في شهر يناير 2025 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره الساعي إلى ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، إلا أن هذا الإعلان لم يتبعه أي تحرك عملي ملموس، وانتهى الأمر بحالة من الصمت والإهمال السياسي,وصدور الإستراتيجية الأميركية للأمن القومي في هذا الشهر ديسمبر 2025 أعاد إحياء الملف مجددا، حيث أعلن ترامب تعيين مبعوث خاص لملف ضم غرينلاند , ويتمثل دور هذا المبعوث في التواصل مع سكان الجزيرة ومحاولة إقناعهم بالانضمام إلى الولايات المتحدة، لأنه يوجد تيارات داخل غرينلاند عبّرت سابقا عن رفضها للسيادة الدنماركية، وسعيها نحو تأسيس كيان سياسي مستقل .
وتدرك كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية حساسية هذا المسار، وأن أي رفض شعبي لخيار الإنضمام لأمريكا قد يؤدي إلى تعقيدات سياسية وأمنية , وتدخل عسكري أمريكي ختمي, لأن أمريكا جاهزة لسيطرة هذه الجزيرة مهما كان الثمن لأسباب ثلاثة سأطرحها في هذه الدراسة .
غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، تبلغ مساحتها حوالي 2,166,086 كيلومتر مربع، وتقع جغرافيا في أمريكا الشمالية لكنها تتبع الدنمارك سياسيا، وتُعرف بأنها مغطاة بالجليد بنسبة 80 بالمئة, بينما يبلغ عدد سكانها حوالي 56,000 نسمة , مما يجعلها واحدة من أقل المناطق كثافة سكانية على الكوكب، وهي منطقة غنية بالموادر الطبيعية وفيها احتياط تفطي هائل, وفيها كمية هائلة من المعادن الناذرة .
لذالك هناك أسباب عدة جعلت أمريكا تقرر سيطرت غرينلاند مهما كان الثمن
- تحقيق الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، والتي تقوم على فرض الهيمنة الكاملة على النصف الغربي من الكرة الأرضية، بما يشمل أمريكا الجنوبية وكندا وغرينلاند، وذلك بهدف منع أي تهديد محتمل قد يستهدف الأمن القومي الأمريكي, وترتكز هذه الإستراتيجية على ما يُعرف بـ استراتيجية مونرو، المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو، والتي تقوم على اعتبار أمريكا الجنوبية وكندا وغرينلاند جزءا من مناطق النفود الأمريكي أو ما يُسمى بـ “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة, فإن أي تحرك أمريكي باتجاه بسط السيطرة على غرينلاند لا يمكن فصله عن هذا الإطار الاستراتيجي، الذي يهدف إلى تكريس التفوق الأمريكي ومنع القوى الدولية الأخرى من التمدد داخل النطاق الجغرافي الذي تعتبره الولايات المتحدة مجالا حيويا لأمنها القومي .
- تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، في المرحلة الراهنة، إلى تجنّب الإنزلاق نحو حرب عالمية جديدة، وتعمل قدر الإمكان على الإبتعاد عن مواجهة عسكرية مباشرة مع كل من الصين وروسيا. ويعود ذلك إلى إدراك صانع القرار الأمريكي أن الولايات المتحدة لم تعد القوة المهيمنة المطلقة على النظام الدولي كما كانت في السابق، الأمر الذي دفعها إلى تبنّي مقاربة أكثر حذرا تقوم على تقليص بؤر التوتر والإبتعاد عن الصراعات المباشرة التي تهدد الامن القومي الأمريكي.
في هذا السياق، تمثل روسيا التهديد الأكثر خطورة بالنسبة للولايات المتحدة، لا سيما في منطقة القطب الشمالي، حيث تمتلك موسكو تفوقا إستراتيجيا واضحا. إذ تُعد روسيا أكبر قوة قطبية في العالم، وتمتلك أسطولا بحريا ضخما، وغواصات نووية متطورة، إضافة إلى عدد كبير من كاسحات الجليد، وجميعها متمركزة بشكل أساسي في القطب الشمالي. كما أن روسيا تمتلك إرثا واسعا من القواعد العسكرية، وشبكة طرق بحرية، وبنية تحتية قوية، تمنحها قدرة عالية على السيطرة والإنتشار في هذه المنطقة الحيوية .
وانطلاقا من ذلك، تخشى الولايات المتحدة من إحتمال توسع النفوذ الروسي ليشمل جزيرة غرينلاند، نظرا للأهمية الجيوستراتيجية البالغة لهذه الجزيرة وقربها الجغرافي المباشر من الأراضي الأمريكية. فوجود روسيا في غرينلاند يعني نشر منظومات صاروخية باليستية قادرة على تهديد المدن الأمريكية بشكل دائم، وهذا يشكّل خطرا مباشرا على الأمن القومي للولايات المتحدة .
لذالك فإن المساعي الأمريكية لتعزيز نفوذها أو السيطرة على غرينلاند يمكن فهمها كخطوة إستباقية تهدف إلى منع روسيا من ترسيخ وجودها في هذه الجزيرة، خصوصا وأن أمريكا تدرك بأنه لايوجد أي قوة دولية أخرى تمتلك القدرة على منافسة روسيا عسكريا في القطب الشمالي. كما أن سيطرة روسيا على غرينلاند قد تفتح المجال أمام تمدد نفوذها بسهولة نحو أوروبا، بدءا من جزيرة سفالبارد النرويجية وصولا إلى آيسلندا، وهذا مايخيف أوروبا الآن . - تمثل غرينلاند أهمية استراتيجية إضافية للولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط من الناحية الجيوسياسية، بل أيضا بسبب مواردها الطبيعية الغنية, إذ تحتوي الجزيرة على إحتياطيات كبيرة من النفط والغاز، إضافة إلى وجود 39 من المعادن النادرة الضرورية لتطوير التكنولوجيا الحديثة وصناعة الذكاء الاصطناعي. وإذا لم ينجح أمريكا سيطرت فنزويلا ستصبح غرينلاند الخيار الأكثر أهمية لضمان استمرار تفوق الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة .
وأوروبا الآن في حالة ضعف, وأمريكا تخلت عنها, لذالك كل شيء ممكن من الناحية الروسية , ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني قالت: ” هذه السنة 2025 كانت صعبة لكن لاتقلقو السنة القادمة 2026 ستكون أصعب بكثير” والواقع الأوروبي يأكد كلامها.





