مقالات

 الصومال وجدلية الهوية والتاريخ (2): لمحات حول تاريخ المدن والقبائل الصومالية

تعتبر الكتب العربية من أهم المراجع الأساسية لمعرفة تاريخ الصومال بحكم اتصال العرب بمنطقة شرق افريقيا وعلاقاتهم التجارية القديمة إلا أن المؤرخين والجغرافيين العرب لم يقدموا معلومات واضحة شافية عن تاريخ ما يعرف اليوم بالصومال ومدنها وقبائلها إبان الفترة التى سبقت دخول الإسلام في تلك المنطقة الا النزر اليسير، وبعض الملاحظات العارضة، وهذه الملاحظات ذاتها لا تتناول الحالة الدينية والسياسية والاجتماعية وانما تقتصر على تدوين بعض أسماء المدن ومواقعها وحدودها،  ولم تشر  إلى نشأة هذه المدن وتطورها التاريخي ومظهرها العمراني وحجمها السكاني. وكذلك لا نبالغ إذ قلنا لم تتوفر معلومات تاريخية معتمدة حول المدن الصومالية  الا ما كتبه المتأخرون من المؤرخين والجغرافيين العرب ، من أمثال ابن فضل الله العمري من القرن الثامن الهجري والمقريزي من القرن التاسع الهجري، وياقوت الحموي من القرن السابع وابن بطوطة من القرن الثامن الهجري، وأن هؤلاء أنفسهم تناقلوا الأخبار والآثار فيما بينهم، غير ان المؤرخ والجغرافي ابو حسن المسعودي الذي عاش في القرن الثالث الهجري ذكر شئيا متميزا عن سواحل الصومال.  ولذلك من الصعب تحديد أبعاد تاريخ الصومال وطبيعة مدنها القديمة وخاصة في الفترة التي اعتنق الصوماليون للإسلام أو التي تلتها ، ولم  تحسم بعد مسألة طرق انتشار الإسلام في الصومال وهناك جدل واسع وتضارب في المعلومات وشح في الموارد التاريخية فيما يتعلق بالتطورات التاريخية للمدن الصومالية قبل وأثناء دخول الإسلام .

أخبار وآثار حول المدن الصومالية: عرض ونقد

عرف المسلمون بشرق افريقيا بأسماء عدة منها الحبشة المعروفة، وبلاد البربر وهو ما يعرف اليوم بالصومال وحدها الجنوبي مدينة براوة، وبلاد الزنج من براوة الي سوفالا والجزر البحرية.

 المسعودي( ٢٨٣-٣٤٦هجري)[1]  من الأوائل الجغرافيين العرب الذين كتبوا عن الصومال حيث ذكر بلاد البربر في عرض حديثه عن ساحل البربر وقال : وله خليج متصل بارض الحبشة يمتد الي ناحية بربري من بلاد الزنج والحبشة، ويسمي خليج البربري..

ويقول أيضا: وأهل المراكب من العمانيين يقطعون هذا الخليج الي جزيرة قنلو من بحر الزنج، وفي هذه المدينة مسلمون بين الكفار من الزنجي ويزعمون( اهل المراكب) ان هذا الخليج البربري يعرفونه ببحر بربري وبلاد حافوني،  واذا دخلوا في البحر وهاجت بهم الأمواج يرتجزون ويقولون،

بربري وحافوني   وموجك المجنون     حافوني وبربري  وموجها كما ترى.

وبعد قرنين من المسعودي نجد خبر بلاد البربر عندالإدريسي[2] الذي عاش في القرن السادس هجري.

ويقول: ويتصل ارض الحبشة علي البحر ببلاد بربرة وهم تحت طاعة الحبشة.

ومن مدن الحبشة الساحلية مدينة زالغ (زيلع) ومنقونة واقنت وباقطي الي  ما اتصل بها من عمارات قري بربرة، وكل هذه القري ميرتها مما يتصيده أهلها من السمك  و الألبان.

