لقد أحزن كثيرًا من المسلمين، ومن الشعب الصومالي على وجه الخصوص، سماع الشتائم والسباب واللمزات التي صدرت عن بعض المسؤولين في الولايات المتحدة تجاه شعبنا الصومالي الأصيل، ذلك الشرع الذي يعكس تاريخ أمة عريقة، وأطهَرها دينًا، وأسمى أخلاقًا، مقارنةً بالذين صدرت عنهم هذه التصرفات، والذين أقاموا ثقافتهم على الاستهانة بالآخرين والازدراء، بعيدًا عن أي ضابط ديني أو أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي.
وكذلك لم يسلم منهم بيت مريم وولدها عيسى عليه السلام، فقد اتهموها ظلماً وبهتانا بما عارض طهارتها وعفتها، كما أخبر الله عن قولهم وسوء ظنهم بها: «يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكَ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا» (سورة مريم: 28)، أي قصدوا باطلاً أنها لم تكن على طريق العفة والصلاح، لكن طهارتها وعفتها حالت دون أن تصل قلوبهم وألسنتهم إلى الحق.
كما تجلّت هذه التجاوزات في افتراء بعضهم على الملائكة، حيث قال الله تعالى عن أخبارهم: «وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشْهَدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ» (سورة ص: 26)، وادّعوا أيضًا: «وَلَدَ اللَّهُ» (سورة مريم: 88)، وسخروا من المؤمنين كما قال تعالى: «وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَاكِهِينَ» (سورة المطففين: 27).
ولم يكن هذا الموقف من الجاليات الصومالية في المهجر صدفةً، فقد ظلّوا على الصراط المستقيم محافظين على هويتهم الثقافية والدينية، رغم كل الضغوط التي تمارسها تيارات الاندماج الغربية المنحطة أخلاقيًا ودينيًا، والتي تسعى لذوبانهم في المجتمعات الغربية المتهاوية في القيم.
ومع ذلك، لم تنحني الجاليات الصومالية أمام هذه المحاولات، ولم تتلاشى ثقافتهم، بل ظلّوا متمسكين بالقيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية الأصيلة، التي تمثل صمام أمان حضاري وهوياتي لهم، مما أكسبهم الصمود أمام التجاوزات وتمسكًا متينًا بموروثهم التاريخي العريق.
وكثير من الشاتمين للمجتمع الصومالي يجهلون أسباب تمسّك القومية الصومالية بهويتها وثقافتها الإسلامية، فيما غلب على كثير من المجتمعات الأفريقية والإسلامية الانصهار في الضغوط الخارجية أو الانحراف عن جذورها، رغم كل الجهود المبذولة للحيلولة دون ذلك. فهم لا يدركون أن الجاليات الصومالية تحمل تاريخًا عريقًا وثقافة متجذّرة، في زمنٍ لم تكن فيه أمريكا – لا كقارة ولا كدولة – قد اكتسبت حضورًا يُذكر على الصعيدين الأفريقي العالمي. وما تزال هذه الحقيقة تُجسّد عظمة الأمة الصومالية وعمق تجربتها التاريخية.
كانت القومية الصومالية منذ فجر الإسلام مرفوعة الرأس، محافظةً على ثقافتها وحضارتها وهويتها كقومية مستقلة، رغم جوار مملكة الحبشة النصرانية ومملكة الجالا الوثنية، ما وضعها في صراع مستمر قرابة عشرة قرون ابتداءً من الحبشة. وقد تمكنت خلال تلك الفترة من فتح بلاد متعددة ، وفي الوقت نفسه أقامت علاقات تجارية وحسن جوار مع قبائل شتى في ساحل شرق إفريقيا، ناشرةً رسالة الإسلام الحنيف في المنطقة.
وفي قرون لاحقة، حاول البرتغاليون المسيحيون التدخل لإرغام الصومال على اعتناق المسيحية، بالتنسيق مع الحبشة، غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل، حتى قُتل ابن فاسكو دي غاما في معركة فاصلة على يد قيائد الإمام أحمد الغازي، المشهور ب (“أحمد غراي”).
ثم جاء دورُ القوى الاستعمارية الغربية؛ من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، لاختبار صلابة عقيدة الصوماليين وسموّ كرامتهم. فواجهت الصومال، في مرحلة مبكرة، غزواتٍ بحرية شنتها البوارج البرتغالية، في زمنٍ لم تكن فيه أمريكا كيانًا ذا شأن يُذكر على الساحة الدولية. ثم أعقب ذلك القصف الجوي بالطائرات البريطانية، حيث قُتل قائد الجيوش الاستعمارية البريطانية «كورفل» في معركة فاصلة قادها البطل المجاهد محمد عبد الله حسن، رحمه الله.
وزد على ذلك ما شهدته مقديشو في أواخر القرن الماضي، حين تلقّت القوات الأمريكية هزيمةً قاسية على يد القائد الراحل محمد فارح عيديد، أُجبرت بعدها على الانسحاب وهي تجرّ أذيال الخيبة والعار، في واقعةٍ باتت معروفة لا تحتاج إلى كثير بيان.
وكلّ ذلك يؤكّد أن القومية الصومالية أمةٌ صامدة، عصيّة على الانكسار، متشبثة بعقيدتها وهويتها عبر تعاقب العصور، محافظة على عزتها وكرامتها في وجه القوى الخارجية، لا تزعزعها التيارات الجارفة، ولا توهنها تقلبات الدهر، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة».
فالمعدن الأصيل يظل أصيلًا في الشدّة والرخاء، أمّا المعدن الرديء فينكشف عند أول اختبار. والمواقف العصيبة هي التي تصنع الأمم حقًا، أو تفضح حقيقتها، وتُظهر معادنها الصلبة من الزائفة.
وبسبب تلك الصراعات المستمرة لما يقارب عشرة قرون، أصبح الصوماليون مجتمعًا متماسكًا إلى حد بعيد، متغلغلاً في هويته الدينية وقيمه وعاداته السامية، وهو ما يثير غضب بعض العنصريين في أمريكا ودول الغرب، ويجعل الجاليات الصومالية في المهجر هدفًا لمحاولات التأثير والضغط عليهم.
فقد حاول هؤلاء أن يلينوا الصوماليين ويجعلوهم يوافقون على بعض ما هم عليه من الكفر والانحلال، بالقول أو الفعل أو السكوت عن الحق، كما جاء في القرآن الكريم: «فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُونَ فَيُدْهِنُونَ» (النون: 8/9)، يقول تعالى: يقول تعالى كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم “فلا تطع المكذبين ” لأنهم يحبون أن تلينوا فتوافقوا على ما هم عليه من الضلال، ولكن الله تعالى بين حقيقة هؤلاء وحذّر من الانسياق وراءهم فقال: «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ، أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ» (القلم: 10-15)
وهذه الآيات بيان لصفات أولئك الأشخاص الذين يسعون لإفساد المجتمعات وتقويض قيمها، وهي تذكير للمؤمنين بعدم الخضوع للضغوط أو التنازل عن المبادئ الدينية والأخلاقية، بل الثبات على الحق والصواب في القول والعمل، والحذر من أصحاب النفاق والمداهنة والافتراء.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي





