التوتر القائم بين باكستان وأفغانستان ليس حدثا طارئا كما قد يبدو، بل يعود إلى أكثر من قرن. فالجذور التاريخية لهذا الخلاف تمتد إلى عام 1893، العام الذي شهد توقيع اتفاقية حدود بين مملكة أفغانستان آنذاك والإمبراطورية البريطانية التي كانت تحتل الهند، بما فيها الأراضي التي تُعرف اليوم بالهند وباكستان وبنغلاديش .
وقد عرفت هذه الاتفاقية باسم “اتفاقية ديوراند” نسبة إلى السير مورتيـمر ديوراند، وزير الخارجية البريطاني في حكومة الهند آنذاك، لأنه كان مشرف رسم هذه الحدود، وقد رسمت الاتفاقية خطا حدوديا يبلغ نحو 2,600 كيلومتر، يمتد من الحدود الصينية شرقا وصولا إلى الحدود الإيرانية غربا، في واحد من أطول وأعقد الخطوط الحدودية في المنطقة.
والسبب الذي أجبر على الملك عبد الرحمن خان ملك مملكة أفغانستان بقبول هذه الاتفاقية كان نتاج قراءة استراتيجية دقيقة للمشهد الدولي في ذلك العصر. فقد كانت روسيا القيصرية تتقدم بثبات نحو جنوب آسيا، بعد أن أخضعت عددا من الدول الواقعة شمال أفغانستان مثل طاجيكستان وتركمانستان وغيرها وضمتها إلى إمبراطورية روسياالقيصرية، الأمر الذي أثار مخاوف حقيقية من أن تصبح أفغانستان الهدف التالي في سلسلة التوسع الروسي،
ومن هذا المنطلق، اختار الملك عبد الرحمن خان عقد الإتفاق مع الإمبراطورية البريطانية، على أساس أن توفر له دعما بالسلاح والمال لمواجهة أي تهديد روسي محتمل، بما يضمن قدرة أفغانستان على الدفاع عن سيادتها والحفاظ على دورها الحيوي كدولة حاجز بين الإمبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية .
وقد أدى رسم هذه الحدود إلى تقسيم القومية البشتونية في هذه المنطقة الحدودية، فانتقل قسم منها إلى مملكة أفغانستان، بينما بقي القسم الآخر ضمن الأراضي التي كانت آنذاك جزءا من الهند البريطانية، والتي تشكل اليوم المنطقة الشمالية الغربية من باكستان. وبهذا الشكل، أصبحت القومية البشتونية موزعة على جانبي الحدود، ما أسهم في تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي بين البلدين على مر العقود .
وعقب ذلك، إستمرت الحكومات الملكية المتعاقبة في أفغانستان بالاعتراف بالاتفاقية والإقرار بها كما هي، حتى أن الملك أمان الله خان رغم موقفه المعروف بمعارضته للبريطانيين صدّق عليها وأقرّ بها، ما عزز من استمرارية الاتفاقية كإطار رسمي لترسيم الحدود بين أفغانستان وجارتها باكستان .
وفي عام 1947، عقب استقلال باكستان عن الهند، بدأت أفغانستان مطالبتها بالمنطقة الشمالية الغربية من باكستان، وهي المنطقة التي تقطنها القومية البشتونية، ورفضت الإعتراف باتفاقية ديوراند السابقة. وقد ادّعت أن الملك عبد الرحمن خان لم يوقع الاتفاقية، وهو ما يتنافى مع الحقيقة التاريخية، إذ تشير مذكرات ملك مملكة أفغانستان آنذاك عبدالرحمن خان إلى أنه وقع الاتفاقية بنفسه، واعتبرها مكسبا سياسيا واستراتيجيا لأفغانستان، حتى أنه احتفل في الليلة التي تمت هذه الإتفاقية .
بعد استقلال باكستان عام 1947، تقدمت بطلب الإنضمام إلى الأمم المتحدة، وحظي هذا الطلب بموافقة جميع دول الأعضاء ، بما فيها الهند، وأفغانستان كانت الدولة الوحيدة التي رفضت إعتراف باكستان كدولة وانضمامها إلى الأمم المتحدة.
