مقالات

أيام في القاهرة (2): زيارة الميدان والنيل

أيام في القاهرة: زيارة الميدان والنيل. (٢).

في مساء اليوم السابع والعشرون من شهر مايو توجهت الى زيارة ميدان التحرير ونهر النيل، فان زيارة أم الدنيا دون زيارة ميدانها الشهير ومعلمها البارز، ودون إلقاء التحية على نيلها وضفافه لهي زيارة مبتورة. فالنيل والميدان رمزان للحياة المصرية، فالأول يرمز لحياة الجسم والخصب، والثاني يرمز لحياة الروح والحريّة. فحينما يخرج المصريون الى الميدان، وتعجّ أصواتهم بالحرية والكرامة الإنسانية، يسجل النيل ذلك كله، ويراقب جموع الميدان عن كثب، ويعدهم بالخصب والنماء، ان هم استعادوا إنسانيتهم وحريتهم، فلا حرية لجائع، ولا كرامة لمن يعوزه قوت يومه في بلده.

وصلت الميدان عشيا، وكانت حركة الناس في محيطه خفيفة بطيئة تنبئ عن حالة من الترقب والحذر، ويعتريك شك ان هذا الميدان هو الذي شاهدناه قبل أعوام في شاشات العالم ينبض حركة وحياة وأصواتا مطالبة بالحرية. طلبت من صديقي فوزي ياسين ان يأخذ لي صورة تذكارية في الميدان، وقال لي: خذ حذرك يا رجل، فان الميدان مراقب، والعيون منتشرة في كل ناحية امن أنحائه، ولا اظن ان التقاط الصور مسموح، فذهبنا الي رجل من قوات الامن كان واففا قريبا منا، فسألناه ان كان يسمح لنا بالتقاط صورة في الميدان، فقال لنا: يلله، بالسرعة! فأخذنا بعض الصور على عجل.

ولما وصلنا كانت شمس الميدان مائلة الى الغروب، مرسلة أشعة فاترة تؤذن بالأفول، وتتهيأ لاستقبال جيش حام، فهجم ظلام الليل على الميدان، ولكن ضياء النهار لم يرفع بعد راية الاستسلام، فاختلط غبش الليل بسطوع النهار، فلا نحن في ضياء خالص ولا في ليل أليل. لحظت ان الصور معتمة غير واضحة، فطلبت من صديقي فوزي ان يعيد اخذ الصور، فاستشعر رجل الامن الذي اعطانا الرخصة اننا نقضنا العهد، ومكثنا في الساحة طويلا، فتحرك تجاهنا وأمرنا بالمغادرة فورا، فذهبنا نسرع الخطى، ولا نلتفت الى الوراء، ولا نلوى على شيء، ونفرنا كسرب من الظباء لاح الخطر لعينيها فوجدنا أنفسنا في دقائق معدودات بين محلات قريبة من الميدان، لا ندري كيف انتهينا اليها، ولا اي طرق سلكناها للوصول اليها.

ثم توجهنا تلقاء النيل، ولاح لي كوبري قصر النيل، ورايت النامنس وقد احتشدوا على جانبي الكوبري، وكأنهم في عرس مشهود، يسرحون أنظارهم في مياه النيل، ويمتعون ابصارهم بما يرون من مناظره البديعة، ويتنسمون هواءه النقي، ويتنشقون عبق االتاريخ الذي يفوح من فيض مائه الصافي. وصلنا النيل وقد غابت الشمس وودّعت حبيبها، ولكن بقايا قبلة التوديع من الشفق الأحمر بادية على صفحته، وتدلّ على هذا الحب الأبدي الخالد بين الشمس وبين النيل، ولا زالت ذكاء (الشمس) تشرق كل يوم على مرّ الزمان وكرّ القرون على النيل، تبتسم له، وتمنحه الدفء، ويتناجيان الأسرار، ويتبادلان الاحاديث، ويبوح كل منهما للآخر ما في قلبه
من اواصر المحبة وأشجان الهوى، ثم تغيب ذكاء اخر النهار، وترسم قبلة الوداع على خدّ النيل الذي لا يغيب، ولا يبالي إغراءات الشمس وفتنتها، فيستمر في سريانه في ظلام الليل، لانه لا يحب الافلين.

مشيت على الكوبري فوق النيل، وقد غمرتني نسائمه المنعشة، وأخذت نفسا عميقا، مستشعرا قدرا من هدوء البال وراحة النفس، ثم وقفت على وسط الكوبري، أتأمل واسرح النظر في هذا النهر، وهو ينساب في مجراه انسياب الأفعوان في كبرياء وشموخ وعزة وأنفة، ولا يعبأ بالكوبري وبازدحام الناس فوقه، فهو يهب الحياة، ويمتع الأنظار، ويمنح النسائم، وينقع الغليل، ويطفئ حرّ الصيف، ويهدّيء الأعصاب، وتجد عنده النفس بردا وسلاما. ولقد أدهشني مياهه الفياضة، وأمواجه الزاخرة، وضفافه الفسيحة الخضراء، وذكرني نهر النيل بنهر التايمز في لندن،وكوبري قصر النيل بكوبري ويستمنستر، ضخامة عرض، وغزارة مياه، وبديع منظر.

رايت افواجا من الناس من الجنسين ومن جميع الاعمار والألوان ينثالون على الكوبري من كل جانب، ويأتون اليه من كل فجّ عميق، ويتدفقون علىه تدفق السيل العارم، حتى انك لا تجد ممرا في الرصيف من كثرة الناس وازدحامهم. وبينا انا واقف هناك مع هذا الجم الغفير، فاذا بنا بسيارة تقف قريبا منا، وينزل منها عروس في زينتها. ترتدي فستانها الأبيض، والعريس يمسك بيدها، تغمرهما السعادة، وترتسم على محيّاهما ابتسامة مشرقة، ثم خطا العروسان خطوتين، ووقفا على كوبري قصر النيل يلتقطان الصور، وكان معهما اضواء عاكسة تقهر الظلام، وتزيد نورا على انوار بدورهما البهية، وكأنهما بهذه اللقطات أرادا ان يشهدا النيل على زواجهما، متفائلين ان يسبغ الله على عرسهما كمثل النيل فيضا من الخيرات والبركة، وان يديم حياتهما الزوجية، كما ادام سريان النيل، ويكتب لحبهما الخلود في حب وسعادة، كما وهب للنيل الخلود على تطاول العهد وكرّ العصور.

فلما رايت هذه العروس على النيل ذكرت قصة عذراء عروس النيل التى كان المصريون القدماء يزينونها في كل عام بأنواع الزينة، ثم يلقونها في النيل تقربا اليه وزلفى، ليفيض بالخير والبركة، وقلت في نفسي: وهل اشتاق المصريون الى مراسم هذا العهد البائد، وسوّلت لهم انفسهم إلقاء هذا الجمال الملائكي، والوجه المشرق والخد الأسيل، والعين الدعجاء، والبشرة الناعمة في النيل عروسا؟ ولكنني تنفست الصعداء لما رايت العروس والعريس يتجهان الى سيارتهما في جو من المرح والحب والود، وقد كنت قريبا منهما، ونشرا في الارجاء الرائحة الذكية، والأجواء العاطرة، وشذا العرف، ورياّ القرنفل، وامتزجت رياح نسيم الصبا من النيل بروائح العرف التي تفوح من العروسين، وأشاع ذلك كله في المكان جوا من السعادة، وادخل فى النفس السرور، وفي القلب الانشراح.

تأملت العرسين وهما يغادران، وأتبعت نظري سيارتهما وهي تزحف على الطريق حتى اختفت، ثم عادت بي الذاكرة الى الفتوح الاسلامية، وذكرت الرسالة التي كتبها امير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمر بإلقائها في النيل بدل إلقاء فتاة عذراء فيه، وذلك بعد ان اشتكى المصريون من الجفاف، وكتب سيدنا عمر في رسالته: (من عبدالله أمير المؤمنين، إلى نيل مصر. أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قِبَلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك) فهم النيل محتوى الرسالة العمرية، وجرى بإذن الله طوعا، وقلت في نفسي: ولولا الرسالة العمرية، ربما زفت هذه العروس الجميلة الى أمواج النيل بدل عريسها الوسيم ! وهذا هو الفرق بين حضارة انسانية تكرم الانسان، وتهتم بحياته، وتراه أفضل مخلوقاته، وبين حضارة تحتقر الانسان، وتستخف بحياته، وتستعبده وتسخره لقوى الطبيعة. وما كان سيدنا عمر نفسه يرى باسا في واد البنات في الجاهلية ولكن بعد ان شرح الله صدره للإسلام فكأنه خلق خلقا جديدا، ويكتب رسالة الى النيل لإنقاذ الحياة الانسانية من العبث الجاهلي.

وما لي وللاستطراد، والاستطراد آفة الكتّاب. دعني اعود الى النيل وأحدثك عن زيارتي الى ضفافه. فلما قضيت وقتا على الكوبري، لحظت مراكب ليلية تشق حيزومها في الماء، فحدثتني نفسي انه لا بد من النزول وركوب امواج النيل، فنزلت واستقلت باخرة ليلية بأجر زهيد، وانطلقت بنا الباخرة تجوب في نهر النيل، وعبرنا تحت الكوبري، وشعرت وانا في وسط النيل شعورا مريحا رهيبا، مريحا بما اراه من الجمال والزينة، ورهيبا بما استشعره من العظمة لهذا النهر العظيم الذي يحمل في جوفه اسرار القرون، وشهد تقلبات الدهر، وانقراض الأقوام، واندراس الاثار، وقيام الدول وانهيارها، وتشييد الحضارات وانقضاضها، وغزو الروم، واحتلال اليونان، والفتوح الاسلامية، وحملة نابليون، وجهاد الاستقلال، وغير ذلك من اخبار القرون الاولى وأحداثه العظام.وكيف لا تشعر برهبة وانت على متن من عاصر هذه الأحداث الجسام كلها ؟

وعندما تكون في كبد النيل تزداد القاهرة جمالا ويزداد النيل بهاء وحسنا، ولم يكدّر صفو رحلتي في النيل الا اصوات موسيقي عالية، بل صخب صارخ لا تشعر فيه طربا ولا تنسيقا ولا ترتيبا ولا وزنا ولا شيئا مما يريح الأذن، ويشرح الصدر، ويسلّي النفس، لقد تضايقت كثيرا من هذا الصراخ المزعج، وكنت اود لو كان الجو اكثر هدوء واقل نعيقا، لكي أحس متعة المناجاة مع النيل، فانني اجد لذة لا تعادلها لذة في رقرقة أمواجه، ونسيم هوائه، وعرف رياحه، وخرير مياهه. ولما دارت بنا الباخرة دورتها، وعادت بنا الى الشاطئ، شعرت في نفسي رغبة قوية في ازدياد متعة النيل، فركبت مركبا اخر، فانطلقنا بعد برهة، واذا الموسيقي الصاخبة تغزو أذني، ولكنها كانت اخف قليلا من الاولى واقل ازعاجا. واظن ان اصحاب المراكب الليلية يقصدون من وراء ذلك الترقية والتسلية والإمتاع، ولكن ما يمتع بعض الناس قد يؤذي بعضهم، ولله في خلقه شؤون.

ان مصر هبة النيل كما قال المورخ الإغريقي هيرودوت، وصدق هيرودوت. ولا ريب ان مصر هبة النيل، وقد منحها الماء الذي هو شريان الحياة، والحضارة المصرية كلها قايمة على هذا النهر وفيضانه وبركاته وخيراته، ولكن يمكن لنا ان نقول ايضا ان النيل هبة المصريين، فما ذا عسى ان يكون النيل دون هذا الشعب الأبيّ المكافح، صانع المعجزات، وباني الاهرامات، والذي أقام حضارات عريقة فوق وادي النيل وضفاف نهره العظيم؟.. ولقد لفت انتباهي ان المصريين ينتابهم الخوف من مستقبل مياه النيل وسط الخلافات المصرية الاثيوبية حول سدّ النهضة الاثيوبي الذي يراه كثير من المصريين خطرا حقيقيا داهما على انسياب مياه النيل الى أراضيهم. وكان معظم المصريين الذين التقيت بهم يبدون هذا الخوف، وبعضهم كان يلوم الاثيوبيين، ويشكك في نواياهم، ويتهمهم بالاستئثار بخيرات هذا النهر، وحبس مياهه في أراضيهم، ومن ثمّ حرمانهم من حقوقهم الطبيعية في مياه النيل الممتدة عبر التاريخ.

أرجو ان يفهم الاخوة الاثيوثيون والمصريون ان النيل ام معطاء، ولكل الحق في ان يستغل هذا المنبع بما لا يضر حقوق الاخرين. فعلى مصر ان تتفاهم حق الاثيوبيين في استغلال مياه النيل للتنمية الاقتصادية في بلدهم الذي ابتلي بالمجاعات والكوارث، وكيف يجوع بلد ينبع منه النيل، وتتفجر من هضابه العيون والأودية والأنهار؟ وكذلك على الاثيوبيين ان ينظروا الى مخاوف المصريين بعين الجد، وان يوضحوا لهم بما لا يدع محالا للشك خطتهم في استغلال المياه دون ضرر كبير لحقوقهم. نامل ان يجلس الطرفان حول مائدة المفاوضات وان يصلوا الى اتفاق عادل يرضى الأطراف جميعا. اما التهديدات المتبادلة وتوتير الأجواء فليس لصالح اي من الدولتين. كانت تنتابني هواجس من الخوف، وانا على ظهر مياه النيل، وكنت أرمق ببصري على فيض النيل، واسمع بأذني خرير مياهه، وأقول لنفسي: هل يعقل ان يأتي يوم يقف نبض هذا القلب الفياض بفعل الطبيعة او بفعل الانسان؟ وهل يمكن ان يجف سريان هذا المنبع الذي وقف شامخا يتحدى عوادي الايام وخطوب الدهر؟ ولما عادت بي الباخرة الى شاطئ الأمان نظرت الى النيل نظرة تحية ووداع، فرأيته يجري كما جرى منذ آلاف السنين، وينساب في تبختر وجلال وأبهة، كما كان ينساب عبر مئات القرون، غير مبال لنزاع الخصوم ايهم احق لخيراته، فانه كان شاهدا من قبل على الأجيال تختفي وتتعاقب، وعلى الدول تتخاصم وتتعارك، وعلى لحضارات تشاد وتتلاشى، وهو في جريانه منذ القدم يهب الحياة ويمنح الاستقرار.

عبدالواحد عبدالله شافعي.

وللحديث بقية.⁸

عبد الواحد عبد الله شافعي

كاتب صومالي من مواليد بلدوين ومقيم في بريطانيا. حصل على درجة الليسانس في الدراسات الإسلامية واللغة العربية من كلية الدعوة في ليبيا في عام ١٩٩٤. نال دبلوم ماجستير في اللغة العربية وآدابها من الكلية نفسها في عام ١٩٩٦. حصل على ماجستير في اللغويات وتعليم اللغات الأجنبية من جامعة لندن متروبولتان في بريطانيا في عام ٢٠١٦. يعمل في خدمة الجاليات المسلمة في بريطانيا. له مقالات وبحوث فكرية وسياسية منشورة في الصحف والمواقع العربية. يهتم بقضايا الفكر الاسلامي السياسي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات