الصومال وإسرائيل: جذور الصراع وأبعاده الجيوسياسية والاصطفاف الإقليمي

ملخص تنفيذي


شهدت نهاية عام 2025 تطورا سياسيا لافتا في الصومال. أعلنت إسرائيل اعترافها رسميا بـ”إقليم أرض الصومال” كدولة مستقلة ذات سيادة. يمثل هذا التطور تحولا جيوسياسيا في منطقة القرن الأفريقي، وتهديدا على منظومة الأمن البحري، وتوازنات القوى الإقليمية، والهوية السياسية الصومالية، والصراع العربي–الإسرائيلي.
يحمل الاعتراف الإسرائيلي، أبعادا متداخلة بعضها سياسية لها علاقة مع حرب غزة والحسابات الإسرائيلية ذات الصلة، وبعضها جيوسياسية تتعلق بالممرات البحرية الإستراتيجية في المنطقة، بالإضافة إلى أبعاد أخرى مرتبطة بالتنافس الدولي والاقليمي على الموارد الحيوية والموانئ في المنطقة، ويترك القرار الإسرائيلي الأبواب مفتوحة أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في منطقة القرن الإفريقي خصوصا في ظل وجود دولة، مثل إثيوبيا الباحثة عن موطئ قدم لها في البحر الأحمر، ودول كتركيا ، والسعودية ، ومصر، التي يشهد ارتباطاتها بالقرن الأفريقي تصاعدا ملحوظا، إضافة إلى الصين والولايات المتحدة كفاعلين دوليين رئيسيين في المنطقة.
أثار القرار الإسرائيلي موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية والشعبية في الصومال، وشكل تهديدا على الأمن الاجتماعي في البلاد في ظل غياب إجماع داخلي حول مسألة الاعتراف بـإقليم “أرض الصومال”. كما منح القرار فرصة دعائية للجماعات الارهابية في الصومال، وجعل المشهد عرضة لتفاعلات أمنية جديدة قد تعقد وضع الأمن الإقليمي المتدهور أصلا.
في هذه الورقة، نستعرض الخلفيات التاريخية، والدوافع الإسرائيلية ، والانعكاسات المحلية والإقليمية والدولية للقرار، مع تحليل السيناريوهات المحتملة.

المقدمة

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بـ” اقليم أرض الصومال” تحولا سياسيا في الصومال ، والقرن الأفريقي نظرا لما يحمله من تداعيات على كيانة الصومال ، وتوازن القوى الاقليمية في البحر الأحمر، ولذلك تنطلق هذه الورقة من الحدث بوصفه مؤشرا على تغيرات أعمق في حسابات الكيان الإسرائيلي، وفي بنية النظام الإقليمي في القرن الإفريقي، وتهدف إلى تقديم قراءة تحليلية للحدث، ومعالجة أبعاده الداخلية والخارجية، واستشراف مآلاته المستقبلية، ونتساءل ما هي الخلفيات التاريخية والدوافع السياسية والجيوسياسية الإسرائيلية للاعتراف بـ”أرض الصومال”؟ وما هي المآلات المحتملة لهذا القرار على الصومال ومنطقة القرن الإفريقي؟ وما خيارات الصومال والدول الداعمة لها؟.
القرار الإسرائيلي محاولة لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي في القرن الإفريقي، وإدماج “أرض الصومال” في قواعد اللعبة الدولية، وشبكات النفوذ الجيوسياسية في البحر الأحمر، بما يتقاطع مع مصالح أطراف أخرى في المنطقة، وخاصة إثيوبيا وبعض القوى الدولية. إلا أن هذا القرار يظل محفوفا بتعقيدات محلية وإقليمية سذكرها قد تفشله أو على الأقل تحد من تأثيره المباشر.


خلفية تاريخية للعلاقات الصومالية–الإسرائيلية

تعود جذور الدور الإسرائيلي في الصومال إلى مراحل مبكرة من حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال وجود الاستعمار الغربي في القرن الإفريقي الذي حرص على قطع الصلة بين الصومال والدول العربية، وتمهيد الطريق للعلاقة مع إسرائيل .. فقد اعتبرت الأخيرة منطقة القرن الإفريقي امتدادا طبيعيا لنطاق نفوذها البحري، ونافذة نحو القارة الإفريقية، وخاصة بعد إغلاق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية عام 1972، وحاولت التطبيع مع الصومال والنفاذ بكل الطرق إلى موانئ بربرة وزيلع، وبدعم من نواب في البرلمان الصومالي، لكن لم تكلل جهودها بالنجاح.
سياسيا، رفضت الصومال التطبيع مع اسرائيل، وكان موقفها من منطلق أخلاقي، وتقدمت العديد من المشاريع للتنديد بها، وإقرار حق العودة للفلسطينين في الأمم المتحدة ، سعيا لكبح جماح إسرائيل وإخضاعها للقانون الدولي.
أدت الصومال أيضا دورا لافتا داخل منظمة الوحدة الإفريقية، وفي مؤتمر دول عدم الإنحياز، لكشف النقاب عن النوايا الإسرائيلية ، وتمخض عن هذا التحرك قطع العديد من الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل إثر اعتدائها على مصر أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الأفريقي حاليا) ، وسوريا في أكتوبر عام 1973.
عسكريا، خلال العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر عام 1956، تقدم العديد من الشباب الصومالي للتطوع مع الجيوش العربية، وأعلن زعماء العشائر الصومالية استعدادهم لإرسال مقاومين إلى فلسطين . ، كما قدمت الحكومة الصومالية جزءا كبيرا من الأسلحة التي تساعدها الدول العربية على شرائها للمقاوميين الفلسطينين، وأعطت مكاتب ومقرات ومزارع للحركات الفلسطينية . . وقال الرئيس سياد بري عام 1973 أمام مهرجان شعبي “إن الشعب الصومالي على استعداد للقتال إلى جانب أشقائه العرب لإلحاق الهزيمة بالمعتدين الإسرائيليين” . وكان مستعدا لضمان القوة العسكرية العربية لحماية البحر الأحمر عندما دعت جامعة الدول العربية كخطوة احترازية للحفاظ على أمن البحر الأحمر إلى تكوين قوة دائمة للأمن العربي لمواجهة الأخطار المحيطة بهذا البحر الحيوي.
أزعج الموقف الصومالي من الصراع العربي -الإسرائيلي في المحافل والميادين الاقليمية والدولية، الحكومة الإسرائيلية، رغم تقليلها حجم الدولة، والدور، والتأثير ، واقتصر انتقامها على توفير مساعدات متعددة الأبعاد لإثيوبيا العدو التقليدي للصومال، والمشاركة في إسقاط نظام سياد بري من خلال دعم الجبهات المسلحة ضد النظام تدريبا وتسليحا.
وعقب سقوط نظام سياد بري، عززت دورها في الصومال عبر أدواتها المنتشرة في مقديشو وهرجيسا، وفي عواصم دول الجوار، وإقامة علاقات مع بعض أمراء الحرب في مقديشو، وغروي، والساسة في صوماليلاند ، حيث زار عمر دهود المبعثوث الخاص لرئيس أرض الصومال الأسبق طاهر كاهين إلى إسرائيل -في مطلع الألفية الثالثة -من أجل الحصول على الاعتراف الإسرائيلي ، لكن لم تنجح هذه التحركات، وأن إسرائيل امتنعت عن فعل ذلك. وذكر عمر دهود أن رجال أعمال إسرائيلين ساعدوه في هذا الأمر .
لم تتوقف الاتصالات بين الطرفين واستمرت على أكثر من مستوى ومسار ، وبدعم قوي من سياسين غربين في بريطانيا والولايات المتحدة . في عام 2010 أدلي ييغال بالمور المتحدث الرسمي ورئيس مكتب الصحافة لوزارة الخارجية الإسرائيلية بتصريح صحيفة هآرتس اليومية قال فيه ” إن حكومته مستعدة للاعتراف بأرض الصومال ” واستشهد بأن الكيان الصهيوني كان أول دولة تعترف بصوماليلاند عندما حصلت على استقلالها عن بريطانيا عام 1960 مع 33 دولة أخري. كما سبق وأن أعلن مدير المخابرات الصهيونية إيلي كوهين في نوفمبر عام 2020 في مقابلة صحفية أن بلاده ستدخل في اتفاق سلام مع دولتين لم يسمهما أحدهما في القرن الأفريقي والآخري غير بعيدة عن المنطقة . واليوم بات واضحا أن المقصود كان الصومال أو اقليم “أرض الصومال”.
وبعد عودة الصومال إلى المحافل الدولية ، وإلى مجلس الأمن بعد غياب دام عقودا، تبنت نهجها القديم، الدفاع عن القضية الفلسطينية، لكن هذه المرة في ظل تغيرات هائلة يشهدها العالم، ومنطقة الشرق الأوسط ، وخصوصا بعد حادثة 17 أكتوبر عام 2023. أما إسرائيل فردت هذه المرة بإزاحة الستار عن ورقتها الأخيرة المتمثلة في تقسيم الصومال وتفكيكه، متجاوزة كل الأعراف والقوانيين الدولية ومبادئ معاهدة وستفاليا، ورأت أن التوقيت والظرف مناسبين للاعتراف بالأقاليم الشمالية في الصومال المطلة على خليج عدن كدولة مستقلة ، وذلك ضمن رؤية لإعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط والمناطق الإفريقية المرتبطة بمنظومها الأمني، الصومال، والسودان، وليبيا وليست لمصلحة سكان “أرض الصومال”.


الدوافع الإسرائيلية المحتملة للاعتراف بـ” إقليم أرض الصومال”

يمكن قراءة الخطوة الإسرائيلية من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:
• البعد الدبلوماسي :
توسيع دائرة الدول المؤيدة لها، والحصول على مزيد من الشرعية الدولية، وإفشال جهود بعض الدول العربية لتضيق الخناق عليها دوليا
• البعد الجيوسياسي: دعم أطماع إثيوبيا في الحصول على ممر مائي من خلال تفكيك جمهوية الصومال الاتحادية إلى كيانات مستقلة صغيرة الحجم وعديمة التأثير، وهو ما ينسجم مع رغبة إسرائيل في إعادة تشكيل هندسة القوة في القرن الإفريقي على حساب الدول العربية المحاذية للبحر الأحمر ، وتعزيز شبكة من الشراكات غير التقليدية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي في ظل تصاعد المنافسة الدولية على المنطقة
• البعد الأمني: محاصرة الدول العربية المؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية عبر سيطرتها على المداخل الجنوبية لمضيق باب المندب، والتعامل مع تداعيات الحرب في غزة وتوسع نفوذ الحوثيين في باب المندب والسواحل البحرية الملاصقة له.
البعد الإعلامي: دغدغة مشاعر شعبها وصرف الأنظار عن إخفاقاتها في غزة بالإضافة إلى إثارة خيبة الأمل في نفوس الشعوب العربية، والتأكيد على أنها باقية ومتمددة.


إسرائيل وتعقيدات المشهد الداخلي الصومالي

إن وجود اسرائيل في إقليم “أرض الصومال” بدون سند قانوي ، وبدون إذن من الحكومة الصومالية الفدرالية يستجلب لها مخاطر عديدة تتمثل في:
1- إن إسرائيل لا تفهم الديناميكيات المحلية في إقليم أرض الصومال التي تتداخل فيها العوامل القبلية والتاريخية والسياسية بدرجة يصعب معها التعامل معه باعتباره وحدة سياسية متجانسة، ويبرز كتبسيط مفرط للواقع السياسي الداخلي، وتجاهل عن الحساسية الوطنية للصومال، والانقسامات القبلية والسياسية الحادة.
2- تعميق الانقسامات القائمة أصلا بين القبائل الصومالية في تلك المنطقة ما يشكل تهديدا مباشرا على مصالحها. فعلى سبيل المثيال تعتبر المجموعات المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية في الشرق، الدور الإسرائيلي على أنه تدخل أجنبي، وتقوم بحملة للمقاومة والتصدي وربما بدعم من تركيا، التي عززت علاقاتها مع مقديشو.
3- قد تشجع جيبوتي، وربما الصين سكان المناطق الشمالية الغربية من أرض الصومال على التمرد ضد سلطة هرجيسا، وبوادر ذلك بدأت تظهر للعيان، وأن أي خطأ صغير غير محسوب، يجعل كرة الثلج تتدحرج نحو مرحلة أخطر.
4- تعزز مآزقها الدولي ، وتكون عرضة لمزيد من الانتقادات، والعزلة، والضغوط في الأروقة الدولية والاقليمية
5- يمنح الاعتراف الإسرائيلي فرصة دعائية للمجموعات المتمردة في الصومال، مثل حركة الشباب، وتنظيم داعش. فالمشاعر المعادية لإسرائيل قوية بين القوميين الصوماليين والإسلاميين.


