شكّلت البنية العمرانية لمدينة مقديشو أحد أبرز الملامح التي عكست طبيعة تطورها التاريخي والاجتماعي منذ نشأتها المبكرة، إذ ارتبطت ملامح العمران في المدينة ارتباطًا وثيقًا بالعوامل الجغرافية والاقتصادية والثقافية التي أسهمت في تشكيل هويتها الحضرية. كما تأثرت هذه البنية بالأنماط المعمارية السائدة في المدن الساحلية المطلة على المحيط الهندي، نتيجة التفاعل الحضاري والتجاري الواسع الذي شهدته المنطقة عبر العصور.
وقد شُيِّدت مباني المدينة بما يتلاءم مع طبيعة المدن الساحلية، فجاء طرازها العمراني متقاربًا مع بعض الأنماط المعمارية المعروفة في حواضر العالم الإسلامي، كما ظهر في عصور الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية، فضلًا عن بعض التأثيرات ذات الطابع الفارسي. غير أن هذا التشابه في الطرز المعمارية لا يدل بالضرورة على خضوع المدينة لسيطرة تلك الدول، بقدر ما يعكس طبيعة الروابط الحضارية والتجارية التي ربطت مقديشو بمراكز العالم الإسلامي المختلفة.
ومع ذلك، حاول بعض الكتّاب المعاصرين وأصحاب الأقلام المأجورة تفسير هذه التأثيرات العمرانية والتجارية تفسيرًا مبالغًا فيه، إذ ذهبوا إلى إرجاع هوية المدينة تارةً إلى أصول عُمانية، وتارةً إلى أصول فارسية أو يمنية أو مصرية، مستندين في ذلك إلى مظاهر عمرانية أو علاقات تجارية أو صراعات سياسية شهدتها المدينة في فترات مختلفة مع تلك المناطق.
غير أنّ مثل هذه التفسيرات تتجاهل في كثير من الأحيان السياق التاريخي الأوسع، كما تغفل حقيقة أن هذه التأثيرات كانت نتيجة طبيعية للتفاعل الحضاري والتجاري بين مقديشو وغيرها من مراكز العالم الإسلامي. ولا يعني هذا التشابه في الأنماط العمرانية أو العلاقات التجارية انتقال ملكية المدينة أو هويتها السياسية إلى تلك القوى؛ إذ ظلّت مقديشو عبر تاريخها مدينة صومالية في بنيتها الاجتماعية، وفي حكّامها وسكانها المحليين.
ويعكس الطابع العمراني للمدينة أيضًا تفاعل المجتمع المحلي مع بيئته الطبيعية، إلى جانب تأثره بما وفد إليها من تأثيرات حضارية عبر شبكات التجارة والحرفيين الوافدين للعمل أو الإقامة أو اللجوء، وهو ما يُبرز حجم التفاعل الحضاري الواسع الذي شهدته مقديشو نتيجة ارتباطها بشبكات التجارة البحرية والتواصل الثقافي مع مختلف مناطق العالم الإسلامي وفضاء المحيط الهندي وخارجه.
ويؤكد ذلك ما ورد في مذكرات عدد من الرحالة والجغرافيين العرب، فضلًا عن المستكشفين من غير العرب، الذين وصفوا سكان مقديشو بصفاتهم الصومالية المعروفة من حيث الخِلقة واللغة والعادات والثقافة. وقد اتفقت هذه الشهادات على إبراز الطابع الصومالي للمجتمع المحلي في المدينة، الأمر الذي يُضعف المزاعم التي تحاول نسبة مجتمع مقديشو إلى أصول خارجية أو إلحاقه بغير أهله الأصليين.
تشير المعطيات التاريخية إلى أن حكّام مقديشو كانوا في معظم المراحل من المجتمع الصومالي المحلي، وظلت السلطة في المدينة بيد سلاطينها المحليين منذ نشأتها، إلى أن بدأت التدخلات الخارجية من القوى العمانية والغربية، التي وصلت إلى المنطقة عبر قوى بحرية مختلفة مزودة ببنادق عصرية آنذاك.
ومن ناحية أخرى، تعكس أسماء الأحياء القديمة في مقديشو هويتها الاجتماعية والعمرانية منذ مراحلها المبكرة؛ إذ يظهر في عدد من هذه الأحياء اسم «حمر» بوصفه عنصرًا مشتركًا في تسمياتها، مثل: حمر ججب، وحمر وين، وحمر جديد، فضلًا عن أحياء أخرى مثل حمر حديد، وحمر ديي، وحمر بلي. ويعكس انتشار هذا الاسم في تسميات الأحياء حضوره العميق في الوعي المحلي ودلالته الرمزية في تاريخ المدينة وهويتها.
أما اسم مقديشو نفسه، فلا يدل في جوهره إلا على الاسم الذي اشتهرت به المدينة عبر تاريخها في ظل حكم سلاطينها المحليين، ونتيجة العلاقات التجارية والسياسية التي أقامتها مع العالم الخارجي، الأمر الذي ساهم في ذيوع هذا الاسم في المصادر التاريخية وخرائط الرحالة والتجار المرتبطين بموانئ الساحل الصومالي.
ومن ثمّ، فإن محاولة تفسير هذه الأسماء على نحو يُخرجها من سياقها المحلي — كإرجاع اسم «حمر» إلى قبيلة حمير، أو تفسير اسم مقديشو على أنه تعبير فارسي بمعنى «مقعد شاه»، أو تأويله بمعنى «مقعد الشيخ» — لا تقوم على أدلة تاريخية قاطعة، بقدر ما تعتمد على افتراضات وتأويلات متأثرة بدوافع سياسية أو اجتماعية. وقد سعت بعض هذه التفسيرات إلى نسبة نشأة المدينة أو تسميتها إلى جماعات وافدة، كالعمانيين أو بعض الأسر ذات الأصول الفارسية التي استوطنت المدينة في فترات لاحقة لأسباب مختلفة، إلا أن هذه القراءات تبقى بعيدة عن السياق التاريخي والاجتماعي المحلي الذي نشأت فيه المدينة وتطورت ضمنه.
وأما اسم «حمر»، فهو أيضًا اسم محلي مشهور بين المجتمع، إذ يعود إلى انتشار شجرة محلية تُعرف باسم «حمر»، وهي شجرة تمر الهند، التي تنتشر بكثرة على سواحل الصومال، ولا سيما في منطقة مقديشو. ويُرجَّح أن الأحياء القديمة استمدّت أسماءها من هذه الشجرة المعروفة في البيئة المحلية، حتى أصبح اسم «حمر» من الأسماء الشائعة والمتداولة اجتماعيًا للدلالة على المدينة أو بعض أحيائها التاريخية.
ومن المحتمل أن يكون هذا الاسم من أقدم الأسماء المرتبطة بالمدينة قبل شيوع اسم «مقديشو» في المصادر التاريخية خلال فترة حكم السلطنات المحلية. ومن ثمّ، فإن ارتباط اسم «حمر» بعدد من الأحياء التاريخية يعكس جذورًا محلية متصلة بالهوية الاجتماعية والثقافية للمدينة، أكثر مما يدل على أي أصول خارجية كما ذهب إلى ذلك بعض التفسيرات غير الموثقة.
ومثل هذه التأويلات لا تسهم في الكشف عن دلالة علمية راسخة لاسم مقديشو، بل تبدو في كثير من الأحيان انعكاسًا لقراءات متأثرة بخلفيات سياسية أو ثقافية ظهرت في بعض الكتابات المتأخرة، لا سيما في سياق محاولات ربط تاريخ المدينة بقوى خارجية أو نسبتها إلى أصول غير محلية. غير أن ذلك لا يغيّر من الحقيقة التاريخية المتمثلة في أن مقديشو نشأت وتطورت في إطار بيئتها الصومالية، وظلت عبر تاريخها مرتبطة بسكانها المحليين وبالسلطنات التي نشأت ضمن محيطها الاجتماعي والثقافي.
