الصومال والشراكات الخارجية: حماية السيادة وتحقيق المصلحة الوطنية

يتكرّر كثيرًا أن تُبرم الحكومة الصومالية اتفاقيات تعاون، لا سيما في المجال الأمني، مع دول مختلفة، غير أنّ الملاحظ أن معظم هذه الاتفاقيات تفتقر إلى ضوابط قانونية واضحة تضمن عدم استخدامها بما يتعارض مع أمن الصومال وسيادتها واستقلال قرارها الوطني. ويزداد هذا القلق نظرًا لأن بعض الدول التي تُوقَّع معها هذه الاتفاقيات تسعى، في الغالب، لتحقيق مصالحها الخاصة أكثر من سعيها لتحقيق ما يخدم المصلحة الصومالية الحقيقية.

وقد تجلّى ذلك بوضوح في الاتفاقيات المتكرّرة مع حكومة أبوظبي، سواء في ملفات الموانئ أو المجالات الأمنية، حيث تحوّلت الصومال في كثير من هذه الترتيبات إلى الطرف الأكثر خسارة، إذ أسهمت هذه السياسات في تكريس الانقسامات الداخلية، وترسيخ حالة من الفوضى المُدارة، وفتح الباب أمام نهب الثروات الوطنية، ولا سيما المعدنية والسمكية، فضلًا عن الإضرار بأمن الدولة وسيادتها. ومع ذلك، فإن هذه التدخلات كثيرًا ما تتلبّس ثوب «الدعم والمساعدة للشعب الصومالي»، في محاولة لتجميل صورتها وإخفاء آثارها الحقيقية على الواقع السياسي والاقتصادي في البلاد.

ومن جهة أخرى، تُبرم الحكومة الصومالية اتفاقيات مع دول عديدة لا تُدرك في الأصل الأهمية الاستراتيجية العميقة للصومال في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وعلى المستوى الدولي، مما يجعل بعض هذه الدول تنظر إلى الصومال على أنها الطرف المحتاج فقط، أو تتعامل معها من موقع «المانح» أو «المساعد»، أو تستغل الاتفاقيات كوسيلة لممارسة الضغط على طرف آخر، الأمر الذي يضعف قيمة هذه الاتفاقيات ويجعل نتائجها معرضة للتراجع أو الفشل في النهاية.

ويظهر هذا الإشكال حتى في الاتفاقيات مع دول شقيقة مثل مصر، التي عُرفت تاريخيًا بوقوفها إلى جانب الصومال منذ القرون الوسطى إدراكًا لأهمية موقعها الجغرافي في معادلة الأمن القومي المصري. غير أنّ الحقيقة الاستراتيجية تؤكد أن مصر نفسها ستكون من بين المتضررين إذا لم تُنفَّذ هذه الاتفاقيات بصورة عادلة ومتوازنة تراعي مصالح الصومال أولًا، لأن استقرار الصومال ليس مصلحة صومالية فحسب، بل هو مصلحة مشتركة تخدم أمن المنطقة بأسرها.

كما يمكن إرجاع جزء من هذا الخلل إلى توقيت إبرام الاتفاقيات، إذ غالبًا ما تُوقَّع في فترات اضطراب سياسي أو أمني داخل البلاد، ومن دون تخطيط مسبق أو إعداد كافٍ، الأمر الذي يؤدي إلى التسرّع في توقيعها، ثم تظهر لاحقًا اختلالات في نتائجها بسبب غياب الدراسة المتأنية والتقدير الدقيق للعواقب. وينطبق هذا الوصف على بعض الاتفاقيات المبرمة حاليًا مع دولة قطر الشقيقة، أو تلك التي يُتوقّع إبرامها في المستقبل القريب مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، خاصة في ظل شعور هذه الدول بتنامي المخاطر القادمة من اتجاه اليمن والصومال، وهو ما يستدعي قدرًا أكبر من الحكمة والتوازن في صياغة أي شراكات مستقبلية، بما يضمن أن تُعامل الصومال بوصفها شريكًا حقيقيًا في المصالح، لا طرفًا محتاجًا إلى المساعدة فحسب.

وكذلك الحال مع دولة تركيا، الحليف التاريخي والمعاصر الذي وقف إلى جانب الصومال عبر تاريخها الطويل. ومع ذلك، فإن من الضروري أن تراعي الدولة الصومالية في جميع شراكاتها – الاقتصادية منها والأمنية – أن تكون الأولوية دائمًا للمصلحة العامة للصومال، حتى تقوم هذه العلاقات على أساس الشراكة المتوازنة النافعة للطرفين. فالصومال، رغم ما مرّت به من حروب داخلية وتدخلات خارجية، تملك من المقومات والإمكانات ما يجعلها شريكًا قادرًا على العطاء والاستفادة في آن واحد، لا طرفًا ضعيفًا تابعًا.

الخاتمة: إن مستقبل الصومال وأمنها وسيادتها لا يمكن أن يُبنى على اتفاقيات مرتجلة أو شراكات غير متوازنة، بل يحتاج إلى رؤية وطنية واضحة تحكم كل علاقة خارجية، وتُخضع أي اتفاقية لمعايير المصلحة الوطنية أولًا وأخيرًا. فالدولة التي لا تمتلك زمام قرارها التعاقدي، ولا تفرض شروطها بما يحفظ كرامتها وسيادتها، ستظل عرضة للاستغلال مهما حسنت النوايا المعلنة. ومن هنا، فإن الواجب اليوم يقتضي من صُنّاع القرار في الصومال إعادة النظر في فلسفة الشراكات الخارجية، والانتقال من موقع الطرف الضعيف المتلقي إلى موقع الدولة الواعية بقيمتها الجيوسياسية، القادرة على فرض احترام مصالحها وبناء علاقات تقوم على الندية والتوازن والمصلحة المشتركة.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

زر الذهاب إلى الأعلى