلا إعادة سعودية لقراءة ما يحدث في القرن الأفريقي، ولن تأتي بنية مطالبة أديس أبابا بالعدول عن الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، فدول القرن الأفريقي متوافقة مع المطلب الاثيوبي للحصول على منفذ بحري بما فيهم الصومال “بإعتبارها الصوت الأكثر دوياً فيما يتعلق بالملف الإثيوبي”، ولكن شرط مقديشو هو عبور المطلب الإثيوبي عبر الدولة الفيدرالية الشرعية، وهذا ما تمت الإشارة إليه في إعلان أنقرة الأخير، وبالتالي إذا نجحت إدارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الوصول إلى نقاط توافقية مع إدارة الدولة الصومالية الشرعية فالأمور قطعاً ستتجه إلى مسارها الصحيح، أما ما يتعلق بإرتريا فتدرك كافة دول القرن الإفريقي حالة المد والجزر التي دائماً ما تتصاعد بين أسمرة وأديس أبابا والتي غالباً ما تنتهي إلى “السكون الحذر”.
أما إذا جاءت الزيارة في طور تقرير وكالة رويترز الأخير حول وجود معسكرات تدريب في الأراضي الإثيوبية داعمة لمليشيا الدعم السريع المتعددة الجنسيات والتي تهدد سلامة وسيادة الدولة الوطنية السودانية فهذا شأن أخر، فتدرك الرياض أن إدارة رئيس الوزراء الإثيوبي “أبي أحمد” باتت تدرك بأن التطورات المتلاحقة في جنوب الجزيرة العربية “اليمن” والتي إمتدت لمنطقة القرن الإفريقي ستفرض على أديس أبابا إعادة قراءة الحسابات الأمنية وضبط المسار السياسي لضمان مستقبل الدولة الأثيوبية، صحيح أن الدولة الأثيوبية في عهد “أبي أحمد” نجحت على حد كبير في تعزيز حضورها “محلياً” و”إقليمياً” و “دولياً”، وإنخرطت في تحالفات متعددة أسبغت عليها نوعاً من الفرادة الجوهرية تحتاجها أديس أبابا لإقناع الداخل بقدرتها على خلق ما يعرف في علم الفكر السياسي بــ”Politique de l’autonomie de soi” ويعني “الذاتانية السياسية”، إلا إن قبول الدولة الأثيوبية بالمضي قدماً في دعم مشروع إسقاط دولة وطنية في السودان وإحلال مليشيات متعددة الجنسيات مكانها وتمكينهم من تدشين معسكرات تدريب خاصة على الحدود السودانية الشرقية فهو رهان على الأمن القومي الأثيوبي لم تحسب حسابه الإدارة الأثيوبية.
ولإجبار عودة أديس أبابا لمربع الحياد تجاه الأزمة السودانية والذي غادرته في فبراير 2024 يقترح على الحكومة السودانية التعامل مع الملف الإثيوبي بالكثير من الحذر والهدوء، وإيجاد نقطة تلتقي فيها الأهداف السودانية مع المصالح الأثيوبية، خاصة أن هناك “نهج -أمني-سياسي” إثيوبي قديم يرى أن الأمن القومي الإثيوبي مرتبط في المقام الأول بأمن المكون الداخلي والذي ينعكس أمنه تلقائياً بأمن جواره الإقليمي لا بتحالفاته الخارجية “فقط”، كما يمكن للخرطوم العمل على إرسال رسالة تطمئن أديس أبابا بالحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر شرط الإلتزام بموقف الإتحاد الإفريقي ودون الحاجة إلى دعم إقليم إنفصالي “صوماليلاند”، وإعتبار قضية الإقليم هو شأن صومالي خاص يتوافق أو يتخالف حوله الصوماليون فلأمر في النهاية سيتجه للتحكيم الدولي، خاصة أن “مقديشو” سبق وصرحت بموافقتها على أن حصول إثيوبيا على منفذ بحري سيتم بالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية، فهناك أطراف دولية واقليمية تعاونت مع هرجيسا ولكنها احترمت السيادة الصومالية ومررت ذلك التعاون بالتنسيق مع سلطة الدولة الفيدرالية، أضف إلى ذلك أن هناك قبول سوداني “قديم” بحضور إثيوبي على السواحل الشرقية السودانية “بورتسودان”، فإقناع الإدارة الأثيوبية بالمعطيات السابقة والتأكيد بإن قيادتها المستقبلية لمنطقة الشرق الإفريقي لن تمر إلا عبر التفاهمات الجيوسياسية مع جوارها الإقليمي أولاً وأخيراً، لا عبر التعاطي مع الكيانات الإنفصالية والمليشيات المتمردة على الدولة الوطنية هو الطريق الأمثل والداعم لإستقرار المنطقة.
العقبة التي تواجه الرياض هو افتقارها للقدرة على تجاوز حالة الحذر التاريخيّ الذي ما زال يحيط بالدبلوماسية السعودية عند التعامل مع “اثيوبيا وارتيريا” وذلك يعود إلى التقلبات السياسية الداخلية لأسمرة وأديس أبابا والتي تنعكس على رؤية الرياض للأنظمة الحاكمة في تلك المنطقة.
بإختصار، أرى أن الأطراف الخليجية الست “مجتمعة” ما زالت تفتقر لمعرفة جذور التراكمات الإجتماعية والنفسية التي أحاطت بالملفات السياسية الداخلية في القرن الإفريقي والتي إنعكست على سياساتها الخارجية، وعزز ذلك بروز قناعة إفريقية لا تؤمن بإستقلالية الدور الخليجي وتراه بأنه دور”تنسيقي” تم بالتشاور مع الأطراف الدولية الفاعلة في القارة الإفريقية، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه إلا من خلال تلك الأطراف، ويبقى السؤال هنا والذي يجب علينا كخليجيين أن نحتشد للإجابة عليه هو كيف يمكن توحيد رؤيتنا السياسية ومصالحنا الإقتصادية ليس فقط في القرن الأفريقي بل في إفريقيا عموماً؟ وهل سنجد طريقة نتوافق فيها على توحيد تلك الرؤى أم ما زال التوجس والتربص يلف النفوس.
د.أمينة العريمي
باحثة إماراتية في الشأن الافريقي





