كان من المقرر أن تنطلق مفاوضات في غاية الأهمية بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في 2 فبراير الجاري في مقديشو للبحث عن السبل الكفيلة لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها مع اقتراب نهاية فترة ولاية الرئيس حسن شيخ محمود المنتهية في 15 مايو المقبل، لكن تم تأجيلها بشكل مفاجئ ولأجل غير مسمى .
هذا التأجيل مؤشر على محدودية فرص نجاح مستقبل المفاوضات بين الجانبين؛ لأنه يأتي في ظل استمرار البرلمان في مناقشة تعديل بنود الدستور التي تعد محور الخلاف بين الجانبين ، ووسط تباين واضح في الرؤى بينهما بشأن مستقبل البلاد ، وإعادة تموضعه الاقليمي وبما ينسجم مع التفاعلات الاقليمية، والتحولات الجيوسياسية الهادفة إلى إعادة صياغة المشهد في منطقة القرن الإفريقي وخصوصا بعد الإعلان الإسرائيلي المفاجئ عن الإعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة، وإلغاء الحكومة الصومالية كافة الاتفاقيات المبرمة مع دولة الإمارات خلال السنوات الماضية .
إذا قرأنا المشهد السياسي في الصومال مع تفاعلات القوى الاقليمية في المنطقة بالإضافة إلى انشغال المجتمع الدولي الراعي الأساسي لمسيرة السلام والديمقراطية في الصومال في قضايا عالمية كأزمة غزة وتداعياتها، والحرب في أوكرانيا والصراع الأمريكي -الإيراني، نرتئي أن الأطراف السياسية في الصومال ليست على عجلة من أمرها في تحقيق التوافق على القضايا المصيرية، والملفات الأكثر إثارة للجدل والخلاف على المستوى السياسي وعلى رأسها النموج الإنتخابي، مفضلة التريث والترقب حتى انقشاع الغبار ، واتضاح الصورة الكاملة أو على الأقل معالم وملامح منطقة القرن الأفريقي في المرحلة القادمة.
وخير شاهد على ذلك ضعف الحماس والتطلع لدى جميع الأطراف السياسية بما فيها الحكومة الفيدرالية تجاه وحدة البلاد وسيادته، والحاجة الملحة في هذه المرحلة لتحقيق التوافق السياسي، ووضع جميع الخلافات جانبا ، والوقوف صفا واحدا أمام التحديات الداخلية والخارجية الراهنة، لضمان وحدة البلاد وتماسكه، وإفشال مخطط إسرائيل للحصول على موطئ قدم لها في السواحل الصومالية.
كل طرف متشيث بمواقفه ويحاول الاستغلال من هذه التحديات لأقصىى حد ممكن لتحقيق طموحاته السياسية، وإلحاق الهزيمة للطرف المنافس.
فالحكومة الفيدرالية في مقديشو يبدو أنها غير جديرة بالاهتمام بمبادرات بناء الثقة والمناقشة حول قضية الانتخابات المقبلة وبالتالي لا تسعى إلى إنجاح المفاوضات على الأقل في هذه المرحلة لما تتسم بالضبابية وعدم وضوح الرؤية، واضعة في الحسبان ثلاثة عوامل داخلية وخارجية أبرزها:
1- الرأي العام المحلي. تعتقد أن الرأي العام المحلي بات لصالحها وأنه غير مربئ بدعوات المعارضة، ومهيئ لتقبل التمديد وخصوصا بعد تحسن الوضع الأمني في العاصمة مقديشو. لكن هنا يجب الإشارة إلى أن الرأي العام الذي تعكسه وسائل الإعلام الحكومية، ومواقع التواصل الاجتماعي الموجهة لا يكون عادة معيارا ولا عاملا حاسما للقضايا السياسية في الصومال.
2- التماسك الحكومي، حيث لا يزال ولاء رئيس الوزراء للرئيس ثابت، وكذلك الوزراء الأساسيين في الحكومة عكس رؤساء الوزراء السابقيين الذين انقلبوا على رؤسائهم ، وكان آخرهم رئيس الوزراء محمد حسين روبلي.
3- بالإضافة إلى ذلك مواقف بعض الولايات الإقليمية مثل ولاية جلمذغ ، وهيرشبيلي ، وجنوب غرب الصومال المتطابقة مع رؤية الرئيس حسن شيخ محمود تجاه الانتخابات ونظام الحكم. لكن في هذا السياق، ينبغي التذكير أن ولاءات القيادات الصومالية غير دائمة غالبة، وقد تتغير في أية لحظة ولاسيما مع اقتراب نهاية الولاية القانونية للرئيس، وبالتالي أتوقع بأن الشهور القليلة المقبلة حبلى بالمفاجآت ، وستتغير تموضعات السياسيين في مقديشو وفي المدن الأخرى ، وحتما لن تكون لصالح الرئيس حسن شيخ محمود.
4- الدعم الخارجي: لا شك في أن الحكومة الفيدرالية تتعرض لضغوط متزايدة من قبل المجتمع الدولي ولاسيما من مبعوثي الأمم المتحدة والاتحاد الأرووبي إلى الصومال من أجل المضي قدما في التفاوض مع المعارضة، والحليولة دون حدوث فراغ دستوري، لكن في ذات الوقت تحظى الحكومة دعما ملحوظا من بعض الدول الاقليمية المتوجسة من حدوث تغيير سياسي في المشهد السياسي الصومالي يعرض مصالحها للخطر ، والمتطلعة إلى استمرار سياسيات الحكومة الصومالية تجاه التفاعلات الإقلمية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.
أما المعارضة، فمتفائلة جدا ، واهتماماتها ليست منصبة في هذه المرحلة على حل المشكلة مع الرئيس حسن شيخ عبر المفاوضات ، وإنما على تعزيز موقعها عبر الاستمرار في بناء جبهة سياسية عريضة وموحدة سواء على المستوى السياسي أو الشعبي ضد الرئيس حسن شيخ محمود ، وتعتقد أن أيام الحكومة الحالية باتت معدودة، وأن الأوضاع السياسية مع حلول منتصف شهر مايو المقبل ومع بدء السياسيين بالقفز من سفينة الحكومة الغارقة ستتغير لصالحها.
لكن أكبر عقبة أمام فرص نجاح المعارضة في حال فشلت المفاوضات تتمثل في أمرين:
الأمر الأول: رؤساء الحكومات الاقليمية سواء الذين يرتبط مستقبلهم السياسي بالمسار الذي يقوده الرئيس حسن شيخ محمود، أو الذين يعارضون هذا المسار؛ لأن الطرف الأخير يسعى إلى أن يكون النموذج الإنتخابي المقبل نفس نموذج الانتخابات السابقة، المحاصصة القبلية وعلى معيار 4.5، وهذا لن يكون لصالح المعارضة السياسية ولاسيما المرشحين للسباق الرئاسي.
والأمر الثاني : الواقع السياسي المكرس خلال السنوات الماضية، والمتمثل في إمكانية بقاء الرؤساء في السلطة رغم انتهاء ولايتهم الدستورية ، في خطوة اعتبرها البعض تحديا لإرادة الشعب ، واعتداء سافرا على الدستور ، ولذلك لا نستبعد إمكانية نجاح الرئيس الحالي حسن شيخ محمود في البقاء في السلطة بعد إنتهاء ولايته لفترة طويلة وبدون إعلان التمديد بشكل رسمي على غرار ما فعله بعض رؤساء الحكومات الإقليمية الحاليين. وأعتقد أن الواقع لن يتغير كثيرا إذا اتخذ الرئيس حسن شيخ هذا القرار في ظل الجمود السياسي الراهن، وتراجع قوة ونفوذ العشائر المسلحة في المشهد السياسي.
الكرة في هذه المرحلة، في ملعب الحكومة الفيدرالية. ولم يبق أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما.
الخيار الأول: النزول من الشجرة والقبول على الحلول الواقعية المتمثلة في وقف عمليات تعديل الدستور، وإجراء مفاوضات جادة مع المعارضة للتوصل إلى حل سياسي شامل بشأن الانتخابات المقبلة.
الخيار الثاني : أن تمضي قدما في سياسياتها المنكرة للواقع، ورفض الجهود الجارية لإستناف المفاوضات. هذا الخيار سيقود البلاد نحو منعطف خطير ، وإلى مزيد من التفك والتشرذم





