جدل النظام الفيدرالي وتعقيد الأزمة الصومالية: قراءة في فجوة الواقع المفروض والهوية المجتمعية

تعاني الأمة الصومالية اليوم من تحديات متراكمة، في مقدمتها الصراعات المستمرة، إلى جانب موجات الجفاف والقحط التي تتكرر عامًا بعد عام حيث يزداد المشهد تعقيدًا بسبب الأوضاع السياسية التي أفرز النظام الفيدرالي—الذي فُرض دون توافق وطني شامل—خلافات حادة أسهمت في تعميق حالة عدم الاستقرار، حتى باتت البلاد، في نظر كثيرين، تفتقر إلى أفق واضح أو مستقبل مزدهر، رغم ما تعلنه الحكومة المركزية من وعود بتحقيق نهضة اقتصادية عبر مشاريع كتنقيب النفط والغاز واستثمار الثروات المعدنية ما دام أن الصراعات السياسية الراهنة، التي تتطور في بعض الأحيان إلى اقتتال داخلي، لا تنبع بالضرورة من نزاعات قبلية صِرفة، ولا من مجرد صراع سياسي تقليدي بين الحكومة والمعارضة، كما لا يمكن أن تنتهي بدفع الصراع بينهما بقوة السلاح أو بالاكتفاء بشعارات فارغة، ولا حتى بإجراء انتخابات شخص واحد صوت واحد ( qof iyo cod)، نزيهة كانت أم غير نزيهة؛ إذ يرتبط جانب كبير من التحديات القائمة بطبيعة الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي منح الولايات صلاحيات واسعة تكاد تكون غير محدودة، فضلًا عن الغموض الذي يكتنف نصوصه، ولا سيما في ما يتعلق بتحديد صلاحيات كلٍّ من الرئيس والحكومة والبرلمان، الأمر الذي يصعّب تحقيق الانسجام المطلوب لبناء دولة موحدة مستقرة.

كما أن التعديلات الأخيرة التي أجراها البرلمان الصومالي قد زادت الوضع تعقيدًا؛ فبالرغم مما قد تتضمنه من جوانب إيجابية مقارنةً بالدستور السابق، فإنها لا تبدو كافية لمعالجة جذور الأزمة أو تضميد جراح المجتمع، ما دامت الإشكالات البنيوية قائمة ومتمركزة في طبيعة النظام الفيدرالي المفروض على البلاد.

وفي ظل هذه المعطيات، يرى بعض المراقبين أن النماذج الدستورية الوضعية والأنظمة المعاصرة ذات الطابع الغربي، المطبقة حاليًا في البلاد، لا تنسجم بصورة كاملة مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية والدينية للمجتمع الصومالي، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرتها على تحقيق الاستقرار والوحدة المنشودة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة لمسار البناء السياسي في البلاد، تقوم على حوار وطني صادق تشارك فيه مختلف الأطراف، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية والتجاذبات الضيقة والمحاصصة القبلية التي أفرزها النظام الفيدرالي الحالي، بما يفضي إلى صياغة عقد اجتماعي يُعبّر عن إرادة المجتمع ويستجيب لخصوصياته الثقافية والاجتماعية والأخلاقية.

كما أن تحقيق الاستقرار المنشود يظل مرهونًا بإعادة التوازن بين السلطة المركزية والكيانات الإقليمية، على نحو يضمن وحدة الدولة ويمنع في الوقت ذاته تغوّل أي طرف على حساب الآخر، وهو ما يتطلب إصلاحًا دستوريًا عميقًا يراعي واقع البلاد وتحدياتها.

ولا يقل عن ذلك أهمية تعزيز مؤسسات الدولة وبناء الثقة المفقودة بينها وبين المجتمع، من خلال ترسيخ مبادئ العدالة والشفافية، ومحاربة الفساد المستشري في جميع دوائر الدولة، سواء في الحكومة المركزية أم في الولايات الفيدرالية، وتكريس سيادة القانون بدلًا من سيطرة الأفراد أو هيمنة الحزب الحاكم، بما يسهم في خلق بيئة مستقرة قادرة على استيعاب الطاقات الوطنية وتوجيهها نحو التنمية.

وفي الجانب الاقتصادي، فإن استثمار الموارد الطبيعية—من نفط وغاز ومعادن—لن يؤتي ثماره المرجوة ما لم يُحسن توظيفه ضمن رؤية وطنية جامعة، تضمن توزيعًا عادلًا للثروات، وتربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي والاجتماعي.

وفي المحصلة، فإن تجاوز هذه التحديات المركبة يظل ممكنًا إذا ما توفرت الإرادة الصادقة، واستُحضرت المصلحة الوطنية العليا، واستندت مسيرة الإصلاح إلى قيم المجتمع وهويته، مع إشراك أهل الحل والعقد في تدبير الشأن السياسي، بدلًا من أولئك الذين يتخذون العمل السياسي وسيلة للتكسب واستباحة أموال الناس بغير حق؛ بما يحقق التوازن بين الأصالة والتحديث، ويفتح آفاقًا حقيقية نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

زر الذهاب إلى الأعلى