ينشغل كثير من الناس اليوم بتداول مقاطع مرئية ونصوص مكتوبة وصور تزعم أن إثيوبيا تتفوق على الصومال من حيث عدد السكان، ويُقدَّم هذا التفوق العددي على أنه معيار حاسم في تقييم قوة الدول، بل وتذهب بعض الطروحات إلى الادعاء بأن إثيوبيا يحقّ لها، استنادًا إلى هذه المعطيات، المطالبة بممرّ بحري. غير أن هذا الطرح يظل قاصرًا؛ إذ يختزل مفهوم القوة في بعدٍ واحد، ويتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا ومعطيات الواقع.
فمن الثابت تاريخيًا أن إثيوبيا كانت، منذ ما قبل بدايات الإسلام واستمرارًا عبر العصور اللاحقة، أكثر عددًا من الصوماليين. ومع ذلك، لم يكن هذا التفوق العددي يومًا سببًا لتفوّقها عليهم من حيث القوة أو النفوذ. ويكفي دليلاً على ذلك أن الصومال تشكّل كدولة ذات سواحل وبحار، ويمتلك أطول ساحل في القرن الإفريقي، في حين آلت إثيوبيا – على الرغم من كثافتها السكانية – إلى دولة حبيسة بلا منفذ بحري، بل يمكن وصفها بأنها جزيرة برية محاطة ببلاد إسلامية.
كما أن القومية الصومالية، رغم ما يُشاع عن قلة عددها نسبيًا، تنتشر على أطول السواحل في القارة الإفريقية، فضلًا عن امتدادها على أوسع مساحة جغرافية متصلة في شرق إفريقيا، وهو عامل جغرافي واستراتيجي لا يمكن تجاهله عند تقييم موازين القوة.
وقد سجّل التاريخ مواجهات وحروبًا متعددة بين الصوماليين والأحباش (الإثيوبيين)، وتشير المصادر التاريخية إلى أن الكفّة كانت تميل في كثير من الأحيان لصالح الصوماليين، الأمر الذي دفع الممالك الحبشية، عبر قرون طويلة قاربت عشرة قرون، إلى البحث عن تحالفات خارجية مع قوى صليبية عالمية لتعويض عجزها الداخلي.
والمقصود من هذا الطرح ليس إنكار الواقع الديمغرافي لإثيوبيا، وإنما التأكيد على أن التفوق العددي – مهما طال أمده – لا يعني بالضرورة التفوق في القوة. وهذه الحقيقة بحد ذاتها تؤكد أن قوة الأمم لا تُقاس بعدد السكان وحده، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة والمتكاملة.
كما أن مسألة المساحة الجغرافية تحتاج إلى قراءة أكثر دقة وموضوعية؛ فجزء كبير من الأراضي التي تُحسب ضمن مساحة إثيوبيا تسكنها القومية الصومالية. بل إن الأراضي الصومالية داخل إثيوبيا تمثل ما يقارب 40% من مساحة الدولة الإثيوبية، وهو معطى غالبًا ما يُغفل عند إجراء المقارنات الجغرافية.
أما على صعيد السكان، فعندما يُقال إن عدد سكان إثيوبيا يبلغ نحو 130 مليون نسمة، ينبغي التنبيه إلى أن الصوماليين يشكّلون أكثر من 7 ملايين من هذا العدد داخل إثيوبيا وحدها. ويُضاف إلى ذلك أن سكان جيبوتي، وشمال شرق كينيا، هم في غالبيتهم العظمى من القومية الصومالية، مما يبرز بوضوح حقيقة الكثافة السكانية الصومالية في شرق إفريقيا.
وفي المقابل، فإن إثيوبيا دولة متعددة الأعراق والأديان واللغات والمصالح، ولا يجمع بين مكوناتها في كثير من الأحيان سوى سلطة القوة والإكراه، بينما يشكّل وجود ما يقارب 40 مليون مسلم صومالي متجانس في الدين واللغة والثقافة عنصر قوة حقيقية، قد يفوق في أثره أعدادًا أكبر لكنها منقسمة ومتصارعة وفي هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
والجدير بالذكر أن القومية الصومالية أكبر مما يُشاع عنها، لا سيما من حيث الامتداد الجغرافي؛ إذ تُعد من أوسع القوميات مساحة في شرق إفريقيا. وهذه الأراضي لم تكن هبةً أُعطيت، ولا واقعًا فُرض سلمًا، بل اكتسبتها القومية الصومالية وحافظت عليها بالاعتماد على الله أولًا، ثم بقوة السلاح تارة، وبالصمود والتماسك تارة أخرى.
ورغم أن الصومال لا يزال يعاني من آثار الانهيار الذي مرّ به خلال العقود الماضية، فإن مؤشرات المستقبل تبدو أكثر إشراقًا؛ إذ يخطو اليوم خطوات واضحة نحو التعافي، وإعادة البناء، وتحقيق التنمية. وعلى النقيض من ذلك، تسير إثيوبيا في مسار متسارع ينذر بتحديات داخلية عميقة قد تهدد وحدتها واستقرارها.
وخلاصة القول، إن قوة الدول لا تُقاس بالعدد المجرد، وإنما تُبنى على منظومة متكاملة من المعايير، تشمل وحدة المجتمع، والهوية الجامعة، والموارد، والموقع الجغرافي، والعمق التاريخي، والرؤية المستقبلية. ومن ثمّ، فإن اختزال قوة الأمم في الكثافة السكانية وحدها هو تبسيطٌ مخلّ لا يعكس حقيقة الواقع ولا منطق التاريخ.
علي أحمد محمد المقدشي





