لا مشكلة عند العقلاني في الولاء والبراء لدى مشجعي كرة القدم وسهرهم الليالي لأجل عيون مشجعيهم، فيسأل مشجِّعُ برشلونة: ما رأيك فيمن يشجِّع ريال مدريد؟ فيقول: هو غبي لا يفهم كرة القدم، ولا يدري لذتها، ولا خبرة له في مجال الرياضة. فهذا الكلام الصادر من هذا الشخص عموميٌّ يتناول كلَّ شخص، حتى ولو كان أباه أو أخاه أو معلمه أو أصدقاءه المقرَّبين، ويفرح ذلك المشجِّع ويتقرب ويتودد إلى من يشجِّع فريقه، حتى ولو كان من أبعد الناس إليه موطناً وديناً؛ لأنهم جمعتهم رابطة تشجيع فريق واحد. لا يرى ذلك العقلاني أي بأس، ويقول لك: من حقه أن يشجِّع أي فريق يراه، ويوالي ويعادي فيه.
وأيضاً لا مشكلة عند العقلاني في الولاء والبراء على أساس الدولة الحديثة، بأن توالي الدولة دولاً وتعادي دولاً لأجل مصالحها أو لأغراض أخرى، مثل أن دولة فلان تحتل جزءاً من أرض دولة صديقة لي، أو أنها إن تقدَّمت هذه الدولة تتأثر بها. ولا يرى العقلاني أي بأس أن تعاقب أي دولة بأشد العقوبات، مثل الإعدام والسجن مدى الحياة، لشخص أعطى معلومات لدولة معادية، ويقولون: لها الحق أن تعاقب الدولة من يتعدى على السيادة أو يتجسس لصالح الدول.
وليس لديه مشكلة في أي موالاة أو معاداة على أي أساس، وأي شكل من أشكال المعاداة والموالاة، إلا الولاء والبراء في الإسلام؛ فهي تشدُّد ورجعية وتتعارض مع القيم وحقوق الإنسان.
وليس لديه أي مشكلة في التودد والموالاة بين الأحزاب والفرق، سواء كانت دينية أو سياسية، فلن تراهم يلتفتون إليهم أو يسلطون الضوء مثلاً لو رأوا واحداً من حزب فلان يعادي حزب علان، لا يرون به بأساً، أما إن كان الولاء والبراء على أساس الإسلام فيثورون ثورتهم، ولا يهدأ لهم بال، ولا يقر لهم قرار إلا وهم يهاجمون ذلك الشخص بأنه أصولي متشدِّد وهابي.
ولو سألنا العقلانيين: لماذا كل أشكال الولاء والبراء عادية، بل هي واجبة في بعض الأحيان عندكم، والولاء والبراء في الإسلام تشدُّد؟
ثم يا عقلاني، ألا تدري ما منزلة الولاء والبراء في أي دولة أو حزب أو أي دين؟
إنها بمنزلة الماء عند البشر؛ يموتون ويهلكون بدونه وعند فقده. وكذلك لو قالت أي دولة من دول العصر: أنا لا أعادي ولا أوالي أي دولة، لظهر للناس أنها ليست دولة بمعناها الاصطلاحي؛ لأن أي دولة لا بد أن يكون لها شركاء وحلفاء، وكذلك لا بد لها من أعداء، سواء اختارت هي أم أرغمتها الظروف الجيوسياسية. وإذا كان لا بد لأي دولة أو حزب أو دين من أساس ولاء وبراء، وحب وبغض، ومحبة ونصرة، فلماذا يتهجَّمون على الإسلام؟
ألا ترى أنهم يريدون هدم الإسلام من أساسه؟
أتدري ما الولاء والبراء في الإسلام وما منزلتهما؟
هو من صميم ملة إبراهيم التي من يرغب عنها سفه نفسه.
وقد قال الله على لسان خليله إبراهيم عليه السلام:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنَا بِكُمْ، وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: 4].
فصرَّح إبراهيم عليه السلام بأن عداوتهم للكفر وأهله أبدية لا تزول إلا بغاية واحدة، وهي الإيمان بالله وحده. وقد ذكر بعض المفسرين كابن كثير[1] رحمه الله أن بعض المؤمنين كانوا يستغفرون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك، فأنزل الله هذه الآية، فأمر ألا نتأسَّى بإبراهيم عليه السلام في استغفاره لأبيه؛ لأنه كان قد وعده، فلما تبيَّن له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه.
فالله قد قطع صلة المؤمن بالكافر، وقال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].
وقد يقول قائل: قد أمر الله بالإحسان إلى أقربائنا المشركين في بعض الآيات، فيقال حينها: إن الإحسان غير معنى الولاء؛ فالولاء هو الحب والنصرة، ولا تعارض مع المحبة الطبيعية التي فطر الله بها قلوب عباده، كأن يحب المسلم أباه الكافر أو زوجته من أهل الكتاب. فمحبة الولاء مناقضة لأصل الإيمان، أما المحبة الطبيعية فهي مباحة. وقد أثبت الله محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، فقال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
وقد يقول قائل: قد ذكر الله في القرآن الكريم أن البر والقسط مع غير المحاربين من الكفار جائز، فقال تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. فحينها يكون الجواب من وجوه :
الوجه الأول : قد نقل الإجماع غير واحد من العلماء[2] أن آية السيف نسخت جميع الآيات التي تتكلم عن البر والاحسلن للكفار.
يقول ابن كثير رحمه الله :[ وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم : إنها نسخت كل عهد بين النبي – صلى الله عليه وسلم – وبين أحد من المشركين ، وكل عهد ، وكل مدة .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ، ونقض ما كان سمى لهم من العقد والميثاق ، وأذهب الشرط الأول .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال : قال سفيان قال علي بن أبي طالب : بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – بأربعة أسياف : سيف في المشركين من العرب قال الله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ وخذوهم ] }
هكذا رواه مختصرا ، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب في قوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [ التوبة : 29 ] والسيف الثالث : قتال المنافقين في قوله : { ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } [ واغلظ عليهم ] } [ التوبة : 73 ، والتحريم : 9 ] والرابع : قتال الباغين في قوله : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [ الحجرات] [3].
وقال القرطبي : قال الحسين بن الفضل نسخت هذه الآية كل آية فيها الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء .[4].
ثم بيَّن أن الولاء والبراء من صميم دعوة الأنبياء جميعاً، وأولهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أمره الله بالبراءة منهم، فقال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6].
وقال تعالى على لسان نبيه هود عليه السلام:
﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 54-56].
والولاء والبراء هي من أوثق عُرى الإيمان؛ سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه:
«أتدري أيُّ عُرى الإيمان أوثق؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال:
«الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله عز وجل».[5].
وهي أيضاً تحقيق لاستكمال الإيمان؛ قال عليه الصلاة والسلام:
«مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ».[6].
وهي أيضاً تحقيق لحلاوة الإيمان؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».[7].
فالولاء والبراء ركنٌ ركين، وأصلٌ ثابت من أصول الدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله».[8].
فبيَّن رحمه الله أن المحبة المستلزمة للإيمان بالله تكون في الله، وكذلك الموالاة تكون في الله، لا لشيء آخر مثل المصالح أو القبلية أو الوطنية وغيرها، وكذلك المعاداة مثلها تكون في الله، وكتبه طافحة بذلك.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
أصلُ دينِ الإسلام وقاعدتُه أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.
الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله.[9].
انظر رحمك الله كيف سطَّر هذه الكلمات التي تحمل نور الإيمان واليقين الإمامُ المجدِّد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، إذ بيَّن أن من ترك توحيد الله، أو والى من نهاه الله عن موالاته، لا يكون مسلما ، وكذلك المعاداة؛ فالذي لا يعادي أعداء الله ولا يُظهر لهم العداوة.
المراجع :
- تفسير ابن كثير ، الحافظ ابن كثير ، ج٨ ص٨٧، دار طيبة للنشر والتوزيع .
- يُنظر إلى أحكام القرآن (2/ 222)، وكذلك : السيل الجرار (4/ 518) 519).
- تفسير ابن كثير ، الحافظ ابن كثير ،ج٤ ص ١١٢، دار طيبة للنشر والتوزيع.
- الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي ، ج٨ ص٧٣، دار الكتب المصرية القاهرة
- أخرجه الطبراني.
- راوه ابو داود والترمذي
- أخرجه البخاري ومسلم والترمذي .
- منهاج السنة ، ابن تيمية ، ج٥ ص ٢٥٥.
- رسالة أصل الدين وقاعدته امران للشيخ محمد بن عبد الوهاب بشرح العلامة عبد الرحمن بن حسن ، ص١.





