الجهل بالتاريخ والجغرافيا كمدخل لضياع الوطن

في الآونة الأخيرة، بات من المقلق ما تشهده بعض الساحات العامة في الصومال من هتافات وتصرفات تصدر عن فئة من الشباب والسياسيين، لا تنسجم مع وعي المواطن الصومالي ولا تعكس إدراكًا حقيقيًا لمسؤولياته الوطنية والدينية، خاصة عندما تتعلق بقضايا مصيرية وحساسة كالموقف من إسرائيل، وقضية صومالاند، أو التشكيك في الاتفاقيات التي تمس مكانة الدولة ومصالحها العربية والإقليمية. إن هذه المظاهر لا يمكن قراءتها بوصفها تعبيرًا عن رأي واعٍ أو نقد بنّاء، بقدر ما تكشف عن فراغ عميق في الوعي الوطني، وضعف في الفهم التاريخي، وخلل في إدراك تعقيدات الجغرافيا السياسية التي تحيط بالصومال.
الأخطر من ذلك أن هذه المواقف لا تنبع من تحليل مسؤول أو اجتهاد فكري رصين، بل من جهل بالحقائق التاريخية التي صنعت واقع البلاد، وبالمبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية التي تؤسس للعدل، والحكمة، وتحمل المسؤولية، وتغليب المصلحة العامة على الشعارات العابرة. وهي ظواهر تنذر بتآكل منظومة الوعي لدى بعض فئات الشباب والسياسيين، وتؤكد أن التمسك بالتعليم الواعي، وبالهوية الوطنية الجامعة، وبالقيم الدينية الأصيلة، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لحماية وحدة الوطن وصون مستقبله.
لقد أجمع المفكرون والخبراء عبر العصور على أن التعليم هو حجر الأساس في بناء الإنسان، والركيزة الأولى في صناعة المجتمعات القوية والدول المستقرة. غير أن التعليم، بمعناه العميق، لا يقتصر على تلقين المعلومات أو حشو الأذهان بالمعارف المجردة، بل يتجاوز ذلك ليكون أداة لبناء الوعي، وبوصلة للفهم، ووسيلة لإدراك العالم من حول الإنسان في أبعاده الجغرافية والتاريخية والسياسية والثقافية. ومن هنا، فإن تعليم الأطفال وتعريفهم بواقعهم، وبموقع وطنهم وحدوده، وبجيرانه وتحدياته وصراعاته، يمثل استثمارًا استراتيجيًا بالغ الأهمية؛ إذ ينشأ الطفل وهو يحمل وعيًا مبكرًا بالهوية، وإحساسًا بالمسؤولية، وقدرة على التمييز بين الموقف الوطني الرشيد والشعار الفارغ، بما يسهم في بناء جيل يحمي وطنه بوعي لا بهتاف، وبفهم لا بانفعال.
كما أن التاريخ، حين يُدرَّس بوعي وصدق، لا يكون مجرد سردٍ لأحداث ماضية، بل يصبح ذاكرة أمة، وسجل نضال، ومرآة تعكس تضحيات الشعوب من أجل الحرية والسيادة والكرامة. ومن دون هذا الوعي التاريخي، يفقد الإنسان بوصلته، ويصبح الحاضر مشوشًا، والمستقبل غامضًا، وتضيع الحدود الفاصلة بين الصديق والخصم، وبين المصلحة الوطنية والمصلحة الأجنبية.
إن التعليم وحده هو الذي يمنح الإنسان القدرات الفكرية والعقلية التي تمكّنه من التحليل، والفهم، والمقارنة، والتمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الخطاب الصادق والدعاية المضللة. وبدون هذا التعليم الواعي، يصبح الفرد عرضة للانبهار السطحي بالآخر، أو التماهي مع قوى خارجية دون إدراك لخلفياتها التاريخية أو أطماعها السياسية.
واليوم، وفي ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تظهر على السطح ظواهر مقلقة داخل بعض المجتمعات، ومنها المجتمع الصومالي، حيث نرى بعض الشباب والسياسيين وقد فقدوا الصلة بتاريخهم وهويتهم، وأصبحوا يبدون شوقًا أو تعاطفًا مع دول وقوى لا تمتلك أي رصيد أخلاقي أو تاريخي تجاه قضايانا الوطنية. بل إن الأمر يتجاوز ذلك أحيانًا ليصل إلى تأييد الاحتلال، أو تبرير سياسات عدوانية، أو حتى دعم مشاريع انفصالية تمس وحدة الوطن وسيادته.
إن هذه الظواهر الخطيرة لا يمكن فهمها بمعزل عن الجهل العميق بما يجري حولنا، ولا عن ضعف التعليم المرتبط بالوعي الوطني، ولا عن غياب المعرفة الحقيقية بالجغرافيا السياسية للمنطقة، وبالتاريخ الطويل من الصراعات والأطماع التي استهدفت البلاد. فالشاب الذي لا يعرف كيف تم تقسيم وطنه، ولا يدرك كيف استُغل ضعفه، ولا يفهم طبيعة الصراع في القرن الإفريقي، يصبح لقمة سائغة للأفكار المسمومة والخطابات الزائفة.
والجهل هنا لا يعني فقط عدم القراءة أو قلة الشهادات، بل يعني غياب الفهم، وانعدام التحليل، وانفصال الفكر عن الواقع. فكم من شاب يحمل شهادة تعليمية، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات الوعي السياسي والتاريخي، وكم من متعلم أصبح أداة لنشر أفكار تخدم مصالح غير وطنية، دون أن يدرك خطورة ما يفعل.
إن التعليم الحقيقي لا يصنع فقط موظفين أو حملة شهادات، بل يصنع مواطنين. مواطنين يعرفون قيمة الوطن، ويدركون معنى السيادة، ويفهمون أن قوة الدول لا تُبنى بالارتهان للآخر، ولا بالانبهار بالقوى الخارجية، ولا بتفكيك الوحدة الداخلية، بل تُبنى بالوعي، وبالاعتماد على الذات، وبحماية الأرض والهوية والتاريخ.
كما أن تعليم الأطفال على فهم محيطهم الإقليمي والدولي، وعلى قراءة الأحداث قراءة واعية ومتزنة، يمنحهم قدرة على التفاعل مع العالم دون فقدان الذات. فالمعرفة هنا لا تعني العداء الأعمى، ولا التبعية العمياء، بل تعني الفهم القائم على المصالح، والاحترام المتبادل، والوعي بالحدود الفاصلة بين التعاون المشروع والتنازل المرفوض.
إن بناء دولة قوية لا يبدأ من القصور ولا من المؤتمرات، بل يبدأ من المدارس، ومن المناهج، ومن المعلمين، ومن الأسرة، ومن الإعلام. يبدأ من الطفل الذي نزرع في عقله الأسئلة الصحيحة، ونمنحه أدوات الفهم، ونربطه بتاريخ وطنه وجغرافيته وهويته. فالدولة التي تهمل تعليم أبنائها، أو تفرغ التعليم من مضمونه الوطني، إنما تفرّط في مستقبلها بيدها.
فإن الاستثمار في التعليم الواعي، المرتبط بالتاريخ والجغرافيا والهوية الوطنية، ليس خيارًا ثانويًا، ولا رفاهية فكرية، بل هو ضرورة وجودية. فهو السلاح الأقوى في مواجهة الجهل، والتضليل، والانقسام، والانفصال الفكري. وهو الطريق الأضمن لبناء دولة قوية، موحدة، قادرة على حماية مصالحها، وصون سيادتها، والحفاظ على كرامتها بين الأمم.
التوصيات
1- الشريعة الإسلامية أولًا:-
على كل صومالي أن يجعل تعاليم الشريعة الإسلامية أساسًا لسلوكه وفكره، فهي توجه الإنسان نحو الحق، وتعزز القيم الوطنية، وتغرس المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.
2- إعادة الاعتبار لمناهج التاريخ والجغرافيا
ضرورة مراجعة وتطوير مناهج التعليم بحيث تُقدَّم مادة التاريخ والجغرافيا بصورة علمية، وطنية، وواقعية، تربط الماضي بالحاضر، وتُنمّي وعي الطالب بهويته ووطنه ومحيطه الإقليمي.
3- تعزيز التربية الوطنية منذ المراحل المبكرة
إدماج مفاهيم الانتماء الوطني، والسيادة، ووحدة الدولة في التعليم الأساسي، بأسلوب مبسّط يناسب عقل الطفل، ويُرسّخ القيم الوطنية دون خطاب إقصائي أو متطرف.
4- تأهيل المعلمين وبناء قدراتهم الفكرية
الاستثمار في تدريب المعلمين ليكونوا قادرين على نقل المعرفة بروح نقدية واعية، وليس مجرد تلقين جامد، لأن المعلم هو حجر الزاوية في صناعة الوعي.
5- دور الأسرة في بناء الوعي
دعوة الأسر إلى تحمّل دورها المحوري في بناء وعي الأبناء، بتعليمهم قيم الشريعة، وترسيخ الانتماء الوطني، وحمايتهم من التأثيرات الخارجية والمحتوى غير المنضبط الذي تشكّل به وسائل التواصل وعيهم بعيدًا عن الثوابت والمسؤولية.

