مقالات

الشعور بالمسؤولية ضرورة بالغة الأهمية (1)

إن تجاهل الفرد مسؤوليته عن الأحداث  التي تحدث في وطنه ومسؤوليته في التغيير و عدم مساهمته في بناء الوطن وبناء مجتمعه، هي نظرة العجزة والغارقين في أوحال المنطق التبريري، لذلك يظل دائما يلعن الظلام، دون أن يفكر في أن يوقد شمعة ويلعن الحكام دون أن يفكر كيف كان الوضع قبل مجيهم؟ واليوم لدينا كلأنواع الأجهزة الحكومية والتي تعمل علي أداء دورها  في بناء الوطن لكن هل الحكومة الصومالية وحدهاها قادرة في بنا ء الوطن الدي دمرناه جميعا بصورة مباشرة أوغير مباشرة ؟ أم أننا بحاجة إلي الشعور بالمسؤولية الفردية؟ والجماعية؟ ولا شك أننا بحاجة إلي الشعور بالمسؤوليةالفردية إنطلاقا من الفكر الإسلامي  الذي ينطلق من كون مناط التكليف فرديا وأن المرء سوف يسأل وحده يوم يبعث ويحاسب وحده “وكلهم آتيه يومالقيامة فردا”.لذلك تذخر النصوص الشرعية بما يؤكد على المسؤولية الفردية، منها توجيهالخطاب بصيغة فردية: (من رأى منكم منكرا فليغيره)، (لأن يهدي الله بك رجلاواحدا خير لك من حمر النعم)، (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائوليت الفرد يدرك أنه يسهم بصورة أو بأخرى في تشكيل الواقع من حوله، وأنه نموذج مصغر يحمل آفات هذا المجتمع، ومسؤول عن تغييره ،واستشعار المسؤولية الفردية حاضر وبقوة في التاريخ الإسلامي، ومن ذلك ماذكره القرطبي في تفسيره عن قصة هدهد  الذي كان جندياً في جيش نبي الله سليمان،راي هد هد أعظم جريمة ترتكب علي وجه الأرض، وهي جريمة الشرك كما أخبرنا القرءان الكريم(إني وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُون”. وتحرك بدافع ذاتي وإستشعار المسؤولية الفردية، فدل نبي الله سليمان علي تلك الأرض لينشر فيها نور الإسلام ، الوطن يحتاج إلي المسؤولية الفردية والجماعيةوالتي  تحرك مشاعرنا الروحية والدينية والوطنية والإنسانية.

أوساهير ينقل قوة أوروبا إلى اليابان

ذلك الطالب الياباني الذي بعثته حكومته إلى ألمانيا لدراسة أصول الميكانيكا العلمية ،كان يحلم بصناعة محرك صغير، وركز جهوده في صناعة نموذج يمكّنه من وضع يده على سر الصناعةوجد نفسه أمام لغز المحرك لا يستطيع إليه سبيلا، فقرأ يوما عن محركات إيطالية الصنع، فاشترى براتبه محركا ووضعه في حجرته وهو يقول: هذا سرقوة أوروبا بذل جهداً كبيراً في تفكيك المحرك ورسم قطعه لإعادة تجميعه حتى نجح فيتشغيله مرة أخرى بعد ثلاثة أيام من السهر المتواصل وتناول وجبة واحدةيوميا، ثم انتقل إلى مرحلة صناعة القطع بنفسه، فالتحق بمصنع لصهر الحديدوارتدى ملابس العمال بدلا من الطلاب، وهو يقول: في سبيل اليابان يهون كل، شيءولما علم الحاكم الياباني بأمره، أرسل له من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إ نجليزي ذهبي، واشترى بها أدوات كاملة لمصنع محركات، وبعدما شحنها إلىنجازاكي، أراد الحاكم أن يقابله، فقال: لا أقابله حتى أنشئ مصنعا كاملاللمحركات فمضت تسعة أعوام، حمل بعدها عشرة محركات مكتوب عليها “صنع في اليابان” إلى قصر الحاكم، وأدي هذا الإنجاز إلي نغير وضع وسمعة المجتمع الياباني.

أقسام المسؤولية

أولاً: المسؤولية الفردية: تعني أن الفرد مسؤول عن نفسه، وعن ما يصدر منها من أقوال وأفعال، فهي مسؤولية كل فرد عن نفسه وجوارحه وبدنه، وهي أصل المسؤولية في الإسلام: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم: 39].

 

وتنقسم إلى:

♦ مسؤولية دينية: وتستغرق المسؤوليةُ الدينية كل ما يُحاسب عليه الإنسان أمام ربه جل وعلا، وكل ما يُثاب عليه من أفعال وأقوال.

♦ مسؤولية أُسرية: وتتناول الفرد حسب موقعه من الأسرة، فهناك مسؤولية الزوج، والزوجة، ومسؤولية الأبناء.

♦ مسؤولية اجتماعية: كصلة الرحم، والإحسان إلى الجار.

 

ثانيًا: المسؤولية الجماعية: تنبع من حِس جماعي بالالتزام تجاه قضية ما أو نحوها وتنقسم إلى:

♦ مسؤولية دينية: وتتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال – تعالى -: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]، وطلب العلم ونشره: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ﴾ [التوبة( 122)

المسئولية في الإسلام تعني أن المسلم المكلف مسئول عن كل شيء جعل الشرع له سلطاناً عليه، أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه، سواء أكانت مسئولية شخصية فردية، أم مسئولية متعددة جماعية

♦ مسؤولية جماعية اجتماعية: وتتمثل في الحفاظ على روابط الأخوة، والالتزام نحو قضايا الإسلام والمسلمين في كل مكان، والتكافل الاجتماعي عن طريق التزام دفع الزكاة والصدقات، وإنشاء المراكز المختصة للعناية بالضعفاء والمحتاجين والمساكين.

 

ثالثًا: مسؤولية الحاكم:  ومسؤوليته أعظم مسؤولية، لِتعلق حقوق كل الرعية به، وأهم مسؤولياته:

♦ تحقيق العدل بين الرعية والحكم بما أنزل الله  وإختيار البطانة الصالحة وتعيين رجال المناسب علي أماكن مناسبة بالإضافة إلي توفير الأمن الداخلي والخارجي والسعي إلي إتخاذ الاسباب التي توسع للرعية الحالة المعيشية ورفع أوضاعهم

 

رابعًا: مسؤولية التعليم:وأهم تلك المسؤوليات:

1- أن تكون المؤسسة التعليمية هي الحضن الآمن، والوعاء السليم الذي يستوعب الطلاب، ويُلبي احتياجاتهم العمرية التعليمية والنفسية والبدنية ,والوطنية  وخاصة في هذا الوقت الذي تعاني منه الصومال نظام  التعليم الهش.

 

2- تخريج الطلاب المؤهلين عِلميًّا ونفسيًّا وجسديًّا، ليستلموا بدورهم مسؤولياتهم في المجتمع، ويقودوا دفة التغيير والنهضة.

 

3- تغذية الطلاب بثقافة دينية شاملة، تؤصل في نفوسهم مبادئ العقيدة السليمة، وتربيهم على الانتماء للإسلام والأمة. وللوطن

 

4- التنويع في الوسائل الدراسية، وتوفير وسائل عصرية وتكنولوجية حديثة، وعدم الاقتصار على الكتاب فقط، ويشمل ذلك توفير مختبرات الحاسوب، وأجهزة العرض الحديثة، والسبورة الذكية، وغيرها.

 

5- توفير أنشطة لا منهجية، تُسهم في توثيق العلاقة بين الطالب والمدرسة، وتعمق الروابط بين الطلاب أنفسهم، وترسخ فيهم مبادئ المسؤولية الجماعية، والتعاون، والمحبة.

 

6- مُحاربة المؤسسة  لكل مظاهر الفساد والانحلال الخُلقي والتسرب، ومحاربة الاتجاهات الفكرية  المنحرفة  كالتطرف والإرهاب  والشيعة  والأخلاقية الوافدة وغيرها .

 

خامسًا: مسؤولية الإعلام: وأبزر مسؤولياته: المِصداقية والشفافية، وتحري الدقة في المعروض و عدم مخالفة أصول الدين أو النصوص الصريحة. التنويع في المواضيع المعروضة وأساليب عرضها. وبث مواد تثقيفية وبرامج وثائقية لزيادة الوعي المجتمعي والثقافة العامة في كل المجالات ومراعاة جميع شرائح المجتمع، فمتا بعو وسائل الإعلام اليوم هم كافة طبقات المجتمع من رجال ونساء، وشباب وأطفال، وأغنياء وفقراء، ومتعلمين وغير متعلمين.وسياسيين وغير سياسسين  ,وكذلك عدم الترويج للمُفسدات، أو بث الشبهات، وما يثير الشهوات والخلافات  ويدعو للانحلال الخُلقي والفساد ,والنعرات القبلية وكل ما يثير التوترات السياسية أوزعزعة الإستقرار.

 

سادسًا: المسؤولية الوطنية:

محبة الأوطان والانتماء لها أمرٌ فطري وطبيعة بشرية طُبِع عليها الإنسان، فوطنُ الإنسان هو المكان الذي ينتمي إليه، نشأ فيه وترعرع، تنفس هواءه، وشرب ماءه، وتعفر من ترابه. ومِن مسؤوليات الفرد تجاه وطنه:

♦ الدعاء له وتمني الخير له.

♦ الانتماء لجسد أمته الواحد دون تعصب لفئة أولقبيلته، التعصب هو شعور داخلي يجعل الإنسان يرى نفسه على حق ويرى الآخر باطل ويظهر هذا الشعور بصورة ممارسات ومواقف ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته وهذه الظاهرة منتشرة وخاصة في مجتمعنا الصومالي.

♦ الدفاع عنه إذا تعرض للاعتداء.

أنت جزء من المشكلة

المواطن الذي  لايؤدي دوره تجاه الوطن والدين والمجتمع وليس عنده الشعور

بالمسؤولية  الفردية ويخالف القانون  ولايؤدي دوره  إذن جزء من المشكلة وتراه ناقما وغاضبا ولا عنا علي الحكومة والشعب والعالم وحتي البيئة محملا إياهم كل المسؤولية عن كل المشكلات الأمنية والإجتماعية ولاإقتصادية وحتي  الكوارث الأرضية،الطبيعية وغير الطبيعية دون أن يعتبرنفسه جزءًا من هذا المجموع أو البيئة أو الدولة أو العالم وتراه يتمنى أن لو سارالنظام الصومال الحائر على نظامه العقلي لحلت مشكلة الصومال ، فهو كما قال الدكتور سلمان العودة: “يعتقد ببراءة جانبه، ولا يخطر في باله أن يتهم نفسه، فآراؤه صحيحة، ومواقفه سليمة، يعرف كلّ شيء، ولو أن الناس أطاعوه لحل مشكلات العالم.. بينما عجز عن حل مشكلة عائلية.. ويخفق أمام معادلةرياضية، ولا يملك خبرة ولا دراسة، ولا هو قادر على اتخاذ قرار خاص بتغييرخلق ذميم في نفسه )هذا القصور في إدراك المسؤولية الشخصية يخالف ما جُبل عليه الإنسان من إقامة علاقات اجتماعية بمن حوله، باعتباره أحد مكونات المجتمع، وعلى أساس أن الإنسان يؤثر ويتأثريقول عباس الجراري في كتابه “الإنسان في الإسلام”: “الهوية الفردية لا تكتمل الا بالاندماج في وعي جماعي، حينئذ يشعر الإنسان بقيمته كفرد مجرد، وقيمته  كفرد في جماعة أو مجتمع، لأن فلسفة الحياة تكمن في أن ينظر الإنسان لغيره كما ينظر لنفسه».

كلمة أخيرة للشعب:

في ظل ضرب مصالح الكيانات السياسية الصومالية والتآمر عليها، والتدخلات الخارجية وتقويض الجهد الجماعي، خاصة بعد فشل الحكومة الصومالية بإجراء إنتخابات حرة ونزية مباشرة، وفي ظل هذه الشبكة المعقدة من العلاقات الدولية وتأثيرها على الشعوب، واشتعال الأزمات في الداخل والخارج، نحتاج إلى تفعيل الجهد الفردي والجماعي ، وعدم الاكتفاء بإلقاء التبعة واللوم على الأنظمة والحكام والنظر علي سلبياتهم فقظ دون النظر علي الإ يجابيات ، فلن يؤخر ذلك ولن يقدم.

هي ثقافة لابد من نشرها والتأكيد عليها في أي محضن تربوي، وعبر منابرالتوعية المختلفة، من أهمها وسائل الإعلام المختلفة، والمعروف أن وسائل الاعلام المختلفة، كالتلفزيون والانترنيت والصحف والمجلات والمناهج الدراسية، دورا متميّزا في نشر المفاهيم الثقافة والعلمية لدى الأفراد. فإذا لم نواكب العالم المتمدّن، بإعادة صياغة برامجنا وأولوياتنا التنموية، فإننا سنبقىي دائما  في مرحلة الاعتماد على تلك الدول في كل شىء، بالرغم من إمتلاكنا لمعطيات التقدم، ووسائل التغير نحو الأفضل.
ولذلك أصبح نشر الثقافة الشعور بالمسئوولية على نطاق واسع، ضرورة بالغة الأهمية ولاسيّما في مجتمعنا الصومالي الذي عاش أكثر من 25 عاما من الصراعات الدامية.

  المصادر

  1. القرءان الكريم
  2.  ملخص بحث: دور الممارسة العامة للخدمة الاجتماعية في تنمية الشعور بالمسؤولية الاجتماعية عند أفراد المجتمع(
  3. ملخص بحث: المسؤولية وطرق تنميتها عند افراد المجتمع(
  4. بعض المواقع الإجتماعية

 

أ.حسن محمد علي

كاتب وباحث في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى