تتغير الأجيال بتغير الأزمان والأماكن، وتتبدل الأفهام تبعاً لمستوى تعليمها ومدى موافقته للمنهج القرآني. ولكل جيل مزاياه وعيوبه، فلا يوجد جيلٌ خالٍ من العيوب عبر القرون الماضية.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّینِ حَنِیفࣰاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیۡهَاۚ لَا تَبۡدِیلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
إن أكثرية الناس لا يعلمون الحق، بل أكثرهم عنه غافلون. وحتى في واقع المسلمين، نجد الكثيرين يفتقدون اليقين، مما جعل عامة الناس يعيشون في تفاهةٍ وأهواء يتبعونها. وقد حذر الرسول الكريم ﷺ من هذا الحال بقوله:
”إنَّ أمامَ الدَّجَّالِ سِنينَ خدَّاعةً، يُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويخوَّنُ فيها الأمينُ، ويؤتَمنُ فيها الخائنُ، ويتَكلَّمُ فيها الرُّويبضَةُ. قيلَ: وما الرُّوَيبضةُ؟ قال: الفويسِقُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامَّة”.
الواقع الرقمي وسيطرة “التفاهة”
في عصرنا الحاضر، يتزايد إقبال الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتسابقون ليصبحوا مشهورين ومرموقين. لقد أصبح العالم رقمياً في كل جوانب الحياة، وهذا وإن كان تطوراً من جهة، إلا أن لكل نعمة نقمة، وهذا الجانب السيئ هو ما سماه الفيلسوف الكندي “آلان دونو” في كتابه “نظام التفاهة”، حيث يقول:
”إن التافهين قد حسموا المعركة لصالحهم في هذه الأيام؛ لقد تغير الزمن، زمن الحق والقيم، ذلك أن التافهين أمسكوا بكل شيء بتفاهتهم وفسادهم. فعند غياب القيم والمبادئ الراقية، يطفو الفساد المبرمج ذوقاً وأخلاقاً وقيماً؛ إنه زمن الصعاليك الهابط”.
وكلما تعمق الإنسان في الإسفاف والابتذال، ازدادت جماهيريته وشهرته. ويضيف “دونو”: “إن مواقع التواصل نجحت في ترميز التافهين، حيث صار بإمكان أي جميلة بلهاء أو وسيم فارغ أن يفرضا نفسيهما عبر منصات هلامية لا تقدم أي منتج قيمي صالح لتحدي الزمان”.
واقع المحتوى الرقمي
ما أكثر الشباب والشابات اليوم الذين يقضون ساعات طويلة في تصفح منصات مثل: تيك توك (TikTok)، فيسبوك (Facebook)، سناب شات (Snapchat)، يوتيوب (YouTube)، وتيليجرام (Telegram). وإذا تأملت المحتوى الذي يشاركونه، تجده خالياً من المعنى؛ لا يبني وعياً، ولا ينشر علماً، ولا يصحح مفاهيماً، بل هو مجرد ضياع للوقت خلف ضحكات فارغة.
أبرز سمات عصر التفاهة:
١.الخواء الروحي.
٢.ضياع الوقت.
٣.طلب الشهرة في ما لا فائدة فيه.
٤.بث مقاطع لا طائل منها.
٥.تقديم الرديء على الأفضل.
٦.تغييب الحياء لدى الشباب والشابات.
٧.صناعة رأي عام بطريقة تافهة.
٨.زمن لا يُكرم فيه العقلاء ولا يُحترم فيه الأتقياء.
٩.اعتبار الشهرة وعدد المتابعين معياراً للصلاح والكفاءة.
١٠.غياب التفكير النقدي.
١١.ضعف القيم الأخلاقية والدينية.
١٢.نقص الوازع الديني.
١٣.تصدر رموز لا يملكون موهبة أو تخصصاً.
١٤.الاستسلام لثقافة السوق التي تقيس كل شيء بالربح لا بالقيمة.
١٥.عدم التمييز بين الكسب الحلال والحرام عبر الفضاء الرقمي.
طرق المواجهة والوقاية (نصائح للمجتمع):
إن (عصر التفاهة) ليس قدراً حتماً، بل هو نتيجة خياراتنا اليومية. ولدرء هذه الظاهرة، إليك بعض النصائح:
١.الوعي التام: فهم حقيقة ما يجري في الفضاء الرقمي وأهدافه.
٢.تحذير الشباب: توعية الأجيال بفساد منظومة التفاهة وآثارها.
٣.سن القوانين: وضع تشريعات رقمية تحمي قيم ومبادئ الأمة.
٤.التحكم بالتقنية: لا تدع الوسيلة تستعملك، بل استعملها أنت بوعي وحدد وقتاً معيناً لها.
٥.تعزيز القيم: رفع الوازع الديني وتعليم الشباب مبادئ أمتهم العريقة.
٦.إدراك قيمة الوقت: غرس مفهوم أن الوقت هو رأس مال الإنسان ومسؤوليته الكبرى.
٧.تحري الحلال: التأكيد على أهمية الكسب الحلال في المعاملات الرقمية.
٧.المقاطعة الشعورية: عدم التفاعل أو الإعجاب بما ينشره التافهون، فالتفاعل هو وقود استمرارهم.
عبدالرحمن معلم عبدالله (دلجر)




