مقالات

محاولاتي في مصادر تاريخ الصومال ومراجعه

ذكر العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي ( 901هـ/ 1428م ):  ” اتفقوا على الرجوع في كل فنٍّ إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فنٍّ غير فنه فهو مُتَعَنٍّ”.  ومن هنا كان لزاماً على الباحث المؤرخ أن يستقي معلوماته من مصادر مخصصة ومعتبرة.

والمعلوم أنّ أيّ مؤرخ أو باحث ينبغي أن تتوفر لديه مسانيد يعتمد عليها في كتابته وبحثه، ولا يمكن كتابة أي موضوع يراد له بالنجاح حتى يستقي صاحبه من مصدر موثوق قوي لها علاقة بموضوعه.

 شخصياً عانيت مشكلة تعامل مع مصادر تاريخ الصومال في وقت مبكر من حياتي العلمية، ويرجع ذلك إلى أوائل التسعينات في القرن المنصرم ولا سيما عند ما كنتُ في المرحلة الجامعية بحيث ما زلتُ أتذكر المشاكل التي واجهتني أيام دراستي في قسم التاريخ عند ما كنتُ في بواكير البحث العلمي في الدراسات التاريخية والحضارية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. بعد انتهاء السنة المنهجية الدراسة في مرحلة الماجستير وقع اختياري على عنوان ” الحياة العلمية في مدينة الزيلع ” ، وقد طلب مني مشرفي فضيلة الدكتور أبو أنس محمد بن صامل السلمي – حفظه الله وبارك الله في عمره وعلمه وأهله – أن آتي إليه خمس مصادر حتى يواقف الموضوع، وإلا سوف أتحمل المسؤولية، ولم تتوفر لدى الباحث ما يستند به ليعرف المصادر المناسبة،  لقلة بضاعته في ذلك المجال، وكانت النتيجة أن زهد الباحث العنوان بسبب عدم معرفته في المصادر  المختصة بالصومال، كما تمّ اختيار موضوع آخر معنون: ” انتشار الإسلام في  بلاد الصومال خلال ثلاثة القرون الأولى، ولكن الأمر لم يختلف عن سابقه.

وقد عانيتُ  كثيراً – منذ ذلك الوقت – قلة المصادر والمراجع التي لها علاقة بتاريخ منطقة القرن الإفريقي عموماً، وبلاد الصومال خصوصاً ؛ لعدم وجود مصدر يتناول في هذا المنحى أو دراسة تكون مدخلاً للموضوع، رغم توفر أغلب البلدان مصادر تاريخها وأدابها، وهو السبب التي جعلتني أجنح عن خدمة تاريخ بلادي إلى دراسة التاريخ الإسلامي العام في المراحل الأولى، لعدم إلمامي أنذاك المصادر التي سوف أعتمد عليها، وخوفي أن أقع في مشكلة تعوق للوصول إلى مآربي البحثية، وأنا في أول سلم البحث العلمي. ومنذ ذلك  الحين كان يراودني خدمة هذا المجال وملئ الفراغ العلمي والثقافي الذي عانيتُ ويعاني غيري من إخوتي وأخواتي هنا وهناك، بالإضافة إلى سد الأسئلة والاستفسارات التي كانت ترد عليّ دوماً عند ما اشتهرتُ بتخصصي في تاريخ المنطقة، بل وصدر لي بعض مؤلفات.

ولا شك أنّ من أهم المشاكل التي تواجه الباحث في التاريخ الصومالي – سواء من أهل الصومال أو غيرهم – هي صعوبة معرفة تلك المصادر أو الحصول عليها، بسبب بعثرة تلك المصادر والمراجع وعدم دليل أو دراسات تسلط الضوء على هذا المجال، مما يجعل بعضهم يظن نذرة ذلك المجال أو عدمه بسبب قلة المصادر والمراجع، والأمر ليس كذلك، وإنّما بسبب ندرة الدراسات والبحوث التي تبرز على ذلك بحيث لا يوجد على الساحة الثقافية والعلمية معين أو دليل يخدم للباحثين في التاريخ الصومالي وحضارته وينور الطريق أو يسهل الوقوف على المصادر، وما لها من صلة بالمادة البحثية،  ومن هنا قد رأيت أن أقوم على إملاء ذلك الفراغ في دولة انهارت كلية وانعدمت جميع مقومات الحياة، عسى أن أكون دليلاً للباحثين في تاريخ منطقة القرن الإفريقي في عصوره المختلفة.

والحديث عن المصادر ليست أمراً سهلاً يمكن مروره بالسهولة، لأنّ المصادر في الحقيقة ليست متكافئة في القيمة ولا هي موزعة على الزمان والمكان توزيعاً متساوياً من حيث المواضيع. والأصعب من ذلك تلك المصادر والمراجع التي لها علاقة ببلاد الصومال تاريخاً وحضارةً ، ومن هنا يترتب الرجوع إلى أغلب الموسوعات والحاويات والأسفار ككتب التاريخ والبلدان والرحلات والتراجم والجغرافيا وغير ذلك، ثم تجريدها بما فيها من المعلومات التي لها علاقة بالمنطقة، لأنّه لا يوجد مصادر أولية خصصت لتاريخ المنطقة وحضارتها، وخاصة فيما يتعلق بالتاريخ القديم والوسيط، ولا أخفي بأنني كنت أحلم مرات عديدة بإصدار كتاب يغطي هذا الأمر، رغم العناء في خوض هذا الموضوع لما يحتاج إلى بذل جهد وفير وعمل جاد وصبر متواصل. وفي سبيل تحقيق ذلك توكلنا على الله رغم صعوبته ، والله ميسر الأمور ومسهل المراد ، ويقيننا أنّ مثل هذا الكتاب سوف يقدم للباحثين خدمة جليلة، لا سيما أنّه يعتبر أول كتاب باللغة العربية – على الأقل بإذن الله – يحمل هذا العنوان ويرى النور.

وليس ثمة شك في أن البحث لتاريخ دولة من الدول ، يقتضي في البداية التعرف على المصادر التي يستقي منها المؤرخ والباحث أحداث هذا التاريخ ووقائعه ومراحله المختلفة، وتبين طبيعة هذه المصادر وأهميتها، فعلى أساس تلك الأهمية ،تكمن قيمة الدراسة ومصداقيتها،كما أن التعرف على المصادر يمثل خطوة أولية هامة تتلوها خطوات البحث العلمي المعروف، من جمع المادة العلمية من هذه المصادر، ونقد هذه المادة نقداً تاريخياً له مقاييسه ومعاييره التي يعرفها المشتغلون بالبحث العلمي التاريخي، ثم تحليل هذه المادة وإعادة تركيب الوقائع وعرضها، وغيره ذلك.

ولا شك أنّ تاريخ الصومال يحتاج إلى مزيد من الدراسات والبحوث، وهذا جميع الفترات التاريخية ؛ لأنّ ما توصل  إليه الباحثون حتى الآن ليس كافيا ، وفيها فراغ كيبر ولا سيما في العصور الأولية القديمة، وكذا في العصر الإسلامي منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى فتح  القسطنطينية على يد المسلمين العثمانيين، لذلك نرى ما تم انجازه حتى الآن لم يلب الحاجة كما أنه لم يغط تاريخ البلاد سواء في شؤونها التاريخية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية عبر العصور المختلفة، لأنّ أغلب ما تم من الدراسات والبحوث لم تعط العناية على الاعتماد على المصادر الأولية والأثار المتوفرة في القطر الصومالي، وأن مرد ذلك إنما هو ندرة المصادر والمراجع وتشتتها والتي حالت دون ظهور الكثير من الدراسات الصومالية الهامة على غرار البلدان الإسلامية الأخرى كاليمن والحجاز والعراق والشام ومصر  وحتى المغرب العربي،  وهنا باتت الحاجة ماسة إلى كتاب يعرِّف مصادر ومراجع  تاريخ الصومال ، ويدلل على مظان وجودها في الكتب القديمة والحديثة، ويضم شتاتها في مجلد واحد ، وذلك خدمة  للباحثين والدارسين لتاريخ المنطقة.

ومن المعلوم أن تاريخ أي مجتمع لا يمكن أن يدرس بدون معرفة لغته الأصلية علي الأقل ، ومن هنا يزداد صعوبة الدارسين لتاريخ المنطقة معانات أخرى لأنّ اللغة الصومالية وغيرها من اللغات في الشعوب القاطنة بمنطقة القرن الإفريقي لم تكن مكتوبة إلا في الآونة الأخيرة، مما جعل لزاماً على الباحثين الرجوع إلى مصادر ومراجع مكتوبة بلغة غير لغات شعوب المنطقة كحال اللغة الصومالية ، وغير ذلك.

والحقيقة ليس هدفنا في هذه الدراسة أن نقوم على مسح شامل لجميع مصادر ومراجع تاريخ الصومال في عصوره المختلفة، وإنما هدفنا أن نشير فقط إلى أهمية تلك المصادر وما نراه مناسبا الحديث عنه،  كما أننا نسلط الضوء على أهمية الآثار والنقوش رغم ما حصل عليها من الضياع والسرقة، وبدون هذا النوع من المصادر  سوف يشكل كثيرا من الغموض حول تاريخ المنطقة ولا سيما في الحقب التاريخية القديمة، ونعني ذلك المصادر النقشية والمتمثلة في الرسومات الصخرية والكتابات القديمة والنقوش، ونهدف من وراء ذلك كله توضيح المصادر والنصوص التي يمكن الرجوع إليها، وخاصة الجزئيات والمواضيع التي نريد أن نتناول بها. وهذا  النوع من الكتاب سوف يُزود المكتبة العربية وخاصة الصومالية وكذا الباحثين وكل من يرغب في البحث عن تاريخ الصومال ومنطقة القرن الإفريقي.

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات