مقالات

قطوف من العلاقات الثقافية والعلمية بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي (1)

لا شك أنّ الهجرة إلى طلب العلم يعتبر من أهم أنماط التعليم في العالم الإسلامي ، ومنطقة شرق إفريقيا كان أحوج ما تكون إلى ذلك، ومن هنا  لمن أراد التفقه في أمور دينه والتعمق في علوم الشريعة الإسلامية كان يتحتم عليه النزوح إلى الخارج لتحقيق مطلبه ، وكانت الجزيرة العربية الوجه الأمثل لآهل منطقة القرن الإفريقي، لقربها ولسهول الوصول إليها، بما في ذلك بلاد اليمن ومنطقة الحجاز التي تحتضن الحرمين الشريفين، لا غرابة في ذلك لأن اليمن والحرمين الشريفين يُعدّ من كثر الأماكن التي يتوجه إليها أهل الصومال وغيرهم من سكان منطقة القرن الإفريقي.

وربّ عالم متبحر مكث منطقة القرن الإفريقي مدة طويلها  وصار جزء منهم بحيث طاف مدنها، واختلط أهلها، ولكنّك لا تجد في إعداد أهلها في كتب التراجم والرجال، مثل العلامة فتح الله بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر التستري الذي أصبح من أهل الحبشة، رغم أنّ أصله كان من العراق وخاصة من مدينة بغداد، وقد خرج من بلاده مع أبيه وإخوته، ودخل اليمن ثم الهند ثم الحبشة وأقام بها دهراً ، ومما لا شك فيه أنّ فتح الله أفاد علمه للناس واستفاد منه، ولكن المصادر لم تشر إلى ذلك ، علماً أنّه كان حنبلي المذهب، وأنّ منطقة القرن الإفريقي كان يغلب عليها المذهب الشافعي مع  ذلك لم نجد ما يشير أنّه تأثر بالمذهب الشافعي السائد بالمنطقة، كما أننا لا نرى أثراً على المذهب الحنبلي هناك. وعلى أية الحال فالشيخ فتح الله رجع إلى مكة والتقى هناك الأمير يشبك لاساقي الأعرج حين كان هناك، وصحبه رغم أنّ الأمير كان منفياً من مصر، إلا أنّه لما عاد إلى القاهرة وتمكن أمرها عند ما تولى زمام السلطة حضر الشيخ فتح الله بن نصر الله التستري إلى الأمير فأكرمه وقربه، بل ويقال أنّه أسند مشيخة الخروبية في الجيزية التي استمر بها حتى وافته المنية في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وهو ابن بضع وستين.1

ولم تكن تقتصر العلاقة بين منطقة القرن الإفريقي والجزيرة العربية في النواحي العلمية والمعرفية فحسب، وإنّما سجل في التاريخ بأنّ العلاقة بين الجانبين تطرقت أيضاً على الجوانب الروحية والتربوية بحيث لم تكن تقتصر في نمط معيّن، وهذا الأمر نستشف من الزيارة التي قام بها فضيلة الشيخ صارم الدّين داود بن صالح المصنّف اليمني إلى منطقة القرن الإفريقي، إذ أنّ الشيخ صارم الدّين كان ممن وصل إلى المنطقة ومكث فيها مدة على الرغم من عدم تحديد فترة إقامته في المنطقة ، غير أنّه يظهر أنّها كانت فترة طويلة، كما أنّه لم تحدد مكان إقامته بالضبط، ولكن يظهر أنها كانت زيلع أو منطقة ساحلية قريبة بزيلع، وقد أشار البريهي بأنّ الشيخ صارم الدّين عبدَ الله تعالى بجزيرة مشهورة هناك يأكل الأشجار ويشرب من ماء فيها قبل أن يعود إلى بلده أب في جنوب اليمن. والشيخ صارم الدّين داود رغم أنّ أب كانت مسقط رأسه، وترعرع فيها، إلا أنّه انتقل إلى مدينة الفراوي جبراً لا اختياراً، بحيث لم تكن رغبته أن يفارق من بلدته الأصلية، وإنما حدث في ذلك خوفاً على نفسه من شيخ بلده بسبب ما نسب إليه من موالاة ولد أخته المسمى محمود بن الشيخ جلال بن محمد السيري، فقد كان الشيخ جلال المذكور تزوج أخت الشيخ صارم الدّين المذكور، وأُنجب له منها ولد وهو المذكور فخاف المستقيم بالأمر ببعدان من بعد الشيخ الجلال من هذا  الولد فأسره، ثم فكه الله تعالى بعد ذلك. 2

عاش الشيخ صارم الدّين هذا مسرفاً على نفسه في مرحلة شبابه، غير أنّ حياته استقامت فيما بعد عند ما تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى وحسنت توبته، بل وانشغل العبادة والتعلق بربه، وذهب إلى رحلة الحج على قدم التجريد ماشياً غير راكب إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، بل بعد أداءه لفريضة الحج مكث هناك مجاوراً قرابة عامين، وكان يصوم بالنهار ويقوم الليل ويحتطب على ظهره ثم يبيع الحطب فيتصدق بالنصف من ثمنه ويأكل النصف. ومن ناحية الأخرى كان الشيخ صارم الدّين قريباً إلى مجالس العلماء ولا سيما الصالحين والزهاد، بحيث ركز على التصوف بعيداً عن حب الذينا وملذاتها، وعدم ايثارها على الآخرة، واختار مصاحبة الشيخ محي الدّين عمر العرابي وتحكّم على يديه، ولزم طريقة التصوف والتأذب بآدابهم، وعُدَّ من الزهّاد والعُبّاد، ثم رجع إلى بلده أب لابساً للخشن كغراير الصوف والسُّلب، ولشدة تواضعه كان يحمل الماء على ظهره ويسقيه الناس في الجامع والمدارس وغيرها، ثم حُبب إليه الرحلة والسفر إلى آفاق مختلفة، حتى وصل إلى بلاد الحبشة والحجاز، ثم استقر أمره في اليمن بحيث تنقل فيها أكثر من منطقة، حتى وافته المنية في سنة خمس وثلاثين وثمانمئة من الهجرة النبوية الشريفة.هكذا كان حال الشيخ صارم الدّين قبل مجيئه إلى منطقة القرن الإفريقي مهذباً وزاهداً ميالاً إلى النواحي التصوف والزهد، وربما تأثر بعض الناس بمدرسته الزهدية، بحيث لم تروى عنه نشاط علمي خلال وجوده في المنطقة، كما أنه لم يترك مصنِفاً واحداً رغم أنه يلقب بالصنّف ، وهم اسم عَلَم وليس مُصنِّفاً. 3

وممن وصل إلى المنطقة ومكث فيها السيد هارون بن عبد الرحمن جمل الليل الذي قدم من حضرموت في القرن العاشر إلى عمان ثم استقر في منطقة الساحل الإفريقي الشرقي، أما حفيده السيد الحبيب عبد الله المعروف بـ ” صاحب الطيور ” توغل إلى عمق الساحل حتى وصل إلى جزائر القمر، وخاصة منطقة انجزيجه قبل وفاته بالبرح، وكان معه ابنه السيد أحمد بن عبد الله المعروف بـ”أيهوفي”، وهؤلاء استقروا هناك واندمجوا بالمجتمع اندماجاً حقيقياً، عند ما صاهر الأخير بالسكان الأصليين في الجزيرة، وكوّن أسرة حتى توفي هناك، فكان رحمه الله ممن أمضى جلّ حياته في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وقيام أمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 4

وقد تفرع السيد أحمد بن عبد الله وينتسب إلى بعض الفضلاء من آل جمل الليل مثل السيد صالح بن علوي بن عبد الله بن حسن بن أحمد بن عبد الله والذ ترجم له صاحب شمس الظهيرة.

وأحيانا كان يكفي أن يصل بعض   العلماء والأعلام المهمة إلى المناطق القريبة بمنطقة القرن الإفريقي مثل: جزيرة سقطرا كما فعل ذلك السيد محمد بن أحمد بن أبي بكر شميلة، و آل شيخ عمر وآل أبي بكر محمد با شميله الذين سكنوا بجزيرة سقطرا وظفار. ومن فروعهم السيد محمد بن أحمد بن أبي بكر شميله، بحيث والده أحمد توفي عام ستة عشر وتسعمائة بالحبشة، وكان له عقب بها، وكذلك أخوه علوي أعقب ببوش بالحبشة، وابن أخيه أبو بكر بن علوي بن أحمد المتوفى عامـ خمس وخمسين وتسعمائة بمدن، وكذا أخوه عمر وعثمان بالحبشة. 5

الهوامش:

1 – السخاوي: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن (ت902ه): ضوء اللامع لأهل القرن التاسع ، ط/1، دار الجيل، بيروت، عام 1412هـ / 1992م، 6/ 173

2 – البريهي، عبد الوهاب بن عبد الرحمن البريهي السكسكي اليمني(ت904ه): طبقات صلحاء اليمن المعروف بتاريخ البريهي، تحقيق: عبد الله محمد الحبشي، مكتبة الارشاد بصنعاء – اليمن، الطبعة الثانية عام 1414ه/ 1994م، ص 64.

3 – البريهي، عبد الوهاب بن عبد الرحمن البريهي السكسكي اليمني: طبقات صلحاء اليمن ، مصدر نفسه ، ص 64 – 65.

 4 – انظر المشهور، السيد الشريف عبد الرحمن بن محمد بن حسين( ت 1320ه): شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي، فروع فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، عالم المعرفة، ط/1، عام 1404هـ/ 1984م ، جدة – السعودية، ص 491 – 493.

5 –  شمس الظهيرة،  االمرجع نفسه ص 221

د/ محمد حسين معلم علي

من مواليد مدينة مقديشو عام 1964، أكمل تعليمه في الصومال، ثم رحل إلي المملكة العربية السعودية ليواصل رحلته العلمية حيث التحق بجامعة أم القرى قسم التاريخ الإسلامي حيث تخرج في عام 1991م، ونال الماجستير بنفس الجامعة في عام 1998م ،كما واصل دراسته في كل من السودان والنرويج، حيث نال درجة الدكتوراة بجامعة النيلين عام 2006م، أما في مملكة النرويج فقد تخصص بالدراسات التربوية وكذا الثقافات واللغات المتعددة في جامعة همر بالنرويج. وعمل أستاد التاريخ والحضارة الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مقديشو - الصومال، وهو عضو في عدد من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، أصدر "ديوان الشاعر بعدلي" عام 2002م ، و"الثقافة العربية وروّادها في الصومال" عام 2010م، وله عدة بحوث أخرى، يقيم الآن بالنرويج .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى