مقالات

أيام في القاهرة (3)

ايّام في قاهرة المعز: مسجد الحسين والجامع الأزهر . (الجزء الثالث).

بعد زيارة النيل والميدان في قاهرة المعز توجهت في مساء ٣١ من الشهر الماضي الى زيارة الجامع الأزهر ومسجد الحسين. وصلت الجامع الأزهر في وقت صلاة المغرب، وصلاة الجماعة قائمة، والبوابة مغلقة، ورجال الامن عند البوابة لم يسمحوا لنا بالدخول. ولا ادري ان كان ذلك من اجل ترتيبات أمنية خاصة او صحية تتعلق باجراءات الوقاية من كورونا. وسألنا رجال الامن متى يؤذن لنا في الدخول؟ فقالوا لنا: تعالوا قبيل صلاة العشاء. ثم ذهبت الى مسجد الحسين، وكان كذلك مغلقا ! قلت في نفسي:هذا يوم عصيب، لا ننال شيئا مما قصدناه. لقد أسفت أسفا شديدا؛ ان وجدت مسجد الامام الحسين مغلقا، ولما سالت الامن هناك متى يفتح بابه للزوار؟ قالوا: تعال بكرة الصبح ! قالها رحل الامن بيسر وسهولة، وكأن كل احد يمكن له ان يرجع الى مبيته ويعود ادراجه في الصباح، ولكن هذه الكلمة كانت ثقيلة عليّ، وكان معناها ان انصرف ولا أتمكن من زيارة الحسين، لضيق الوقت وقرب أوبتي الى ربوع اقامتي. كتمت اسفى ووقفت أتأمل من الخارج منظر هذا المبنى الأثري الرائع في جلالته وابهته وعظمته، وما يحمله من عبق التاريخ، وما يدل عليه من زهو الحضارة، وروعة الإبداع. وعلى الرغم من السكون الرهيب المطبق على المسجد الذي وقف شامخا تحيطه الهيبة والهالة، فان ساحته كانت تعج بالحركة، فمنهم المتسولون المادّون أيديهم في كل ناحية، ومنهم المتسامرون المتندرون على حلو الحديث وفكاهة القول، ومنهم المجتمعون للذكر الخاضعون لقداسة المكان، ومنهم النائمون على باحته في امن وسلام، ومنهم البائعون المتجولون بانواع الأطعمة وأصناف الشراب، ومنهم من يعزف ويرقص. ومنهم من دون هولاء من يتأمل عظمة المكان ويتدبر عبر الايام، ففي هذه الساحة ما شئت من جد وهزل، وفيها ما شئت من دين ودنيا. عجبا لهذا التناقض في هذه المناظر المتضاربة ! والدنيا كلها في تناقض ظاهر او خفي، ومع ذلك فان هذه الجموع في ساحة مسجد سيدنا الحسين، وان اختلفت في المشارب وتنوعت في الاهواء، فان حب الامام الحسين يجمعهم، وتعظيمهم له يؤلفهم، وهذا الحب هو الذي جذبهم الى مقامه، وكلهم يطهر هذا الحب على طريقته. رايت رجالا ونساء في صفوف طويلة للتبرك بباب المسجد المغلق، وكان هناك رجال امن ينظمون الصفوف، ويسمحون للباب في كل مرة شخصا او شخصيين لمدة دقيقتين او ثلاث دقايق، فاذا وصلوا الى الباب يسلمون عليه او بالأحرى يسلمون على الامام من خلال باب المسجد المغلق، وبعضهم كان يلمس الباب ويتمسّح به، وبعضهم كان يكتفي بالتسليم، ثم يقف عند الباب يحرك شفتيه ويقرا شيئا لم اتبينه، فحاولت ان استرق السمع ولكن بدون جدوى، ثم ينصرفون لاتاحة الفرصة للصفوف بعدهم. مسجد الحسين في حيّ الحسين في القاهرة، وهو حيّ شعبي يحتوي على مبان واثار تاريخية ومعمارية تفوح من زواياها عبق التاريخ، وتشمّ من اردانها رائحة عرف الماضي البهيج، الذي امتزج بمظاهر الحياة العصرية امتزاج الماضي بالحاضر، وتحس لهذا الامتزاج ذوقا خاصا ونشوة غريبة، تذكرك بماضيك الزاهي، وترسخ انتماءك لهذه الاثار الخالدة، وتربط حاضرك بماضيك، فتستعيد ثقتك بنفسك، وتشعر على عمق جذورك، وعراقة حضارتك، وسموّ رسالتك، وعظمة سلفك وجهود خلفك، وجهاد امتك المتواصل عبر تاريخهم المديد، ولا تزال آثارهم باقية تدل على هذا الجهاد وتشير الى هذا الكفاح. ومهما تمر أمتنا بأنواع الابتلاءات والمحن والضعف والانحطاط فان في دينها، وتاريخها، وحضارتها، وآثارها ما يطمئن النفس، ويشرح القلب، ويبرد الحشا، ويثلج الصدر، ويبشر بان المستقبل لهذه الامة، اذا عرفت طريقها وعادت الى رشدها،رغم ما تعانيه من الأعاصير العاتية والعواصف الرعدية. تمّ بناء هذا المعلم الأثري في عهد الخلافة الفاطمية في القرن السادس الهجري في عام ٥٤٩ هجرية. وتختلف الروايات في مكان دفن راْس الحسين. وتقول احدى هذه الروايات التاريخية ان راس سيدنا الامام الحسين عليه السلام مدفون في مقام الامام داخل مسجد الحسين في حي الحسين في القاهرة. وسواء صحت رواية الدفن ام لم تصح، فان كثيرا من الناس في داخل مصر وخارجها يؤمنون بوجود الراس الطاهر فى هذا المقام الشريف، ويشدون الرحال الى هذا المسجد الأثري العريق، والى مقامه وضريحه حبا بصاحب المقام، وتعظيما لسبط الرسول وريحانته، وتيمنا بسيد شباب اهل الجنة، وابن فاطمة الزهرا. وددت لو انني دخلت المسجد، ورايت المقام والضريح، حتى تكون زيارتي كاملة، وارى سلوك الناس وتصرفاتهم تجاه هذه الاثار؛ لاسجل ما ارى من المواقف، وأصف ما اقف عليه من العجايب، وأصور ما يفيض في هذا الجو من مشاعر الايمان، وعواطف الحب، وطهارة النفس، واخلاص العبادة، ومظاهر الإجلال والخشوع. تأملت مسجد الامام الحسين، وذكرت موقعة كربلاء، وتراءت لى صورته المهيبة في هذا المبني الأثري الشامخ، وهو يلفظ انفاسه الاخيرة، يصارع الظلم، ويصدّ الطغيان، ويرفع راية الحرية، ويضحى روحه في سبيل محاربة الظلم والعدوان، فيقع شهيدا تحت سيوف الغدر ورماح الإجرام. وقع شهيدا للحرية وللكرامة الانسانية، وترك للناس والأجيال بعده درسا في التضحية والثبات على المبدأ، وعلّمهم ان الحرية أغلى ما يملكه الانسان، وان الاستكانة للطغيان والجبروت مذلة للنفس، وان بجود الانسان بروحه ونفسه في سبيل حريته وإنسانيته خير له من ان يعيش ذليلا، منقادا لارادة الطغاة والمتجبرين المفسدين. سقط الامام الحسين شهيدا في كربلاء، ولكنه لا يزال حيا ملهما الأحرار وأصحاب القضايا العادلة عبر الزمان والمكان، ونموذجا في الصمود والصلابة في وجه الظلم، ومثالا صادقا في التمسك بالمبدأ وقهر الفساد. ولا يزال الناس الى يوم الدين يتجادلون حول مكان دفنه، وتختلف الروايات حول مضجع راْسه الشريف، ويتوافد الناس من كل صوب على مقامه ومزاره ومسجده، حبا له وتعظيما وإجلالا، فأين هولاء الذين غدروه وقتلوه؟ لقد رماهم التاريخ في مزبلته الى الأبد، وهذا هو مكانهم الصحيح، فالتاريخ لا يحابي المفسدين، فقد يمهلهم ويتركهم يعيثون في الارض حينا من الدهر، ولكنه في اخر الامر يضعهم في الدرك الأسفل من ذيل التاريخ. ومهما طال عمر الطغاة، فان حياتهم قصيرة بقصر أعمارهم الدنيوية، واما حياة الشهيد فانها حياة باقية خالدة ما بقي في الدنيا صاحب ضمير يفهم معنى الحرية ويعليها، وصاحب كرامة يدرك الغاية من خلقه ويقدرها، وصاحب قضية يكره الطلم والفساد والطغيان، ويضحي ماله ونفسه في سبيل ازالتها. على انني وان لم يتح لي اليوم ان ادخل في رحاب مسجد سيدنا الامام الحسين، فانني أدعو الله ان يمدّ لنا العمر، ويمن علينا بفضله ومنّه ان يتيح لنا فرصة اخرى سانحة لزيارة هذا المسجد، والتحول في أركانه، والتطواف في إرجائه، والصلاة في رحابه، والوقوف على ما فيه من الاثار التاريخية. واني وان لم يتسّر لي دخول مسجد سيدنا الحسين، فان ما وجدت في محيطه وساحته من مطاهر الحركة والنشاط، وما وجدت في مظهره الرهيب ووقوفه الشامخ من آيات التامل والاعتبار، وان لم ينقع الصدى فانه يبلّ الريق، وان لم يغن من جوع فانه بلغة مسافر نفض زاده. عبدالواحد عبدالله شافعي. وللحديث بقية.

عبد الواحد عبد الله شافعي

كاتب صومالي من مواليد بلدوين ومقيم في بريطانيا. حصل على درجة الليسانس في الدراسات الإسلامية واللغة العربية من كلية الدعوة في ليبيا في عام ١٩٩٤. نال دبلوم ماجستير في اللغة العربية وآدابها من الكلية نفسها في عام ١٩٩٦. حصل على ماجستير في اللغويات وتعليم اللغات الأجنبية من جامعة لندن متروبولتان في بريطانيا في عام ٢٠١٦. يعمل في خدمة الجاليات المسلمة في بريطانيا. له مقالات وبحوث فكرية وسياسية منشورة في الصحف والمواقع العربية. يهتم بقضايا الفكر الاسلامي السياسي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات