إضاءات على رحلة المصطفى ﷺ إلى الطائف

وقد كتبتُ هذه الإضاءات حين سافرتُ في هذا الشهر الفضيل [شهر رمضان المبارك عام ١٤٤٦] إلى الطائف، فلما رأيتُ جبالها الشاهقة الوعرة، وطرقاتها الصاعدة بين الشعاب، تذكّرتُ رحلة المصطفى ﷺ إلى الطائف؛ تلك الرحلة الشاقة التي قطعها على قدميه في حرِّ الطريق ومشقّته، بعد ما لقيه من حصار قريش، وشدة البلاء، وفقد النصير.

تذكّرتُ ما سبق تلك الرحلة من أعوام الحصار في شِعب أبي طالب، وما أعقبها من فقد العمِّ والزوج، ثم خروجه ﷺ يلتمس النصرة في طريقٍ وعرٍ طويل، ليقابل هناك ردودًا قاسية من سادة ثقيف، وأذىً عظيمًا من سفهائهم.

فكانت مشاهد الجبال الصامتة تثير في النفس معاني الصبر والثبات، وتستحضر خطى النبي ﷺ وهو يمضي في طريق الدعوة غير هيّاب، واثقًا بربه، مستمسكًا برسالته، رغم صعوبة الطريق وقسوة المواقف.

وهكذا بدت لي الطائف، لا مجرد مدينةٍ ذات طبيعةٍ خلابة، بل صفحةً حيّةً من السيرة، تُذكِّر بعظمة التضحية، وصدق التوكّل، وجلال الصبر في سبيل الله.

كان خروج النبي ﷺ إلى الطائف حدثًا عظيمًا من أحداث السيرة، سبقته ابتلاءات جسام ألجأته إلى تلك الرحلة، فجعلتها محطةً فاصلةً في طريق الدعوة.

أولًا: الحصار ونقض الصحيفة

فرضت قريش حصارًا جائرًا على النبي ﷺ ومن معه من بني هاشم وبني المطلب في المحرّم من السنة السابعة للبعثة، واستمر قرابة ثلاث سنين إلى السنة العاشرة منها. وخلال تلك المدة بقي رسول الله ﷺ ومن معه محاصَرين في شِعب أبي طالب، يعانون ضيقًا شديدًا بعد أن قُطعت عنهم الميرة، واشتد بهم الجهد حتى بلغ مبلغًا عظيمًا.

ثم أطلع الله نبيَّه ﷺ على خبر الصحيفة التي كتبتها قريش بالمقاطعة، وأن الأرضة قد أكلت ما فيها من ظلمٍ وقطيعة، ولم تُبقِ إلا ذكر الله عز وجل. فأخبر عمَّه أبا طالب، فخرج إلى قريش يعرض عليهم الأمر، فرضوا بالتحقق. فلما فتحوا الصحيفة وجدوها كما أخبر ﷺ، غير أنهم ازدادوا عنادًا وكفرًا. وكان في قريش نفرٌ من عقلائهم تعاقدوا على نقض الصحيفة، منهم: هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي؛ فانتهى الحصار، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشِّعب.
ثم ما لبث البلاء أن تجدّد؛ فمات عمُّه أبو طالب، وتوفيت خديجة رضي الله عنها، واشتد أذى المشركين، فكان ذلك عام حزنٍ وألم.

ثانيًا: الخروج إلى الطائف

في هذا السياق خرج النبي ﷺ إلى الطائف في شوال من السنة العاشرة من النبوة، يلتمس للدعوة أنصارًا جددًا، ويعرض الإسلام على من عساهم يستجيبون له. وكانت الطائف تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، فذهب إليها ماشيًا على قدميه ذهابًا وإيابًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه. وكان كلما مرَّ على قبيلة دعاها إلى الإسلام، فلم تُجبه واحدة منها.

فلما بلغ الطائف قصد ثلاثة من سادة ثقيف: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب أبناء عمرو بن عمير، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونصرة دينه، وأقام بينهم عشرة أيام يرجو قبولهم. غير أنهم قابلوه بأقبح الردود، واستهزؤوا به، ثم حرّضوا عليه سفهاءهم وغلمانهم، فوقفوا له صفَّين يرمونه بالحجارة ويسبّونه، حتى أدموا عراقيبه، واختضبت نعلاه بالدم. وكان زيد رضي الله عنه يقيه بنفسه حتى شُجَّ رأسه، ولم يزالوا به حتى ألجؤوه إلى حائطٍ لعتبة وشيبة ابني ربيعة، على ثلاثة أميال من الطائف.

وكان يوم الطائف من أشد الأيام على رسول الله ﷺ، حتى قال – لما سألته عائشة رضي الله عنها: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أُحد؟ –: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة…».

ثالثًا: لطف الله وبشائر الفرج

ومع شدة الأذى، لم ينقطع لطف الله تعالى. فقد رقّ قلب ابني ربيعة، فأرسلا غلامًا لهما نصرانيًا يُدعى عدّاس بقطف من عنب. فلما قال النبي ﷺ: «باسم الله»، تعجّب عدّاس، وسأله عن بلده، فلما ذكر نينوى قال له ﷺ: «أمِن قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ ذلك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ»، فآمن به وقبّل يديه ورجليه، فكانت تلك اللحظة شعاع نور في ظلمة الابتلاء.

وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرنِ الثعالب، فرفعتُ رأسي فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم… إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين فعلت. فقال رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا».

وعند وادي نخلة، قام ﷺ من الليل يصلي، فاستمع إليه نفرٌ من الجن، فآمنوا وانصرفوا إلى قومهم منذرين، كما أخبر الله تعالى في سورتي الأحقاف والجن. ولم يعلم النبي ﷺ بحضورهم إلا حين أوحى الله إليه بذلك، فكانت بشارةً أخرى تؤكد أن الدعوة ماضية، وإن أعرض عنها أهل الأرض.

رابعًا: الدخول في جوار المطعم بن عدي

ومع ما لقيه من ألمٍ وصدود، لم يُرِد ﷺ أن يدخل مكة كما خرج منها، بل آثر أن يدخلها في جوار بعض رجالاتها؛ إذ كانت قريش قد عزمت على منعه من العودة حتى لا يجد مأوًى يؤويه ولا من يحميه.

قال ابن القيم: قال له زيد: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومُظهر نبيّه».

فلما بلغ مشارف مكة أرسل رجلًا من خزاعة إلى المطعم بن عدي يستجيره، فأجاره، ودعا بنيه وقومه، وأمرهم أن يلبسوا السلاح ويقفوا عند أركان البيت، ثم أعلن في قريش أنه قد أجار محمدًا ﷺ، فدخل رسول الله ﷺ المسجد، فاستلم الركن، وصلّى ركعتين، ثم انصرف إلى بيته، والمطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل منزله.

وذكر ابن الأثير أن أبا جهل سأل المطعم: أمجيرٌ أم متابع؟ فقال: بل مجير. فقال: قد أجرنا من أجرت.

خامسًا: دروس في الوفاء وحفظ الجميل

لقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في حفظ الجميل والوفاء لأهله؛ فمع أن المطعم بن عدي مات على غير الإسلام، لم ينسَ له صنيعه، فقال يوم بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركْتُهم له» رواه البخاري، وفي رواية: «لأطلقتهم له».

وكذلك نهى عن قتل أبي البختري بن هشام يوم بدر؛ لأنه كان يكفّ الأذى عنه بمكة، وكان من القائمين في نقض الصحيفة.

ولم ينسَ جميل عمِّه أبي طالب الذي كفله صغيرًا ونصره كبيرًا، فقال: «هو في ضحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» رواه البخاري. كما أعطى عمَّه العباس قميصه يوم بدر وفاءً لمواقفه.

وضرب ﷺ المثل الأعلى في الوفاء لزوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فكان يذكرها بخير ويثني عليها، ويقول: «آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس…» ولأن« حسن العهد من الإيمان».

ولم ينسَ أيضا فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: «ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلا وقد كافيناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة» رواه الترمذي.

خاتمة

إن رحلة الطائف ليست مجرد حادثةٍ تاريخية، بل هي مدرسة في الصبر والثبات، ودليل على أن طريق الدعوة محفوفٌ بالابتلاء، وأن النصر قد يتأخر لكنه لا يتخلّف. فيها يتجلّى صدق التوكّل، وسَعة الرحمة، وعظمة الحِلم.

وهكذا تبقى رحلة الطائف نبراسًا يُستضاء به في دروب الدعوة، وعزاءً لكل صاحب رسالة أن يمضي على خطى المصطفى ﷺ، صابرًا محتسبًا، واثقًا بوعد الله، مهما اشتد البلاء وعظم الابتلاء.

بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

زر الذهاب إلى الأعلى