ردّ النصوص الشرعية من علامات الزندقة والنفاق، وهي سِمَة من سمات الخوارج، وإضافة إلى ذلك الطعنُ في الأحاديث النبوية لمجرّد أمورٍ سياسيةٍ ومصلحيةٍ هو من الهوى والقول على الله بلا علم. فمن أبرز سمات العقلانيين وأفراخهم ردّهم للنصوص الشرعية بلا ضابطٍ ولا منهجٍ علمي، كما أسلفنا ذكرَه في الحلقات الماضية.
وسنأخذ اليوم حديثًا يتعلّق بمسألةٍ مهمّة، وهي تولية المرأة في الولاية العامة، فلنا في هذه القضية وقفات، وسنعرض أوّلًا شبهاتهم ثم نُفنّدها ونردّ عليها بإذن الله:
فالحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بكرة: «لقد نفعني الله بكلمةٍ سمعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ أيّام الجمل، بعدما كدت أن ألحقَ بأصحابِ الجمل فأقاتلَ معهم، قال: لما بلغ رسولَ اللهِ ﷺ أنَّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يُفلحَ قومٌ ولّوا أمرَهم امرأةً».
والنسائي في سننه: عن رسولِ اللهِ ﷺ لما هلك كسرى قال: «من استخلفوا؟» قالوا: بنتُه، قال: «لن يفلح قومٌ ولّوا أمرَهم امرأةً».
والترمذي في سننه: «لما هلك كسرى قال صلى الله عليه وسلم: من استخلفوا؟ قالوا: ابنتَه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لن يُفلحَ قومٌ ولّوا أمرَهم امرأةً».
فدندن أهل الأهواء والزندقة حول هذا الحديث عدّة شبهات، وبعضها لا يستحقّ أن نلتفتَ إليه، ولكني عجبتُ كلَّ العجب أن صدر منها بعض المنسوبين إلى العلم والفقه واللغة، فردّوا هذا الحديث العظيم المحكم بشبهاتٍ واهية. وأكثر شبههم — وهي أوهنها — قولهم: إن الحديث يتكلم في واقعةٍ معيّنة خاصةٍ ببنت كسرى التي تولّت الحكم، فالحديث في سياقٍ تاريخيٍّ معيّن ويجب أن يُفهم في هذا السياق.
والردّ عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن يُقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فقوله صلى الله عليه وسلم «امرأة» نكرة في سياق النفي تفيد العموم، وقوله «قوم» أيضًا نكرة في سياق النفي، فيشمل كل قوم، ويكون معنى الحديث عدم الفلاح لأيّ قومٍ ولّوا أمرهم امرأةً في كل زمانٍ ومكان. فالقول بأن الحديث في واقعةٍ معيّنة من أوهن الشُّبَه، ويكفي فقط أن نقرأ الحديث دون الشروع في شرحه أو التطرّق إلى تأويلاتٍ غير معنيّة.
الوجه الثاني: راوي الحديث أبو بكرة رضي الله عنه فهم من سياق الحديث أنه عامّ وليس خاصًّا ببنت كسرى، إذ كان مع الذين خرجوا مع عائشة رضي الله عنها في واقعة الجمل، فقال: نفعني الله بهذه الكلمة التي سمعتها من رسول الله ﷺ. فانظر إلى فقه هذا الصحابي الجليل كيف أنه طبّق ما سمعه من رسول الله على أرض الواقع. فإذن يُقال لهؤلاء: فهم الصحابيّ الراوي للحديث على أنه عامّ، فمن أين أتيتم بأنه خاصٌّ أو تاريخيّ؟
الوجه الثالث: إجماع الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين على عدم تولية المرأة أيَّ إمرةٍ في الولايات العامة والخاصة، استنادًا لهذا الحديث العظيم. فهؤلاء فهموه على أنه عامّ، وأنتم أتيتم في القرن الحادي والعشرين وقلتم: لا، هذا ليس صحيحًا، الحديث في واقعةٍ معينة، ولم تكتفوا بهذا، بل خطّأتم وسفّهتم كل من لم يفهمه بهذا الأفق الضيّق الذي يخالف الله ورسوله وسبيل المؤمنين.
الوجه الرابع: أن الله ما ذكر في كتابه أنه أرسل امرأةً إلى قوم، ولم يذكر لنا رسول الله ﷺ حديثًا واحدًا بإرسال امرأةٍ إلى قومٍ أو أهلٍ، وهذا يدلّ على أن المرأة ليس من خصائصها تحمّل المسؤوليات العظام، وأن هذا من شأن الرجال.
الوجه الخامس: حتى لو فرضنا جدلًا أن الحديث في واقعةٍ خاصة، فالعلة التي بسببها قرن الرسول ﷺ عدم الفلاح موجودة في سائر النساء؛ والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، إذ إن المرأة بطبعها لا تصلح أن تخالط الرجال وتخاصمهم، لأن الغالب عليهنّ العاطفة. بل أبلغ من ذلك قوله عز وجل: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ {الزخرف: 18}.
الوجه السادس: أن يُقال: إذا كان الشرع قد منع إمامة المرأة في الصلاة، فمن باب أولى عدم جوازها في الإمامة العامة.
الوجه السابع: أن يُقال: الأصل بقاء العام على عمومه ما لم يَرِدْ ما يخصصه، فالحديث عامٌّ بألفاظه وأحكامه، ولا يوجد دليل من كتابٍ أو سنةٍ يخصصه، فلا مناص إلا أن تقبلوا الحديث أو تردّوه كأهل الأهواء.
الشبهة الثانية: أن الله ذكر في القرآن ملكة سبأ (بلقيس) ومدحها وذكر أن لها صفاتٍ قياديةٍ نادرة، مثل تشاورها مع حاشيتها في شأن سليمان عليه السلام وكيف يواجهونه، فهذا يدلّ على جواز إمامة المرأة في الولاية العامة.
والجواب من وجوه أيضًا:
الوجه الأول: ذكر اللهُ شيئًا على وجه المدح أو الذم مبني على الحكم شرعي، فالشرع تكلم عن حرمة تولي المرأة الولاية العامة، والآيات التي تتكلم عن بلقيس ليس فيها ما يجيز تولي المرأة، فلذلك تبطل هذه الشبهة.
الوجه الثاني: أن يُقال: قد ذكر الله في القرآن امرأة العزيز وقصتها مع يوسف عليه السلام، فلم يمدحها القرآن الكريم. فحينئذٍ لا يكون المدح أو الذم لشخصٍ دالًّا على جواز فعله أو حرمته إلا بدليلٍ شرعي من كتابٍ أو سنةٍ. وكيف والشرع على خلاف ما تقررون وتنافحون من أجله؟
الوجه الثالث: أن بلقيس وقومها كانوا كافرين يعبدون الشمس بنص القرآن، وذكر بعد ذلك أنها أسلمت، فكيف يستساغ أن يُقاس على قومٍ كافرين وملكةٍ كافرةٍ حال كفرهم؟
الوجه الرابع: القرآن والسنة لم يذكرا بعد إسلامها أنها بقيت ملكةً على سبأ، بل دخلت تحت ولاية سليمان عليه السلام، وهو كان ملك الأرض حينها، فلا يبقى حكمها مستقلًّا.
الوجه الخامس: هَبْ أن سليمان عليه السلام ترك لها ولاية سبأ — ولا يوجد دليل على ذلك — وهَبْ أن تولي المرأة الولاية جائزٌ في شرع سليمان، فشرعنا مهيمن على جميع الشرائع وناسخ لها.
الوجه السادس: أن “شرع من قبلنا شرعٌ لنا” ما لم يخالف شرعنا، وهذا على افتراض أن بعض الشرائع السابقة تُجيز تولي المرأة، فإن خالف شرعنا فليس شرعًا لنا بإجماع الأمة.
الشبهة الثالثة: قالوا إن راوي الحديث أبا بكرة أُقيم عليه حدّ القذف، فلذلك لا نقبل هذه الرواية. ونجيب عنها من وجوه:
الوجه الأول: قد نقل الإجماعَ على قبول رواية أبي بكرة رضي الله عنه غيرُ واحدٍ من العلماء كابن كثير وابن القيم رحمهما الله، ولا مخالف لهذا الإجماع إلا العقلانيون أفراخ الزندقة والنفاق.
الوجه الثاني: أن الصحابة زكّاهم الله في كتابه ورضي عنهم، فمن مات على صحبته لا يحتاج إلى تزكيةٍ ولا إلى قبول روايةٍ من عقلانيٍّ متأثّرٍ بزبالات الغرب.
الوجه الثالث: أن أبا بكرة رضي الله عنه أُقيم عليه الحدّ بسبب نقصان عدد الشهود، وهذا ليس مسوّغًا لطرح روايته؛ إذ إن الفسق إنما يكون لمن يحدّ في قذف أعراض المؤمنين بهتانًا، وبهذا لا يقدح ذلك في هذا الصحابي الجليل، ولا يدلّ على أنه كذب.
الوجه الرابع: ذكر علماء الحديث أن المحدود بشبهةٍ أو لنقص الشهود لا تُردّ روايته، لأن ذلك ليس من فعله، وإنما تُردّ إذا قذف بهتانًا عرضَ مسلمٍ أو مسلمةٍ ولم يتب. فإن تاب، قُبلت روايته. وليس كالعقلانيين الذين خالفوا المنهج العلميّ الرصين الذي وضعه علماء الحديث، حيث ردّوا رواية الصحابي بلا تفصيل.
الوجه الخامس: أن أبا بكرة رضي الله عنه كان من أفضل الصحابة الذين سكنوا البصرة، كما ذكره الحسن البصري، فلا التفات لمن يطعن في الصحابة ليُرضي أسياده في الغرب.
الشبهة الرابعة: الواقع يدلّ على نجاح بعض النساء اللواتي تقلّدن مناصب عالية فنجحن ونهضن بالبلد الذي سُدنَه. ونردّ على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن يُقال: احتمال وجود الشيء لا يُترك به الثابت، فعدم فلاح الدول إذا قادتها نساء ثابتٌ بنصّ الوحي، فنقدّم الوحي الثابت على الأوهام العقلانية.
الوجه الثاني: الفلاح يشمل الدنيويّ والأخرويّ، فنجاح بعض النساء في بعض شؤون الدولة لا يعني إثبات الفلاح ولا الطعن في الحديث الثابت.
الوجه الثالث: أن البلاد التي تحكمها هؤلاء النسوة بلادٌ ديمقراطية، بمعنى أن الشعب يختار مجلس الشعب، والبرلمان يختار الرئيس، والرئيس له صلاحيات محدودة، وليس منفّذًا لجميع الأمور، فتبطل شبهتكم لأن الحزب هو الذي يحكم في الواقع الديمقراطي وليس الرئيس وحده.
الوجه الرابع: أن الغرب الذي تقلّدونه لم يقتنع بعدُ بتولية المرأة الولاية العامة، وما حدث في الانتخابات الأمريكية الأخيرة خير شاهد، حيث صوّت الشعب الأمريكي لدونالد ترامب بدلًا من كمالا هاريس التي هي أكثر خبرةً وأطول عمرًا منه في السياسة، والغرب لا يُقلّد المناصب الحساسة للنساء.
الشبهة الخامسة: أن عمر رضي الله عنه ولّى الشفاء بنت عبد الله السوق. ونردّ على هذه الشبهة:
الوجه الأول: أن هذا الإسناد إلى عمر لا يصحّ من جميع وجوهه، فهي لم تثبت عنه، وأصل القصة في كتاب الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، وفي سنده ابن لهيعة.
الوجه الثاني: قد ذكر بعض الأئمة مثل ابن حزم بصيغة التمريض كقوله: “رُوي عن عمر”، وبعضهم ذكروه بلا إسناد.
الوجه الثالث: تنزّلًا على أنها صحت — وهي معلولة بعلل كثيرة — فهي ليست ولاية عامة، وإنما إدارة صغيرة لبعض مديريات المدينة، وعمر رضي الله عنه من أشدّ الناس تنفيذًا لأوامر الرسول ﷺ واتباعًا له، فلا يمكن أن يُعارض ما اشتهر عنه وما رُوي عنه.





