على مدى أكثر من أربعة عقود، ومنذ سقوط الحكومة المركزية، ظلّت الصومال توجّه نداءات متكرّرة إلى الدول العربية من أجل دعم إعادة بناء الدولة ومؤسساتها السيادية، وترميم بنيتها الاقتصادية التي أنهكتها الحروب والانقسامات.
وقد استندت هذه النداءات إلى روابط تاريخية ودينية وجغرافية راسخة، غير أنّ الاستجابة العربية جاءت في كثير من الأحيان دون مستوى التحديات؛ فغلب عليها أحيانًا التقصير، وأحيانًا أخرى الإسهام غير المباشر في تعميق الانقسام وإضعاف الدولة بدل دعم وحدتها.
لا يمكن فهم موقع الصومال في المعادلة الإقليمية والعالمية بمعزل عن وزنها الجيوسياسي؛ لأن الصومال تمثّل عمقًا استراتيجيًا حقيقيًا للأمن العربي في القرن الإفريقي، وتتحكّم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وفي مقدمتها مضيق باب المندب والمحيط الهندي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي فراغ سياسي أو أمني في الصومال لا يبقى شأنًا داخليًا محضًا، بل تنعكس آثاره مباشرة على أمن البحر الأحمر والخليج العربي، ويُحدث اختلالًا خطيرًا في توازنات إقليمية شديدة الحساسية.
إن التعامل مع وحدة الصومال واستقرارها باعتبارهما قضية ثانوية يُعد خطأً استراتيجيًا بالغ الكلفة على المدى البعيد، لأنه يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية لملء هذا الفراغ بما يتعارض مع المصالح العربية والإسلامية الدينية والدنيوية.
وتجاهل هذه الحقيقة لا يهدّد الصومال وحدها، بل يعرّض الأمن العربي وحتى أمنوالدول الإسالامية برمّته لمخاطر متصاعدة في بيئة إقليمية مضطربة لا ترحم المتقاعسين.
وفي هذا السياق، لا يجوز اختزال الصومال في صورة بلد منكوب بالمجاعة؛ فهذه صورة مجحفة تاريخيًا ومضلِّلة واقعيًا. فالصومال تمتلك ثروات واعدة في مجالات التعدين، والزراعة، والثروة الحيوانية والسمكية، وهي قطاعات تمثّل فرصًا استثمارية حقيقية للدول العربية إذا ما أُحسن توظيفها ضمن شراكات استراتيجية عادلة. ولم تكن الصومال عبر تاريخها بلدًا فقير الموارد بطبيعته، بل إن الأزمات التي مرّت بها كانت نتيجة مباشرة للحروب والصراعات وتفكك الدولة، لا بسبب عجز بنيوي في الإمكانات.
بل على العكس، فقد عُرفت الصومال تاريخيًا بوقوفها إلى جانب أشقائها العرب في الجزيرة العربية قبل عصر النفط، وبصلابة موقفها في الدفاع عن أرضها وسيادتها كلما تعرّضت للعدوان، كما تشهد بذلك صفحات التاريخ، ولا سيما في القرون الوسطى إبّان دولتي زيلع ومملكة أجوران.
إن ما تشهده الساحة الصومالية اليوم ينبغي أن يُقرأ بوصفه درسًا سياسيًا متأخرًا للعالم العربي.
فالصومال ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية، بل تمثّل ركنًا أصيلًا في معادلة الأمن الإقليمي العربي، بحكم موقعها الاستراتيجي وإطلالتها على أهم الممرات البحرية الحيوية.
ويقتضي تصحيح المسار تبنّي مقاربة عربية جديدة تقوم على أسس واضحة، من أبرزها:
- دعم وحدة الصومال وسيادتها دعمًا صريحًا لا لبس فيه،
- الاستثمار في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار بدل تغذية الانقسامات،
- التعامل مع الصومال بوصفها شريكًا استراتيجيًا حقيقيًا لا ساحة لتصفية صراعات النفوذ.
ورغم تعقيد المشهد، فإن الوقت لم يفت بعد، والفرص ما تزال قائمة. غير أن التطورات المتسارعة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تجعل المنطقة أشبه بساحة توتر قابلة للانفجار إذا لم يُبادر إلى احتواء المخاطر عبر دعم الدولة الصومالية وتقوية مؤسساتها الشرعية.
إن مسؤولية العالم العربي والإسلامي اليوم ليست سياسية فحسب، بل هي مسؤولية ظينية وتاريخية وأمنية وأخلاقية، تفرض عليه الوقوف إلى جانب الصومال انطلاقًا من منطق المصير المشترك، ومن معنى قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) أي: نعاونك به ونقويك.
فأمن الجزيرة العربية ومقدساتها يبدأ من بوابة القرن الإفريقي، قبل أن تتعقّد المعادلات ويصبح التدارك أشد كلفة وأكثر ألمًا.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