ويعد حي حمر حجب من أقدم الأحياء في مقديشو، وكان يمثل قلب النشاط العمراني والتجاري منذ مراحل تأسيس المدينة وحتى بدايات التدخلات الأجنبية. وقد احتضن الحي أسواقًا ومرافق أساسية، إلى جانب الجامع الكبير الذي شكّل مركزًا دينيًا واجتماعيًا بارزًا للمدينة، حيث صلى فيه الرحالة المغربي ابن بطوطة صلاة الجمعة إلى جانب سلطان المدينة أثناء رحلته، وهو ما يعكس المكانة الاجتماعية والدينية والتجارية للحي في تلك الفترة، غير أن هذا المسجد أُزيل لاحقًا خلال توسعات حكم العسكر، مما يعكس قلة اهتمام حكومات الصومال بالآثار والمواقع التاريخية والتراثية.
وقد اختلفت الروايات حول سبب تسمية الحي، فبعضها يربط الاسم بانتشار مرض معدٍ أدى إلى نزوح بعض السكان، فيما يربطها آخرون بحادثة احتراق الحي نتيجة هجوم البرتغاليين على مقديشو، لكن جميعها تؤكد قدم الحي وأهميته في التاريخ العمراني للمدينة.
وأما حيّ حمر وين، فهو امتداد عمراني لحيّ حمر حجب، كما يتضح من اسمه الذي يعني “حمر الكبير” أو “حمر المتسع”، حيث يعكس اتساع المدينة نتيجة النشاط التجاري واستقرار الوافدين للعمل والحرف والتجارة المختلفة، ومن بينهم الفرس والأتراك والهنود والعمانيون، مما أضفى على الحي طابعًا اجتماعيًا وثقافيًا مميزًا وجعله أحد الأحياء الحيوية في مقديشو.
وقد ارتبط توسّع الحي بازدياد الأنشطة الاقتصادية وتنوّع الفعاليات الاجتماعية والثقافية، كما أضفى التنوع السكاني على المدينة طابعًا حضريًا متراكبًا ومتداخلًا، يعكس التفاعل المستمر بين السكان المحليين والوافدين الأجانب عبر العصور. وقد تعزز هذا التوسع مع تطورات الأوضاع السياسية في بدايات القرن الثامن عشر، خصوصًا مع التدخلات العُمانية في الأحياء الساحلية للصومال، والتي جاءت معها جيوشًا وخدمًا وعبيدًا استُقرّوا في حيّ حمر وين وحيّ شنغاني.
ويُعدّ حيّ شنغاني من أهم أحياء المدينة وأكثرها تأثيرًا، خاصة مع مجيء العمانيين، إذ تمركزت فيه أغلب المنشآت الإدارية والبنايات التي شيدها العمانيون خلال تلك المرحلة، التي سبقت وصول المستعمر الغربي. وقد عزّز هذا التمركز مكانة الحي كمركز حضري رئيسي ومقر للأنشطة التجارية والإدارية المرتبطة بالحركة البحرية في المدينة.
ولضمان سيطرة العمانيين على أجزاء من ساحل مقدشو وحماية مصالحهم، أقاموا جدارًا أمنيًا يفصل الأحياء العمانية عن بقية المدينة، واستمر أثر هذا الجدار حتى فترة الاستعمار الغربي، إذ كان يُمنع الدخول إلى هذه الأحياء إلا بعد تفتيش دقيق، وكان المبيت فيها مقصورًا على حلفاء العمانيين والمستعمرين.
وفي ظل حضور العمانيين بتلك الأجزاء من المدينة اكتسب سوق حمر وين شهرة واسعة بفضل مجاورته بحي الشنغاني الذي كانت تتمركز عساكر العمانيين ببنادقهم ، وذلك بعد تراجع الدور التجاري لسوق حمر حجب، ليصبح من أبرز الأسواق وأكثرها نشاطًا، مستمرًا في أداء دوره الحيوي منذ أواخر مرحلة السلطنات المحلية وحتى مطلع القرن العشرين.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