ففي 30 سبتمبر1947، طلب ممثل أفغانستان في الأمم المتحدة، عبد الحسين عزيز، أن يُمنح شعب البشتون في المنطقة الشمالية الغربية الحق في تقرير مصيرهم والانضمام إلى أفغانستان. لكن بعد عشرين يوما، في 20 أكتوبر، تراجعت أفغانستان عن هذا الرفض، لتتضح بذلك أولى علامات الخلاف المستمر حول الحدود ودور القومية البشتونية في الصراع بين البلدين .
ومن المفارقات البارزة أن عدد الشعب البشتوني في الدولتين يبلغ نحو 50 مليون نسمة تقريباً، 15 مليون منهم يقيمون في أفغانستان، بينما يعيش 35 مليون منهم في باكستان. ورغم ذلك، ظل العدد القليل في أفغانستان يطالب الإنضمام إلى العدد الأكبر، وضم المنطقة الشمالية الغربية في باكستان التي يسكنها البشتون إلى الأراضي الأفغانية، ومضى على رفض هذه الحدود جميع الحكومات المتعاقبة في أفغانستان بعد إستقلال باكستان، بدءا من الملكية، مرورا بالفترة الشيوعية، ثم الحكومات الجهادية، وصولا إلى حكم طالبان، وصارت قضية بشتونستان الكبرى قضية مقدسة عند القومية البشتونية، مثل قضية أوغادين عندنا كصوماليين،
وعندما تولى محمد داوود السلطة في أفغانستان جعل قضية “بشتونستان الكبرى” هدفه الرئيسي، باعتبارها قضية مقدسة في نظره.
فقد قام بتوزيع السلاح والمال على القبائل البشتونية داخل باكستان بهدف مقاومة الجيش الباكستاني، وهو ما كاد أن يفضي إلى اندلاع حرب شاملة بين الدولتين. هذا الموقف أثار قلق بعض الدول الإسلامية، التي شعرت بالضيق إزاء تصاعد التوتر بين أفغانستان وباكستان، وحجم الدعم الذي قد يقدمه داوود للقبائل البشتونية على أراضي باكستان .
تُعد النزاعات الحدودية بين أفغانستان وباكستان المشكلة الأساسية في العلاقات بين البلدين، أما الشعبين الأفغاني والباكستاني فهما شعبين شقيقين مترابطين، ولهما روابط قوية وذاكرة تاريخية مشتركة. فقد كان هذان الشعبان في الماضي شعبا واحدا، خاضعا لحكم الإمبراطورية الدورانية التي تأسست عام 1747 واستمرت حتى عام 1823، والتي حكمت مناطق واسعة شملت أفغانستان، وباكستان، وأجزاء من الهند الحالية، وأجزاء من إيران، ومناطق في طاجيكستان وتركمانستان. وكان مؤسسو الدولة الدورانية من القومية البشتونية، وقد شكّلت دولتهم قوة بارزة في تلك الحقبة.
وقد مدح الشاعر والفيلسوف الباكستاني الشهير علامه إقبال الدورانيين في قصيدة سماها “المسافر”، حيث تحدث عن رحلته إلى أفغانستان وزيارته قبر الملك أحمد شاه بابا، مؤسس الإمبراطورية الدورانية.
وهذا التاريخ المشترك يعكس مدى قرب الشعبين من بعضهما البعض. وعندما نزح الافغانيون إلى الأراضي الباكستانية، استقبلهم المجتمع الباكستاني واندمجو معهم تدريجيا.