6- تفعيل دور الإعلام الوطني
على وسائل الإعلام أن تلعب دورًا توعويًا في شرح القضايا التاريخية والجغرافية والسياسية بلغة مبسطة للشباب، وأن تواجه الخطابات المضللة التي تزرع الارتباك والانقسام.
7- مواجهة الأفكار الهدامة بالحجة والمعرفة
التعامل مع ظواهر الانبهار بالقوى الخارجية أو الدعوة للانفصال لا يكون بالقمع، بل بالفكر، والشرح، وتقديم المعرفة الصحيحة التي تكشف الحقائق وتحصّن العقول.
8- ربط التعليم بقضايا الواقع المعاصر
ضرورة ربط ما يُدرَّس في المدارس والجامعات بما يجري فعليًا في الإقليم والعالم، حتى يدرك الطالب أن ما يتعلمه ليس نظريًا، بل مرتبط مباشرة بمصير وطنه.
9- اعتبار التعليم قضية سيادية
التعامل مع التعليم، وخاصة المتعلق بالهوية والتاريخ والجغرافيا، باعتباره قضية أمن قومي وركيزة أساسية لحماية وحدة الدولة واستقرارها على المدى البعيد.

صلاد علمي فيذو

كاتب وباحث صومالي
زر الذهاب إلى الأعلى