أخبارأخبار متنوعةتقارير ودراساتمقالات

دور مؤسّسات المجتمع المدني في تطوير قطاع التّعليم في الصومال

يُعتبر التّعليم من أهم مقومات حياة الأمم وركائز تطوّرها، بحيث أنّ تطوّر الأمم وتخلّفها يرتبط ارتباطا وثيقا بالمستوى التّعليمي الّذي تعيشه تلك الأمم. ولذلك ازداد في الآونة الأخيرة الاهتمام بالعملية التّعليمية سواء على المستوى الشعبي أوالرّسمي للأمم المتحضّرة والمزدهرة بل والتي تريد أن تسير مع الرّكب الحضاري المتسارع.

وبناءً على ذلك اهتم الصومال شعبا وقيادة في مختلف مراحل تاريخه الحديث بالتّعليم،  إذ أنّ التعليم الحلقي كان هو السائد في الصومال قبيل فترة الاحتلال وكانت المساجد بمثابة المدارس والمعاهد والجامعات العلمية حيث يأتي إليها أفواج من طلاب العلم بكرة وأصيلا لتنهل من معين العلوم الشرعية والعربية. بالإضافة إلى ذلك كانت – ولا تزال الكتاتيب أو الدّكسي- المكان الأوّل الّذي يتلقّى فيه الطفل الصومالي مبادئ القراءة والكتابة ويحفظ القرآن.

وعند ماجاء الاحتلال إلى بلاد الصومال لم يهتمّ بالتّعليم قبل الحرب العالمية الثانية لعدّة ظروف أهمّها طبيعة المجتمع الصومالي الرّعوي الّذي كان من الصعب أن يستقرّ في مكان حيث أنّه كان يسعى وراء الماء والكلأ، والاعتقاد السائد آنذاك بأن الاحتلال جاء لنشر النصرانية في البلاد، ومما يؤكّد ذلك  قيامه بإنشاء مدارس تنصيرية لنشر مذاهب النصرانية المختلفة، لكن الشعب قابلها – أيضا – بالرفض والمقاومة، مما أرغم الاحتلال على أن يؤسس نمطا آخر من المدارس التي حلّت محلّ نظام التعليم التنصيري عرفت فيما بعد بالمدارس النظامية.

وعلى كلّ أصبح التّعليم الصومالي في عهد الاحتلال يأخذ الطابع النّظامي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنه تم وضع مناهج صومالية -وإن كانت صورية وبعيدة عن البيئة الصومالية في هذه الفترة- كما جاء في دراسة بعنوان التّطور التاريخي للمناهج التّعليمية في الصومال نشرها الدّكتور سعيد أبوبكر شيخ أحمد عبدالله على مجلّة جامعة مقديشو في عددها الثاني الصادر في 2016م

وذكر أحمد محمد في مقال له نشر على موقع وكالة الأنباء الصومالية في العاشر/ أكتوبر/ 2018م، أن أوّل مدرسة نظامية أقامها الاحتلال في الصومال كانت في بربرة مستندا في ذلك إلى ما كتبه محمد علمي توحو في كتابه (التّربية في عهد الثّورة ) الذي ذكر فيه: “… أن الاستعمار أسس عام 1900م في شمال الصومال أول مدرسة عربية في مدينة بربرة تُدرس فيها العلوم العربية، والقرآن، والحساب، والتّاريخ، وكان من خريجي هذه المدرسة محمود أحمد الملقب بـأبي التّعليم الصومالي”.

ولما نال الصومال استقلاله عام 1960م، واجهت الحكومة المدنية التي تولّت زمام الوطن مشاكل تربوية وتعليمية، إذ أنّها ورثت مناهج مختلفة ومتعدّدة، فكان لزاما على الحكومة أن توحّد مناهج الدراسة بما يتوافق مع وحدة المجتمع وخصوصيته وفلسفته وأهدافه، ويلبي تطلعاته وحل مشكلاته.

وكان هناك معهد فوق الثانوية ودون الجامعة يُدرس فيه الاقتصاد والقانون لمدّة سنتين هو أعلى مرحلة تعليمية تتوفر في البلاد في تلك الفترة ولم يكن هناك تعليم جامعي.

وفي عهد حكم الدّولة العسكرية تولت هي تسيير دفة التعليم بالبلاد وتمكنت من إنجاز الكثير، كافتتاح عدد كبير من المدارس الابتدائية وبعض الثانويات في مختلف أنحاء البلاد بهدف الحدّ من الأمّيّة بحيث يحصل أكبر عدد ممكن من شرائح المجتمع الصومالي على التّعليم الأساسي على الأقل. وتمت كتابة اللغة الصومالية وما رافقها من حملات محو الأمية التي تم في إطارها نشر عدد كبير ممن يقدرون على الكتابة باللغة الصومالية في القرى والأرياف والمدن والبوادي لنشر وتعليم كتابة اللغة الصومالي للقرويين والبدو الذين يشكلون غالبية المجتمع الصومالي.

وظهر إلى الوجود في هذا العهد عدّة معاهد عليا متخصصة ساهمت في تطوير العملية التعليمية. كما تمّ توحيد المنهج الصومالي وكتابته باللغة الصومالية، إضافة إلى تأسيس الجامعة الوطنية الصومالية بكلّياتها المختلفة والمتنوعة في هذه الفترة وتحديدا  في عام 1970م.

وفي عام 1991م، انهار النظام العسكري الصومالي، وانهارت معه كلّ مؤسسات الوطن وهيئاته، وأصبح الشعب الصومالي في دوامة العنف والحروب الأهلية، فسالت دماء أبرياء كثر، وانتهكت حرمات الشعب والوطن، وعادت الحياة إلى ما تحت الصفر.

في خضم هذه الأحداث المائجة، والأجواء الشاحنة هبّت نخبة من الشعب الصومالي أخذت على عاتقها مهمة تربية الأجيال الناشئة وتعليمها، إيمانا منها أن عملية التعليم هي الطّريقة الفعّالة الوحيدة للخروج من المأزق، فتكوّنت المؤسّسات التعليمية المدنية لتحلّ محلّ المؤسسات التعليمية الحكومية، ولتسيّر ما يمكن تسييره من العملية التّعليمية.

وبالنتيجة فإن مؤسّسات المجتمع المدني ساهمت في تطوير العملية التعليمة في الصومال مساهمة جبّارة، حيث تمكّنت تلك المؤسّسات وفي ظروف صعبة أن تؤسس المدارس والمعاهد والجامعات التي استفاد منها الآلاف من الطلاب في ظلّ الحروب الأهلية وغياب الحكومة المركزية.

وتتحدّد منجزات مؤسسات المجتمع المدني في تطوير التّعليم الصّومالي في المحاور الرّئيسية الآتية:

  1. إنشاء المدارس التّعليمية الخاصة: حين انهارت الحكومة المركزية وانهارت معها كلّ مقوّمات الحياة، وافترقت الأمة إلى قبائل وفصائل متناحرة، ونهبت المؤسسات الحكومية أو تهدّمت بسبب الحروب، بما فيها المؤسسات التعليمية، قام بعض الغيورين من أبناء هذا الشعب للبحث عن سبيل الخروج من هذا المأزق، فقاموا بتأسيس المدارس التعليمية بجهود فردية أو جماعيّة والتي لقيت استجابة واستحسانا من قبل المجتمع والمنظمات وهيئات الإغاثة المحلّية والدّولية، مما ساهم في إعادة تشغيل بعض المدارس لكن بغياب الدّور الحكومي، وتولّت مؤسسات المجتمع المدني عمليّة تسيير العمل التّعليمي الّذي اتخذ طابع الخصوصية حيث إن مؤسسة ما تدير بعض المدارس التي لها نظامها التّعليمي الخاص والّذي يختلف عن نظام مؤسسة أخرى.
  2. إخراج جيل من المثقفين: تمكّنت هذه المؤسسات – بفضل الله ثم بفضل جهودها المتتالية- من إخراج جيل من المثقفين الّذين تربوّا في ظلّ الحروب الأهلية ولم يكتب لهم أن يعيشوا تحت نظام حكومي.

وتعدّ مؤسسة إمام الشافعي التعليمية من أبرز وأشهر تلك المؤسسات حيث أن هذه المؤسسة كانت من أوائل مؤسسات المجتمع المدني التي أخذت على عاتقها مهمة تطوير العملية التّعليمية وذلك عن طريق تأسيسها وإدرتها لعدد من المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية “التي يبلغ عددها إلى ثمانية مدارس تضم حوالي ستة آلاف طالب وطالبة، وتخرّج فيها ما يزيد عن أربعة آلاف طالب وطالبة، مما جعلها مؤسسة تعاقب عليها جيلين من أجيال فترة الحروب الأهلية، حيث أن ديقة محمد تخرجت من المدرسة عام 2003م، بينما تخرج ابنها البكر من المدرسة عام 2017م” كما جاء في تقرير بعنوان بدائل أهلية تغطّي عجز التعليم الحكومي بالصومال لجامع نور مراسل الجزيرة في مقديشو بثّ على شاشة الجزيرة عبر برنامج الجزيرة هذا الصباح في السادس عشر/سبتمبر/2017م . وهذا دليل متانة هذه المؤسسة التي لم تقف عند مرحلة التّعليم المدرسي فقط، بل أضافت أيضا تأسيس جامعة تسمّى جامعة الأبرار للمساهمة في تطوير التّعليم العالي في الصومال.

ورغم الجهود التي تبذلها المؤسسات المدنية لتطوير العملية التّعليمية إلاّ أنّ هناك بعض الثغرات التي يجب على الجميع الاتّحاد في سبيل سدّها، وقد أدركت بعض المؤسسات أهمية العمل المنسق فيما بينها لتطوير التّعليم، فأسست الروابط التّعليمية التي تنظم السياسة التعليمية وتتولى مهام الإداة التربوية العليا من النظر في المنهج وإجرء المراجعات والتحديثات عليه، وتحسين جودة التعليم ووضع معاييرها، والحصول على الاعتراف العالمي بشهاداتها، وتقديم منح التعليم الجامعي الخارجي والداخلي للطلاب الأوائل وطلاب الأسر الفقيرة العاجزة عن تحمل تكاليف الدراسة. ومن أشهرهذه الروابط رابطة التّعليم النظامي الأهليّ في الصومال والمعروفة اختصارا باسم FPENSالمأخوذ من الأحرف الأولى للتسمية اللاتينة

(Formal Private Education Network in Somalia) والتي نجحت في تقديم خدمات جليلة أهمها:

  • محاولة إيجاد منهج تعليمي شبه موحدّ في مدارسها. خاصة في المرحلة الثانوية.
  • إعداد شهادات الثانوية المعتمدة والمعترف بها دوليا ومحلّيا.
  • تقديم منح التعليم الجامعي الخارجي والدّاخلي للأوائل من المتخرّجين والمتخرجات من المرحلة الثانوية.

ومع ذلك فإنّ المطلوب من المؤسسات التعليمية القيام بما يأتي:

  1. وجود منهج تعليمي متكامل يعبّرعن فلسفة المجتمع ويلبّي حاجاته ورغباته.
  2. الاهتمام بالمعلّم نفسيّا ومهاريا وثقافيا، وذلك بتعهده بالبرامج التطويرية المستمرّة كالدورات والندوات التربوية بين الفينة والأخرى.
  3. إنشاء مراكز ومعاهد تدريب تربوي للمعلّمين.

عمر محمد معلم حسن

الكاتب عمر محمد معلم حسن باحث أكاديمي وكاتب صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات