المساعدات السعودية للصومال … الدوافع والأهداف

 ملخص الدراسة

أعلنت المملكة العربية السعودية في 28 يناير عام 2024 عن تدشين 24 مشروعا من المشاريع الإغاثية والإنسانية في الصومال يستفيد منها أكثر من 5 ملايين صومالي، بمبلغ إجمالي يصل إلى 45 مليون دولار أمريكي .  هذا المشروع الذي جاء بعد أعوام قليلة من تعيين السفير أحمد بن محمد المولد كأول سفير  للخادم الحرمين الشريفين مقيم في مقديشو منذ الإطاحة بحكومة محمد سياد بري عام 1991، مؤشر قوي على استمرار عطاء المملكة السخي للشعوب الفقيرة ، وعزمها على دعم الدول النامية للإسهام في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي، وأن الصومال منذ الاستقلال كانت ضمن الدول النامية المستفيدة من  المنح  والقروض المقدمة من قبل المملكة العربية السعودية.

منطلقات الدعم الإنساني السعودي

  1.  أهمية الدور الإنساني والتنموي في تعزيز العلاقات الثنائية، وتحقيق المصالح والأهداف المشتركة
  2. القيم الإسلامية الداعية إلى إغاثة الملهوف بغض النظر عن اللون والجنس
  3. أن المملكة تتصرف كشقيقة كبرى تهتم بأشقاءها، وليس الهدف من وراء مساعداتها السيطرة على قرار الدول عبر وسائل خشنة أو ناعمة، والمعونات المشروطة،  والقروض ذات التكلفة الباهظة
  4. تعزيز دور الصومال في مواجة التحديات الماثلة أمام منطقة القرن الإفريقي وممر باب المندب والمتمثلة في الارهاب،  والتدخل الأجنبي،  المزعز للأمن والإستقرار والسلم العالمي.

الدعم السعودي للصومال في السياق التاريخي

تعد المملكة العربية السعودية ممول رئيسئي لمعظم المشاريع التي نفذت في الصومال بعد استقلالها عام 1960 ، سواء عبر الطرق المباشرة  أو عبر مؤسساتها الخيرية أو من خلال مساهماتها في المؤسسات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية.  بعد أن نالت الصومال استقلالها واقامت علاقات دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية ، بدأت الأخيرة بتقديم مساعدات للصومال في شتى المجالات وارسلت بعثات لتقييم احتياجات الصوماليين في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة وقدمت للحكومة الصومالية  الوليدة قرضا يبلغ قيمته 5 مليون دولار.  كما منحتها في السبعيات ما بين 400-300 مليون دولار ، وكانت الصومال ضمن  ست دول عربية واسلامية حصلت على دعم كبير من المملكة العربية السعودية  في السبعينات ، وشكلت المساعدة المقدمة إلى هذه الدول الست، عام 1977 ، نسبة 63% من المساعدة الممنوحة لدول الغير .  وفي الثمانيين زودت المملكة العربية السعودية الصومال مجانا وبإنتظام النفط الخام للمصافي الصومالية لغاية  إنهيار دولة الصومال عام 1991 . وفي عام 1990  قدمت المملكة العربية السعودية للصومال منحة مالية تقدر  بـ 70 مليون دولار  ووعدت ببيع البترول بسعر أقل من سعر الأسواق العالمية.  استفادت الصومال كثيرا من قروض صندوق النقد العربي  وصندوق السعودي للتنمية، والبنك الإسلامي بجدة وتم تنفيذ العديد من المشاريع في البنية التحتية بتمويل كلي أو جزئي من تلك الصناديق.

قدّمت المملكة العربية السعودية من خلال الصندوق السعودي للتنمية منذ عام 1977م للصومال ، (4) قروض تنموية ميسّرة لتمويل (3) مشروعات وبرامج إنمائية بقيمة تتجاوز (94) مليون دولار لدعم قطاعات التعليم، والزراعة، والصناعة، والتعدين، فضلًا عن تخصيص منحتين مقدمة من المملكة من خلال الصندوق للصومال بقيمة (80) مليون دولار لدعم الأمن المائي والغذائي، والنمو الاجتماعي،  والازدهار الاقتصادي. وكذلك دعمت المملكة العربية السعودية لميزانيات الحكومات  الصومالية المتعاقبة بملايين الدولارات، ووضعتها في البنك المركزي الصومالي.

ما من  مجال من مجالات الحياة في الصومال  الا ونال قدرا من الدعم المالي السعودي.  وبلغت اجمالي المساعدات التي قدمت للصومال  منذ الاستقلال وإلى اليوم أكثر من   429,459,808 مليون دولار  في حوالي  162 مشروعا في المجالات التنموية والانسانية.

وكان هناك أيضا مبادرات سعودية لحث الدول العربية على تقديم يد العون للصومال خلال حربها مع إثيوبيا مثل الحملة التي قادها الدبلوماسسي السعودي القدير الشيخ عبد العزيز بن سليمان الثنيان.

كما أدت المملكة العربية السعودية دورا لافتا في مساعدة المتضررين جراء الفيضانات التي تضرب الصومال منذ عام  1975 إلى اليوم وفتحت جسرا بحريا وجويا لإغاثة المتضررين. وتعتبر المملكة العربية السعودية من أكثر الدول تبرعا للمؤسسات الخيرية العالمية لدعم برامجها الإنسانية في الصومال.

ساهمت المملكة العربية السعودية في جهود الحكومة الصومالية لتعريب الموسسات الحكومية في الثمانينيات وقامت عدد من الوفود الصومالية بزيارة المملكة لهذا الغرض، حيث نوقشت المشاكل التي تعوق حملة التعريب في الصومال والحلول اللازمة لإنجاحها. وأكد جميع المسؤولين السعودين وقوف المملكة جنبا إلى جنب مع الصومال في إنجاح هذه الحملة .

بدأت مساعي المملكة العربية السعودية لدعم المجال التعليمي والثقافي في الصومال مع بداية التمثيل الدبلوماسي بين البلدين عام 1962 ، حيث قدمت عددا من المنح الدراسية لمئات من الشباب  الصومالي،  وفتحت أبواب جامعاتها ومعاهدها للطلاب الصوماليين في مختلف المستويات التعليمية.

 وهناك مساهمات مالية أخرى للمملكة في المشاريع الخيرية والاجتماعية في الصومال وخاصة فيما يتعلق بتعزيز الهوية الصومالية الإسلامية والعربية، حيث قامت بتمويل معهد تعليمي باللغة العربية في الستينات من القرن الماضي  وتزامن ظهور هذا المعهد مع وقت كان الشباب الصومالي الذي تلقى تعليمه في المساجد والحلقات التعليمية الأخرى بأمس الحاجة إليها.

أبرز المشاريع  التي ساهمت في تمويلها المملكة العربية السعودية

أولا: مشروع مصنع مريري-جوبا للسكر

لقد وقع الصندوق السعودي للتنمية في 2 ديسمبر عام 1977 مع الصومال  اتفاقية قرض يقدم الصندوق بموجبها 254 مليون ريال سعودي (ما يعادل 72 مليون دولار ) للمساهمة في مشروعات التنمية الزراعية الصومالية. وهذا القرض تم تقسيمه إلى مرحلتين المرحلة الأولى تمت عام 1977  وجرى استصلاح وتسوية اراضي بمساحة  8000 هكتار وإنشاء شبكة ري وصرف ومحطات ضخ وتشييد وتركيب مصنع السكر طاقته القصوى 70 ألف طن في العام وإنشاء مساكن للعاملين وكانت تكلفة هذه المرحلة بـ 58,333.333 مليون دولار . أما المرحلة الثانية فقد تمت عام 1981 وجرى استصلاح وتسوية 8000 هكتار من الأرض وإنشاء شبكة للري والصرف وتشييد وتركيب مصنع للسكر وما يشمل المصنع من سكن للعاملين وتوفير معدات زراعية وغيره  وكانت تكلفته 18,219.040 مليون دولار.

 ثانيا: مشروع الجامعة الوطنية

كان المشروع عبارة عن تشييد وتجهيز 5 مباني لسكن الطلاب ومباني للمستوصف ، والمطعم،  ومغسل ، ومتاجر ، ومخازن، وتشييد 40 مبنى من طابق واحد للكليات المختلفة وإنشاء مبنى للمكتبة ومكاتب الإدارة وإنشاء ملاعب وقاعة مؤتمرات وتشييد طرق داخلية وشبكة مجاري وحفر بئرين وإنشاء شبكة كهرباء، وكلف المشروع  الذي بدأ في 23 فبراير عام 1980  حوالي10 مليون دولار (9,413,333  دولار)

 ثالثا: مشروع دعم القطاع الزراعي

كلف المشروع  الذي بدأ بتنفيذه  في 3 أكتوبر عام 1987   بمبلغ مالي قدره 8 مليون دولار.

رابعا: مسجد التضامن الإسلامي

تم بناء المسجد عام 1978م، وقام بتمويله المملكة العربية السعودية  عبر رابطة العالم الإسلامي ضمن مشاريع عمرانية أخرى قامت الرابطة بتمويلها وتنفيذها في الصومال. في أثناء الحرب الأهلية قامت المملكة  بتخصيص ميزانية للجامع ومعهد التضامن الاسلامي قدرها 326,570 دولار. 

رابعا: معهد  التضامن الإسلامي

 فتحت المملكة العربية السعودية نهاية الستينات في مقديشو معهد التضامن الإسلامي وكان الطلاب الذين يلحقون بالمعهد يحصلون على  تعليم مجاني ومبلغ مالي شهري تساعدهم على تغطية جزء من حياتهم اليومية.

خامسا : مركز الغسيل الكلوي في مقديشو

هو مركز متكامل ضمن مستشفى بنادر في مقديشو لعلاج مرضى القصور الكلوي عن طريق تحاليل الدم. يعتبر المركز التخصصـي الأكبر والوحيد في الصومال والذي يقدم خدماته لمرضى القصور الكلوي وأمراض الكلى مجانا . تم تشييد المركز عام 2017 وأنه مجهز منذ ذلك العام بـ 25 جهاز في الوقت الراهن 20 منها قابلة للتشغيل بالإضافة الى محطة معالجة مياه لتغذية هذه الأجهزة.

 سادسا: مشاريع إنسانية متنوعة

دشنت المملكة في 28 يناير الماضي في مقديشو 24 مشروعا  في قطاعات الأمن الغذائي والصحي والتعليمي والمياه والإصحاح البيئي في الصومال ، يستفيد منها 5.798.077 فردا بقيمة إجمالية تبلغ 45 مليون دولار أمريكي.

مميزات المساعدات السعودية  

  1. تأتي سريعة وفي وقت الحاجة  استجابة لنداءات الإستغاثة
  2. لا تتزامن مع حصاد المزارع البعلية في الصومال كما تفعلها المنظمات الخيرية الغربية .
  3. تكون عادة بكميات معقولة كافية لسد احتياجات المتضررين لفترة طويلة
  4. تشمل مواعد غذائية عالية الجودة يستهلكها عادة الطبقات الميسورة في الوجبات اليومية ويسميها الصوماليون بـالمعمعان  ( الحلويات) تعبيرا لأهميتها.
  5. ليست مشروطة وليس الهدف منها تحقيق مصالح سياسية أو عسكرية
  6. إنها مساعدات مستدامة تتركز على مجالات تمس حاجات الشعب  مثل الأمن الغذائي، والتعليم،  والصحة
  7. 7-       ليست مساعدات المملكة العربية مجرد أرقام، ووعود تتبدد مع مرور الوقت ولا تجد طريقها للتنفيذ
  8. شاملة وتصل إلى جميع المناطق الصومالية دون إستثناء وحتى أن أثرها  بادية في مناطق بعيدة سواء كانت ساحلية أوصحراوية
  9. هناك شهادات صومالية حية تتحدث عن أهمية المساعدات السعودية ودورها الكبير في إنقاذ أرواح ملايين من الصومال الذين يتعرضون لمواجات الجفاف والفيضانات

اقتراحات

  1.  أن يتطور الدعم الإنساني والتنموي  السعودي في المستقبل من حيث الحجم والمجالات التي يستهدفها في ظل تحسن الأوضاع السياسية والأمنية في الصومال
  2. أن يكون التركز في السنوات المقبلة على المجالات والقطاعات الانتاجية، والاستثمار في القطاعات الحيوية كالقطاع السمكي، والحيواني ، والزراعي ليتمكن البلاد من تحقيق الإكتفاء الذتي من الغذاء
  3. أن تمول المملكة العربية السعودية  مشاريع كبرى سواء كانت استثمارية أو تنموية يبقى آثرها لسنوات طويلة، وتكون بصمة خير واضح للصوماليين تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل. 

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي
زر الذهاب إلى الأعلى