الإعتراف الإسرائيلي ومواقف القوى الاقليمية والدولية


أولا: الولايات المتحدة
لا يمكن الاستبعاد بأن تحذو الولايات المتحدة الأمريكية حذو إسرائيل على الأقل على المدى البعيد ، وأن الرئيس ترامب عندما سئل حول الاعتراف الإسرائيلي بـأرض الصومال، كما جاء في مقابلة مع صحيفة نيويورك بوست، قال : “لا… ليس في هذا الوقت. هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال، حقًا؟” وأوضح أنه لن يتبع قرار إسرائيل بالاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة الآن، وأنه سيقوم بدراسة الأمر” . وفي ذات الوقت دافعت مي بروس نائبة سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، عن حق إسرائيل في إقامة علاقات دبلوماسية واختيار شركائها وقالت: “لإسرائيل نفس الحق في إقامة علاقات دبلوماسية كما لأي دولة ذات سيادة” وأشارت إلى أن الولايات المتحدة لم تغير سياستها بشأن الاعتراف بـ”أرض الصومال”. كما انتقدت ما وصفته بـ “ازدواجية المعايير” عندما تم الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل بعض الدول دون استدعاء اجتماع طارئ لمجلس الأمن، مقارنة بردود الفعل على اعتراف إسرائيل بصوماليلاند.
وبناء على هذه التصريحات لا يمكن استبعاد أن تعترف الولايات المتحدة بأرض الصومال في المستقبل، وأن الأمر مرهون بنتائج الدراسة ، ومدى قدرة إسرائيل وحلفائها على اقناع الرئيس ترامب بأهمية الاعتراف بإقليم أرض الصومال.
لكن استدركا، فإن الإستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة لعام 2025 تمثل تحولا نوعيا في العقيدة الأمنية الأميركية ومؤشرا على أن اعترافها بأرض الصومال ليس قريبا، لأن رؤية “الاستراتيجية الأمريكية” تجاه أفريقيا تركز على دول ذات قيمة حيوية مباشرة، وتكون أكثر انتقائية مع دول القارة، وأنها ستعطي أولوية قصوى على دول لديها موارد استراتيجية مثل المعادن الحيوية، والطاقة، ومنافذ بحرية. بالتأكيد ستحاول إسرائيل وإدارة إقليم أرض الصومال تسويق الموراد الاستراتيجية في المناطق الشمالية في الصومال كالاحتياطات الحيوية ، ومطار وميناء بربرة، غير أنه فيما يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك حقيقة التعقيدات السياسية والأمنية في الصومال.
ثانيا: الصين
سارعت الصين إلى التنديد بانتهاك إسرائيل لوحدة الأراضي الصومالية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان في مؤتمر صحفي في 29 ديسمبر 2025 إن الصين تُعرب عن قلق بالغ وتعارض بشدة اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وتؤكد دعمها لسيادة ووحدة الأراضي الصومالية، مشيرا إلى أن صوماليلاند جزء لا يتجزأ من الأراضي الصومالية، وأن القضية شأن داخلي يجب حلّه من قبل الشعب الصومالي وفق دستور بلاده. وشدد على أن أي تدخل خارجي لا مبرر له يجب أن يتوقف، وأنه لا ينبغي لأي دولة أن تشجع أو تدعم قوى انفصالية في دولة أخرى لخدمة مصالحها الخاصة. أما النائب الدائم لوفد الصين لدى الأمم المتحدة صن لي، أعرب في اجتماع طارئ بمجلس الأمن عن قلق الصين البالغ، ومعارضتها تجاه اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، محذرا من أن الخطوة قد تزيد التوتر في القرن الأفريقي وتهدد السلام والاستقرار الإقليمي. وأكد أن الصين تدعم بشكل ثابت سيادة ووحدة الأراضي الصومالية وتعارض أي عمل يقوض ذلك.
لن تقف الصين مكتوفة الأيدي أمام تقسيم الصومال، وستدعم الحكومة الصومالية في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها وذلك لسببين: الأول أن العلاقة بين إسرائيل وأرض الصومال باتت لصالح بعض الدول والأطراف المعادية للصين ، من بينها تايوان، التي أشادت بالخطوة الإسرائيلية. والسبب الثاني يتمثل في سياستها الخارجية الثابتة والمؤيدة للحكومات الإفريقية، والرافضة لسياسة التقسيم والتفتيت.
ثالثا: السعودية
في الأعوام الأخيرة، شهد دور المملكة العربية السعودية في القرن الأفريقي تطورا مطردا ، وانتقل من دور هامشي إلى دور أساسي ضمن رؤية 2030، وبالتالي يتوقع أن تنخرط السعودية وبشكل سريع في مساعي إقليمية ودولية حثيثة للدفاع عن وحدة وسيادة الصومال، وحتى الآن ساهمت في تنظيم 3 مؤتمرات إقليمية لدعم وحدة الصومال. وأكدت وزارة الخارجية في المملكة العربية السعودية في بيان صحفي على دعم المملكة الكامل لسيادة الصومال ، ووحدة وسلامة أراضيها، ورفضها الواضح والصريح لإعلان الاعتراف المتبادل بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي وإقليم صوماليلاند، وأي محاولات لفرض كيانات موازية تضعف وحدة الصومال واستقراره، معتبرة مثل هذه الخطوات إجراءات تتعارض مع القانون الدولي.
تعتبر المملكة العربية السعودية البحر الأحمر وباب مندب عمقا استراتيجيا ولا يمكن بأي حال من الأحول أن تفرط في حقه، وتقبل بوجود نفوذ خارجي غريب وغير مرغوب فيه بالقرب منه، لأنه يغير توازنات الأمن البحري، ويتعارض مع استراتيجية المملكة بشأن إدارة أمن البحر الأحمر عبر ترتيبات إقليمية عربية لا عبر قوى خارجية.
رابعا: تركيا
خلال السنوات الماضية، بنت تركيا شبكة من العلاقات في الصومال، ومصالح استراتيجية ، وبالتالي من غير المتوقع أن تغض الطرف عن الوجود الإسرائيلي في الصومال ، وتتقاعس عن دعم الشعب الصومالي؛ لأن ذلك يهدد مصالحها، ويؤثر سلبا على الرأي العام الصومالي المؤيد لتركيا.. وخلال مؤتمر صحفي عقده في إسطنبول إلى جانب نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، أوضح أردوغان أن تركيا تخطط لبدء عمليات حفر للطاقة في المياه البحرية قبالة سواحل الصومال في عام 2026، وذلك بموجب اتفاق ثنائي، مشيرا إلى أن بلاده ستضيف سفينتي حفر جديدتين إلى أسطولها. ونظرا لهذه المعطيات، تعد تركيا عاملا مهما يساعد الصومال في مقارعة إسرائيل دبلوماسيا.
خامسا: مصر
ردت مصر الخطوة الإسرائيلية بالتنديد، والتعهد بالعمل مع شركائها في العالم لمواجهة هذا التطور. لكن الجديرة بالإشارة إلى أنها ما زالت في حالة امتصاص الصدمة، ومترددة في اتخاذ قرارات حاسمة في هذه اللحظات الفارقة، بسبب ارتباطاتها الإقليمية، واتفاقياتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي فيما يبدو ستترك الأمر لعامل الوقت، وستكتفي بحشد الدعم الإقليمي والدولي للصومال، وإبداء الإنزعاع من تطورات ومسارات القرار الإسرائيلي تجاه الصومال.
سادسا: أثيوبيا
على الرغم من أنها لم تعلن موقفها بشكل رسمي، الا أن كثرون يرون أن إدارة إقليم “أرض الصومال” نسقت مع إثيوبيا للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، ولذلك تعتبر أديس أبابا على رأس الدول المستفيدة من الاعتراف الاسرائيلي، باعتباره محققا لحلمها في الحصول مرة ثانية على موطئ قدم لها في البحر الأحمر. ولمح ذلك السفير الإثيوبي لدى الصومال، سليمان دادافيي، حين قال إن إثيوبيا تراقب عن كثب قرار إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند، وأنها سترد فقط إذا تأثرت مصالحها الوطنية أو السلام الإقليمي بشكل مباشر.
سابعا: أطراف اقليمية ودولية أخرى
التزمت قوى اقليمية ودولية ذات تأثير كبير على القضايا الصومالية مثل الإمارات، وكينيا ، وروسيا ، ودول أوروبية، وهذا الصمت سلبي بالتأكيد، لكن لا يمكن تفسيره الا بمنطق تراجع مركزية المبادئ القانونية لصالح المصالح الأمنية، واعتبار القرن الأفريقي مجالا مفتوحا للتوازنات الوقائية بدل الحلول القانونية.


السيناريوهات والمآلات

يمكن النظر إلى القرار الاسرائيلي ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1- ترسيخ الاعتراف الدولي تدريجيا لإقليم “أرض الصومال” إذا وجدت الخطوة دعما غربيا.
2تراجع إسرائيلي تكتيكي إذا واجهت معارضة إقليمية واسعة أو ثمن سياسي باهظ.
3- بقاء القرار رمزيا دون ترجمة فعلية على الأرض، مع استمرار وضع الإقليم على حاله القانوني والسياسي
في تقديري، لا يؤدي الاعتراف الإسرائيلي إلى نتائج حاسمة على المدى المنظور، بل يظل مجرد زوبعة في فنجان، ويبدو أن قدرة إسرائيل على تحويل الاعتراف إلى نفوذ فعلي في “أرض الصومال” محدودة وذلك للأسباب التالية:
• معارضة إقليمية عربية–تركية–صينية
• عدم جاهزية الولايات المتحدة لدعمه
• تعقيدات البيئة الأمنية في القرن الإفريقي
• هشاشة الكيان السياسي لـ”أرض الصومال”


المقترحات والتوصيات

لمواجهة القرار الإسرائيلي ينبغي على الحكومة الصومالية:
1- أن تعيد تقييم علاقاتها الخارجية في ضوء المستجدات والتطورات الأخيرة سواء على الصعيد الاقليمي أو الدولي، وأن توسع تفكيرها إلى ما وراء أصدقاء الصومال التقليدين.
2- أن تعزز الإجماع الداخلي حول مسألة الاعتراف ، والسيادة، والوحدة من خلال التفاوض الجاد مع الأطراف السياسية المعارضة لسياساتها ،والتوصل إلى اتفاق بشأن الانتخابات في أقرب وقت ممكن.
3- أن تطور سياسة بحرية واضحة تجاه البحر الأحمر، وباب المندب، وعقد اتفاقيات أمنية مع الدول العربية والأفريقية المحاذية للبحر مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، وإريتريا.
4- أن تستفيد من الرفض الإفريقي والعربي لسياسات التقسيم، وتفعيل آليات منع الانفصال.
أما فيما يتعلق بالدول العربية الصديقة مثل مصر والمملكة العربية السعودية ينبغي :
• أن تدرك أهمية دعم استقرار الصومال سياسيا واقتصاديا في هذه اللحظة الفارقة للحيلولة دون اختراقات خارجية مستقبلية.
• أن تترجم مواقفها السياسية إلى أدوات عملية لحماية مصالحها في القرن الإفريقي.
• أن توازن حضورها في الصومال مع متغيرات البحر الأحمر والفاعلين الإقليميين الآخرين.
• أن توظف معارضتها للاعتراف ضمن استراتيجيتها الأوسع تجاه إفريقيا وخصوصا منطقة القرن الأفريقي.
• أن تعزز علاقاتها مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، والإدارات الاقليمية بما فيها إدارة أرض الصومال وبما يتوافق مع الدستور الصومالي، عبر مسارات الاقتصاد والبنية التحتية.
• أن تتعامل مع الخطوة الإسرائيلية باعتبارها تمس الأمن القومي العربي ووحدة الأراضي العربية والأفريقية ككل.


الخاتمة

القرار الإسرائيلي خطوة سياسية ضمن قواعد اللعبة الدولية ، ولا يمكن وصفه بتحول تاريخي حاسم في مسألة الاعتراف الدولي لإقليم “أرض الصومال”. ولا أعتقد بأنه سيؤدي إلى نتائج دراماتيكية على المدى المنظور، ولا إلى إعادة رسم الخرائط السياسية في المنطقة، لكن في الوقت ذاته يعتبر عامل إضافي يعمق حالة النزاع الجيوسياسي في الإقليم، وقد يتطور في المستقبل إلى عامل مهدد للكيانات العربية المطلة على البحر الأحمر .
وبالتالي يستدعي القرار الإسرائيلي، مراجعة الصوماليين قيادة وشعبا في سياساتهم تجاه مستقبل البلاد، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة، تضم جميع الأطراف تتولى مسؤولية الدفاع عن وحدة البلاد وسيادته، وإجراء الانتخابات العامة المقبلة.
حان اليوم الوقت لتختبر الصومال مرة ثانية، حقيقة العلاقة مع الدول العربية، وتتساءل هل سيساندها العرب في تجاوز هذه المرحلة المفصلية من وحدة البلاد، نظرا لما يجمعها من وحدة الدم، والمصير المشترك أم يكون الحال مشابها لما حدث عام 1977 عندما تخلى عنها العديد من الدول العربية تواجه مصيرها أمام إثيوبيا المدعومة من الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية بما فيها بعض الدول العربية؟ إن هناك مخاوف جدية حول وحدة الصومال ، وإمكانية فقدانها أقاليمها الشمالية كما فقدتها اقليم أوغادين عام 1977 بعد أن تقاعس العرب عن دعمها.

الهوامش والمراجع


1- الحياد الإيجابي وسياسية الصومال الخارجية الدكتور محمود علي توريري
2- صحيفة الوحدة في عددها الصادر 12 ديسمبر 1947
3- مقابلة مع د. محمد حمزة مستشار نائب القائد العام لمنظمة التحرير الفلسطينية – موقع قاعدة معلومات الملك خالد بن عبد العزيز
4- The red sea 1984. Hassen el-bedri and athors Arab research center
5- مقال بعنون الإعتراف بجمهورية أرض الصومـــال وعلاقة ذلك بالكيان الصهيوني للسفير بلال المصري- المركز الديمقراطي العربي
6- أرشيف الأمم المتحدة – الدورة العشرون للجمعية العامة – 1965.
7- تصريحات ييغال بالمور – صحيفة هآرتس – 2010.
8- تقارير محلية صومالية حول البنية القبلية – 2020.
9- وزارة الخارجية الصينية – مؤتمر صحفي – 29 ديسمبر 2025.
10- مقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – إسطنبول – 2025.
11- تصريحات نائب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة – نيويورك – 2025.
12- تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي – القاهرة – 2025.
13- بيانات وزارة الخارجية السعودية – الرياض – 2025.

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي
زر الذهاب إلى الأعلى