وفي ثمانينيات القرن العشرين، بدأت المخابرات الباكستانية تدريب بعض طلاب الأفغان، وهم في الغالب أبناء المهاجرين المقيمين في باكستان، ومن بينهم الملا عبد السلام. وقد ذكر في مذكراته أنه تلقى تدريبه على أيدي المخابرات الباكستانية عام 1986، قبل تأسيس حركة طالبان، لمقاومة القوات السوفيتية وصد نفوذها في أفغانستان لأن باكستان كانت تخاف من سيطرة السوفيت الى افغانستان، وتجدر الإشارة إلى أن طالبان لم تكن “صناعة باكستانية” كما يعتقد البعض، بل نشأت بشكل عفوي نتيجة الفساد السياسي والاجتماعي المنتشر في تلك الفترة، لتتطور لاحقا إلى حركة ذات تأثير كبير في المشهد الأفغاني والإقليمي .
استثمرت باكستان في حركة طالبان على مستويات متعددة، حتى في الفترة التي تلت هجمات 11 سبتمبر، عندما فرض الرئيس الأمريكي جورج بوش على باكستان تسليم بعض قيادات طالبان, ورغم تسليمهم للأمريكيين، واصلت المخابرات الباكستانية دعم طالبان بالسلاح والمال في الميدان في حربها مع الأمريكان، لأن الباكستانيين كانو يعرفون لو نجحت أمريكا في سيطرة أفغانستان ستدعم الهند العدوة اللدودة لباكستان.
وقد ذكر الملا عبدالسلام في مذكراته تفاصيل الخيانة التي حدثت، وكيف تم تسليمه للأمريكيين، موضحا المأساة التي رافقت هذا الحدث، وكيف كان بعض الضباط الباكستانيين يبكون عند تنفيذ التسليم، وهو ما يعكس التناقض بين سياسة برويز مشرف، الذي كان علمانيا، وبين مواقف ضياء الحق، التي كانت تتسم بحس ديني إسلامي .
وفي عام 2007، ظهرت “جماعة طالبان باكستان”، وهي جماعة مسلّحة تبنّت في بداياتها خطابا جهاديا، وكانت ترى نفسها سندا لطالبان أفغانستان في حربها مع القوات الأمريكية.
وقد استفادت هذه الجماعة لفترة من دعم باكستان بالسلاح والمال، طالما كان نشاطها موجها ضد الوجود الأمريكي في أفغانستان، ولا يشكّل تهديدا مباشرا لباكستان نفسها.
لكن ومع مرور الوقت، بدأت الخلافات والانقسامات تظهر داخل الجماعة. فجزء منهم انضم إلى طالبان أفغانستان، بينما انجذب آخرون إلى فكر “داعش” المتطرف، في حين بقيت مجموعات أخرى تعمل بشكل مستقل، لا تنتمي لهذا الطرف ولا لذالك. ومع هذا التشرذم، بدأت بعض الفصائل بشنّ عمليات داخل الأراضي الباكستانية، مستهدفة مدنا ومؤسسات أمنية، الأمر الذي وضع الدولة الباكستانية أمام واقع جديد لم تكن تتوقعه .
وبحسب تطورات الأحداث، اتجهت بعض قيادات طالبان باكستان إلى الإقامة في كابل بعد سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان، وهناك – وفق اتهامات باكستان – كانت تُمنح لهم مساحة للتحرك، يحصلون خلالها على السلاح والانطلاق لتنفيذ هجمات داخل باكستان تحت شعار “تحرير المناطق البشتونية” في الشمال الغربي، وهي المنطقة التي طالما حملت حساسية تاريخية بين البلدين .
ولأول مرة، قامت باكستان صباح يوم 9 من أكتوبر الماضي 2025 بشن ضربات عسكرية داخل الأراضي الأفغانية، بما في ذلك كابل عاصمة أفغانستان، في رسالة واضحة مفادها: “إذا هاجمتونا، فسوف نرد داخل أراضيكم .
أما حكومة طالبان في أفغانستان، فقد نفت علاقتها بهذه الهجمات، واعتبرت أن الخلاف بين طالبان باكستان والدولة الباكستانية شأن داخلي لا علاقة لأفغانستان به، وهو موقف لم يخفّف من حدة التوتر بين الطرفين، بل زاد المشهد تعقيدا وأعاد إلى الواجهة ملف الحدود الحسّاس .
تتسم باكستان وأفغانستان بتنوع عرقي ولغوي كبير. ففي أفغانستان، تمثل القومية البشتونية نحو 45% من السكان، بينما يشكل الباقي مجموعة من القوميات الأخرى، مثل الطاجيك الذين لم إمتداد إلى طاجيكستان، والأوزبك الذين لهم امتداد في أوزبكستان، والهازاريون الفرس الذين لم إمتداد إلى إيران .
فلو استمرت حكومة طالبان طلب المنطقة الشمالية الغربية في باكستان التي يسكنها القومية البشتونية وضمها الى أفغانستان, فماذا تفعل لوطلب كل من الدول التي لها أقليات في داخل أفغانستان بقطع الأراضي التي فيها سكان من قوميتهم وضمها الى دولهم،أرى أن هذه ذريعة لصراع جديد ونزاعات حدودية لاتنتهي .
من وجهة نظري كطالب صومالي مقيم في باكستان ومطلع على القضية عن قرب، الحل الأمثل يكمن في أن تتخذ حكومة طالبان قرارا واضحا وجريئا بالإعتراف بالحدود ، وإنهاء الصراع جذريا .
النشتون ليسو أول قومية مقسمة إلى دول مثلا الصوماليون الآن مقسمون إلى أربعة دول دولين منهم غير مسلمتين ، إثيوبيا وكينيا ، وكذالك الأكراد وكذالك الأتراك والفرس وحتى الألمان ، إختلاف الجنسية لايعني تغيير الهوية القومية، من الممكن جدا أن يكون واحد من البشتون بشتوني باكستاني والآخر بشتوني أفغاني، نحن كصوماليين عندنا صراع بيننا و بين أثيوبيا بسبب إقليم أوغادين الذي يضم عددا كبيرا من القومية الصومالية، والسبب هو عدم إعطاء حقوقهم مع أنهم تحت حكم الكفار النصرانيين، أما البشتون فأنتم بين إخوتكم في الإسلام وكنتم سابقا تحت إمبراطورية واحدة .
فاستمرار النزاع لن يخدم أي طرف، وسيكون العبء الأكبر على الشعب البشتوني نفسه، الذي يقيم على جانبي الحدود. ففي حال اندلاع حرب بين الدولتين، من يدفع الثمن هم البشتون لأنهم هم سكان هذه المنطقة والقاتل والمقتول سيكون منهم .
لذلك، الاعتراف بالحدود واحترام السيادة المتبادلة يمثلان الطريق الأكثر أماناً لتحقيق السلام والاستقرار، مع الحفاظ على العلاقات الأخوية بين الشعبين .
ومن منظور جيوسياسي، تستفيد قوى إقليمية ودولية من استمرار الصراع بين أفغانستان وباكستان. الهند، ترى أي ضعف لباكستان فرصة استراتيجية لتعزيز موقفها الإقليمي. وأمريكا، من جانبها، تنظر إلى هذه التوترات بعين المصلحة، إذ يمكن أن يكون الانتصار أو الهزيمة لأي طرف ذريعة لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها السياسية.
وإيران ستجد فرصة تجارية، أفغانستان هي دولة حبيسة وليس لها بحر ، الميناء الذي تعتمده في الإصداد والتصدير هو ميناء كراتشي في باكستان، فلو اندلع حرب بين أفغانستان وباكستان، سيكون بديل أفغانستان في الإصدار والتصدير ميناء تشابهار في إيران .
والصين توسعت وأخذت بعضا من إقليم كشمير سابقا، وهذا الحرب سيمكنها بالتوسع نحو باكستان مجددا .
في النهاية، سلامة الشعبين واستقرارهما هو الأهم، بعيدا عن أي مصالح خارجية.
نسأل الله أن يصلح بين هذين الشعبين المسلمين الشقيقين، وأن يعيد الأمن والاستقرار إلى هذه المنطقة.
ونحن كأمة إسلامية ما زلنا نتألم من جراح غزة والسودان، ولا تستطيع أن نتحمل جرحاً آخرجديد .
بقلم : عبدالله محمد حسن





