اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار متنوعة / إدارةالأزمات

إدارةالأزمات

لحكمة ما أراد المولى جل وعلا أن لا تخلو هذه الحياة عن المشاكل والأزمات، بل الأزمات نُسجت في أرومتها، وعُجنت بخِلقتها، والأكدار تلازمها كلزوم الظل صاحبه، وكلزوم السواد للغراب، ولقد صدق الله عندما قال: { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال و الأنفس والثمرات..}() وقال تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا..}(). وقال المولى:{ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}() وقال جل وعلا: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله..}(). قال الشاعر : ()
طُبعتْ على كدر وأنت تريدها ** صفواً من الأقذار والأكدار
ومُكلّفُ الأيام ضد طباعها ** مُتطلبٌ في الماء جذوة نار
ليس الزمان وإن حرصت مسالما ** خُلُقُ الزمان عداوة الأحرار
ولكن أزمات الدنيا ليست سلبية، ولا نقطة سوداء فيها، بل لها فوائد جمة، ومصالح عدّة، أوجزها في النقاط التالية:
أولا : من فوائد الأزمات أنها من أقرب الطرق إلى الوصول برضا الرحمن إن أردرناها وفق منهج المولى، فتتحول المشكلة إلى مصلحة، والمِحْنة إلى مِنْحة، والضر إلى نفع، يستحق به صاحبه أن يُهنَّأ له لا أن يُعزى إليه { وبشر الصابرين}() وقال تعالى { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}() ولا صبر إلا بأزمة! . وقد صح عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ” () فالأزمات تذهب مع الزمن ويبقى ثوابها أبد الآبدين!
ثانيا: الأزمات تجدد دماء الحياة ، وتدفع عجلة التفكير، وتكون سببا للاختراع، وتحريك الدماغ، فالحاجة أم الاختراع، والحديد إذا لم يستعمل علا عليه الران والصدأ، والماء إذا ركد عفن وفسد، والعقل إذا لم تهزه الأزمات برد، لذلك تجد الأمم التي تعيش في المناطق الإستوائية والرخاء متؤخرة عن الشعوب التي عصفت عليها الأزمات.
ثالثا: الأمات من أنجع الوسائل لتربية الأشخاص، وتمرين الجماعات، وتدريب الأمم ؛ لتحمل أعباء الحياة بكل جدارة، ولولا الأزمات المتلاحقة لما وصل نبي الله يوسف عليه السلام إلى ما وصل إليه، فعلى مدارجها تتدرج ، وعلى مدرستها تخرج ، بدأً من “غيابة الجب” ومرورا بمكر النساء وبالسجن، ووصولا إلى “عزيز مصر”. ولولا الأزمات لما تأهل موسى أن يكون كليم الرحمن، وأن يأتي على قدر في ليلة المناجاة.
رابعا: فالمشاكل توقفنا على أخطائنا، وتقودنا إلى جص نبضها، وتتبع أسبابها، ومعرفة ثغور تسللها إلينا، وتسوقنا المحن إلى محاسبة أنفسنا، وتلافي لدوغنا من حجرها مرة أخرى، ونتعلم منها أنه ما أُصبنا إلا من جهة أنفسنا {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..}()، فكم إنسانٍ كان في ضياع ثم تلقى ضربة تأديب من المحن فرجع إلى صوابه! وحمد عاقبة أزمته، واكتشف في آخر المطاف أنها كانت لصاحه { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم }() وقال تعالى { عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}()
خامسا: العقلاء من البشر يوظفون مشاكلهم لصالحهم، ويديرون الأزمات لتدر لهم فوائد عظيمة، أذكر أنه في عام 1993م تدفق في دولة” باكستان” عدد هائل من اللاجئين لبلد مجاور لهم؛ لأزمة حصلت له، فأظهرت حكومة “باكستان” قلقا كبيرا تجاه إيواء هؤلاء النازحين، حتى قام السياسي المحنك ” عبد الولي خان” فقال: دعوا النازحين فإنهم عصافير من الذهب! وفعلا فإن “باكستان” ربحت وراء المهاجرين ربحا لم تحلم به يوما من الأيام، من طفرة إقتصادية، وتدفق العملة الصعبة في بلادها، وحصول فرص العمل لعمالها، تماما كما ربحت دول الجيران لأزمة الصومال! إذن يمكن أن توظف الأزمة لصالحك!

المصادر والمراجع

– البقرة، الآية 155 

– الكهف، الآية 7 

– العنكبوت، الآية 1 

– البقرة، الآية214 

– هو أبو الحسن علي محمد التهامي، قتل في عام 416هـ. 

– البقرة، الآية 155 

– الزمر، الآية 10 

– أخرجه مسلم في صحيحه 

– الشورى، الآية 30 

– النور الآية 11

 – البقرة، الآية 216

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن الشيخ يوسف أحمد

الشيخ يوسف أحمد
الشيح يوسف أحمد ... طالب في دراسة الدكتوارة. تخرجت كلية الدراسات الاسلامية بمقدشو عام 1989. إمام وخطيب بمسجد في السويد.

2 تعليقات

  1. عبد الناصر محمد معلم حسن

    أعتقد أنّ الحياة بكاملها وبما تنطوي عليه من أزمات أو انفراجات مدرسة مفتوحة، يتعلم الإنسان فيها من حالاتها المتقلبة، لكن أتساءل ما إذا كان هناك فروق مجتمعية بين البشر والمجتمعات في قابليتهم للتعلم من هذه المدرسة المفتوحة على غرار الفروق الفردية بين طلاب المدارس، أتساءل ذلك وأنا أستحضر المجتمع الصومالي الذي عاش سبعا وعشرين سنة من الحرب الأهلية والتمايز القبلي والنفاق السياسي والديني والاجتماعي ونبذ الآخر، وحصد نتاج ذلك كله ظلاماً وفقراً وشتاتا وخوفاً وموتاً، ومع ذلك يبدو أنه لم يتعلم شيئا من كل ذلك ولا تزال مواقفه العنصرية والتمييزية والنابذة للآخر تنبئ عن جاهزيته وتحفزه لإعادة الكرة مرّة أخرى، والبدء من المربع الأول من جديد.

  2. لا شك أنه هناك فروق مجتمعية بين الأمم والشعوب، وتلك الفروق ظاهرة واضحة، ولولا هذه الفروق لكانت الحياة نسخة واحدة مملة، وبسبب اختلاف المجتمعات من حيث التفكير، والفهم، والذوق، وردة الفعل تحلو الحياة وتتطور الأفكار. فالإنسان – كما يقولون – هو ابن بيئته يتأثر بها سلبا أو إيجابا. ولو قيض لنا كاتب مثل الأستاذ عبد الناصر محمد فتكتب لنا مميزات الشخصية الصومالية، وسلبياتها لأفاد لنا كثيرا… شكرا الأستاذ الكريم على تعليك ممتاز.

اترك رد