ومدينة زيلع صغيرة القطر كثيرة الناس والمسافرون إليها كثير، ويذكر أيضا بلدات اخري مثل: قلجون، التي في البرية مقابل زيلع، ومدينة اقنت التي ليست بكبيرة ولا بكثيرة الخلق وأكثرها خراب وأهلها قليل وأكثر اكلهم الذرة والشعير وسمكهم موجود وصيدهم كثير وعامة أهلها يعيشون من لحوم الصدف، ومن اقنت تأتي باقطي  التي تبعد مسيرة خمسة أيام وهي مدينة صغيرة، ومنها على ثمانة ايام مدينة بطا وتتصل بها قري بربرة وأولها جوة وهي منها قريبة،ضمن إقليم الأول من ناحية الجنوب تقع مدينة قرقونة ومركة والنجا  وهذه البلاد الثلاثة من ارض بربرة واليها تنتهي عمالتها.

ومن جوة الي قرقونة يومان في البحر، ومن قرقونة الي برمة ثلاثة أيام ويبتدئ منها جبل حافوني ويذكر صفة الجبل، وبعدها يقول:  وتلي رؤس هذا الجبل بلاد صغار كالقري يقال لها الهاوية، ومن حافوني الي مركة علي الساحل ثلاث مجاري صغار وفي البر سبعة ايام ، وعلي مرحلتين من مركة في البرية واد يمد كمد النيل وعليه يزرعون الذرة، ومن مركة الي بلد النجا علي البحر يوم ونصف يوم وعلي البر أربعة أيام والنجا اخر بلاد بربرة.

ومن النجا الي قرنوة ثمانية ايام وهي مدينة صغيرة على البحر  ومنها الي بذونة ستة ايام وهي قرية كبيرة مسكونة آهلة وأهلها يأكلون  القاذورات التي يعاف الناس أكلها وهذه الأرض تليها بلاد الزنج، قرنوة وبذونة أهلها كفار هما تتصلان ببلاد الزنج علي ضفة البحر الملح، كل هذه البلاد المذكورة تقابل اليمن في جهة الشمال. انتهي.

كل هذه المدن والقرى التي ذكرها الإدريسي أكثرها غير معروفة اليوم بالأسماء التي ذكرها ان لم تكن غير موجودة، ولقد علق جوليان[3] علي كلام الإدريسي باستفاضة، وبين الخلل الذي فيه، وعدم دقته في تحديد أو تعيين أماكن المدن وترتيبها، ونذكر بعضا من تعليقاته.

يقول جوليان : “نرى انه لا ضرورة الي التوسع في وصف الإدريسي لأننا قد استنتجنا بعد البحث التدفيق والتمحيص انه لا يمكن الاعتماد على وصفه في تعيين النقط المعلومة لنا في الوقت الحاضر حتي علي وجه التقريب ومركة هي المدينة الوحيد المعروفة لدينا اليوم، وان النجا واقعة قبل مركة اذا اتجه السائر إليها من الشمال الي الجنوب، ولكن الإدريسي يقول انها واقعة بعد مركة وانها آخر نقطة ببلاد البربر ويعتقد جوليان ان النجا تقع حيث توجد مدينة “وارشيخ”.

ويذهب جولين إلي أن كل هذه المدن المذكورة ما عدا مركة وبراوه وبذونة وقرفونة، تقع بين منطقتي وورشيخ وزيلع وان الصومال كانت غير مسلمة في عصر الإدريسي، وأن قبيلة هوية موطنها علي عصر الإدريسي تحوي شبهة جزيرة حافون ثم اكتسحو فيما بعد الي داخل البلاد.

ونستخرج من كلام الإدريسي وتعقيب جوليان عليه ان مقديشو لم تكن موجودة في ذلك العصر وان مركة وبراوة كانتا من مدن الكفار.

وكذلك ابن سعيد المغربي[4](القرن السابع هجري) الذي جاء بعد الإدريسي بمائة وعشرين عاما   وسلك نفس المسلك في تحديد مواقع المدن وحيثياتهم، لكن الجديد فيه ذكره بربرة احيانا كأنها مدينة حيث بقول: وبربرا قاعدة البرابر التي ذكر امرؤ قيس خيلهم، ورقيقهم مستحسن، وقد اسلم أكثرهم ولذلك عدموا في بلاد الإسلام، وهذه المدينة حيث الطول ٦٨ درجة والعرض ست ونصف.

سبق وأن أشرنا الي أن الإدريسي وقبله المسعودي لم يذكرا بربرة كمدينة بل كبلاد ولم يتحدثا ايضا عن إسلام اهلها وكذلك لم يذكرا أيضا  مقديشو، ونفهم من سياق حديث ابن سعيد عن البربر بانهم كانوا حديثي عهد بالإسلام.

ويعقد ابن سعيد أكثر عند ما يذكر نيل مقديشو وعن مساره، ويقول “ونيل مقديشو لا يزال يصعد في هذا الجزء حتي عرض ١١ درجة حيث الطول ٦٦ درجة ثم ينحدر علي شرق بربرة ويبقى بينها وبينه نحو درجة ثم ينحذر علي شرقي مقديشو” .  وكذلك موقع مدينة مركة  لم  يوضح موضعها بنسبة لمقديشو هل هي عن شمالها ام جنوبها، ويقول ابن سعيد بعد حديثه عن جبل حافوني “وفي شرقيه من بلاد بربرا المشهورة علي البحر مركة حيث الطول ٦٩ د وثلاثون دقيقة والعرض درجة وعشرة دقائق، وأهلها مسلمون وهي قاعدة الهاوية التي تنوف علي خمسين قرية، وهي شاطئ نهر يخرج من نيل مقديشو وينصب علي مرحلتين من المدينة في شرقيها، ومنه فرع يكون حوض مركة، وفي شرقي ذلك مدينة الإسلام المشهورة في ذلك الصقع والمترددة الذكر علي السن المسافرين وهي مقديشو حيث الطول ٢٧ درجة والعرض درجتان، وهي علي بحر الهند ومرساها غير مأمون الأنواء”.

علي الحالة التي نعرفها اليوم بكلتا المدينتين ومواقعها الجغرافي، والنهر الذي يمر قريب منهما الا هو نهر شبيلي، يظهر لنا جليا أن هذا الوصف غير دقيق وغير ممكن، والغريب في الأمر اقحامه بربرة عند ذكر مسار نيل مقديشو، ومن المعروف أن بربرة بعيدة عن مقديشو ونيله، وكذلك الحال لمركة التي نعرفها اليوم  بنسبة لجبل حافوني بعيدة عنه، أللهم اذا كان يقصد من وجه المقاربة والنسبية، وأما الهاوية لا تقل إشكالية من نيل مقديشو حيث أن الإدريسي جعل قري الهاوية عند جبل حافوني، بينما ابن سعيد يجعل قاعدتها مدينة مركة، يحتمل ان الهاويه خلال مائة وعشرين سنة التي تفصل بين الإدريسي وابن سعيد توسعت جنوبا الي أن انتشرت  في مركة، وايضا يبدو أن  خلال هذه الفترة تأسست مدينة مقديشو، عدم ذكر الإدريسي مقديشو في كتابه يجعلنا نؤمن انها لم تأسست بعد،  لأنه من المستبعد عدم ذكرها لوعرف بوجودها.

ويقول ياقوت الحموي في معجم البلدان، في حديثه عن مقديشو: مقديشو هي أول بلاد الزنج في جنوب اليمن في بر البربر في وسط بلادهم، وهؤلاء البربر غير البربر الذين هم بالمغرب، هؤلاء سود يشبهون الزنج جنس متو سط بين الحبشة والزنوج، وهي مدينة علي ساحل البحر وأهلها كلها غرباء ليسوا سودان ولا ملك لهم إنما يدير أمورهم المتقدمون علي إصلاح لهم، واذا قصدهم التاجر لا بد له من ان ينزل علي واحد منهم ويستجير به فيقوم بأمره، ومنها يجلب الصندل والابنوس والعنبر والعاج. انتهى.

ومما يثير الدهشة والاستغراب   وصف الجغرافيين العرب للمدن ومواقعها، وترتيبها الجغرافي او المكاني  وتبعيتهم او نسبتهم لبلد ما، تارة يلحقونهم للحبشة وتارة لبلاد البربر واخري للزنج.

من الصعب تحديد تاريخ انشاء المدن الساحلية، وامكانية ووجود مدن عامرة و آهلة بالسكان قبل الإسلام في الصومال، كل ما نعرف انه وجدت اتصالات تجارية بين الحضارات القديمة وبين سواحل شرق افريقيا، اما عن طبيعة هذه الاتصالات  او ماهيتها هو محل نقاش.

هناك تساؤلات حول ما اذا كانت هذه المعاملات التجارية تتم مع أناس حضريين يسكنون في مدن او تجمعات سكنية ثابتة، ام مع اناس مهملين يسكنون في الكهوف او في الغابات، أو بدو رعاة .

إمكانية وجود تجمعات سكنية في الفترات التي سبقت دخول الإسلام يمكن إثباته من خلال تنقيب بعض الآثار وبقايا اطلال لبنايات حجرية وأواني فخارية  التي وجدت في بعض المناطق الساحلية، وان كان البعض يري انها حديثة وتعود لفترة ما بعد الإسلام.

ومن المعروف أن العرب كانت لهم صلات وعلاقة تجارية مع شرق افريقيا قبل الإسلام ، وأقاموا مراكز تجارية في المناطق الواقعة على طول السواحل والداخل وأن هذه العلاقة تواصلت وتعززت بعد الإسلام واخذت طابعا دعويا إلى جانب طابعها التجاري، لدعوة السكان المحليين الي الإسلام، ومع مرور الوقت تحولت هذه المراكز التجارية الي مستعمرات، تبعتها او رافقتها  هجرات عربية او فارسية اخري مثل  هجرة اتباع زبد بن علي زين العابدين الذين فرو من بطش الأمويين بعد مقتل إمامهم زيد الي شرق افريقيا وأقاموا مدنا على السواحل   وكذلك هجرة الأخوة السبع من الإحصاء عقب حروب القرامطة مع العباسيين وسيطرة القرامطة الأحساء واجزاء كبيرة من الجزيرة العربية. وهناك أيضا جماعة جاءت من فارس الشيرازيين  واخري من خراسان من مدينة نيسابور، وهذ يدل علي ان العناصر العربية والفارسية لهم دور محوري في عمارة المدن الساحلية، والطراز المعماري العربي (والفارسي وان بشكل محدود) لهذه المدن  لهو دليل واضح، وهناك نقوشات وكتابات في بعض المساجد مقديشو و مركة  وبراوة، وبعض القبور التي تعود لهذه العناصر، اقدم كتابة  مؤرخة وجدت في مقديشو وهي  تاريخ بناء مسجد او تاريخ وفيات والتي تعود لقرن السادس الهجري، وقد جمع الإيطالي انريكو جرولي عدة مخطوطات عربية في مقديشو منها وأهمها وثيقة اتفاق قبائل مقديشو لاختيار سلطان لهم بعد ثلاثة قرون بدون سلطان إنما كان يدير أمورهم شيوخ القبائل كل قبيلة لها شيخها، واخري لسيدة توثق عتق عبدها، وكذلك عدة كتابات علي القبور بإسم المتوفي  وبتاريخ الوفاة.

من الصعوبة بمكان تحديد الأسبقية في إنشاء هذه المدن، وهناك روايات متضاربة حول هذا الشأن.

ومن أهم مدن الصومال قديما وحديثا بلا منازع هي مقديشو مدينة الإسلام او مدينة المسلمين[5]، ونقل البرتقالي يوحنا دي باروس ، ان جماعة كبيرة العدد من العرب أصلها من مدينة مجاورة للإحساء نزلت في ثلاث سفن بقيادة الأخوة السبع الذين فرو من جور سلطان مدينتهم فهبطوا شاطي ازان وكانت مقديشو اول مدينة تأسست ثم نلتها براوة والتي كانت في عهد احتلال البرتغاليين جمهورية تحت سيادة اثني عشر شيخا وكانوا سلالة الأخوة السبعة الذين اسسوها، اما مقديشو كانت مملكة قوية ذات شوكة ونفوذ وكان سكانها الأول من الزيديين  فقد ابو الخضوع لحكامها من العرب المتأخرين لاختلافهم في المذهب فلما عجزوا عن مقاومتهم نزحوا الي داخل البلاد وتزوجوا وامتزجوا من الزنوج فبهذا الامتزاج تكونت أمة خليطة من العرب والزوج[6].

يقول العالم دي هربلوت نقلا عن عبد المتعال الفاسي ان مقديشو اسست في عهد الفاطميين ومعلوم ان أسرة هؤلاء الخلفاء بدأت بالحكم ٢٩٦ هجري[7].

أول من كتب عن بعض المدن سواحل الصومال المعرفة  بالتفصيل هو الرحالة المغربي ابن بطوطة ضمن رحلته الطويلة حول العالم. بدء ابن بطوطة رحلته الي سواحل شرق افريقيا من مدينة زيلع قادما من مدينة عدن الساحلية، ووصفها مدينة البربر وانها مدينة كبيرة ولها سوق عظيم، وأهلها سود الألوان شافعيو المذهب  وفي نفس ألوقت يقول إنهم رافضة يعني شيعة وهذا تناقض عجيب، ويقول أيضا مدينة قذرة نتنة بسبب كثرة سمكها ودماء الإبل التي تذبح فيها، حيث كره المبيت داخلها.

 ومنها انتقل ابن بطوطة الي مقديشو التي كانت تحت حكم سلطان أبوبكر بن شيخ عمر المتحالفة مع قبيلة اجوران الصومالية القوية الحامي والحارس علي التجارة الداخلية والقوافل التجارية من والي مقديشو، ومن الملفت ذكر ابن بطوطة كون سلطان مقديشو يتكلم بالعربي وبالمقديشى فضلا عن كونه من البربر، وإذا افترضنا صحة  كلام ابن بطوطة اذا ثمة اشكالية تحتاج الي حل وهي: من المعروف أن الأسرة الحاكمة أنذك من أصول عربية، وابن بطوطة يقول انه من البربر، فكيف الجمع بين هذين القولين.

يكون حل هذه الإشكالية من عدة وجوه:

الوجه الاول : يحتمل ان يكون المقصود بالمقديشي  باللهجة المحلية وهي لهجة معروفة ومستعملة في مقديشو الي يومنا هذا ويسمي ايضا البنادرية او بلهجات اخري كالتي تستعمل في مركة اوفي براوة، وليس بالضرورة ان يكون المقصود باللغة الصومالية الحالية، وهذا نتيجة احتكاك واختلاط سكان مقديشو  بالقبائل الصومالية القاطنين حول مقديشو اوالواردين من خارجها للتجارة او الدراسة.

الوجه الثاني: أن يكون هذا السلطان ابن لزيج مختلطة او نتيجة تداخل وتزاوج بين العربي والزنجي او الصومالي، وان القبائل العربية المؤسسين لمدينة مقديشو انصهروا وامتزجوا مع السكان الأصليين من الزنوج ومن الصوماليين وبذلك فقدو سماتهم اللغوية والعرقية الأصلية.

والثالث: الاحتمالين السابقين معا، وانا أرجحه، لان احتمال الأول ما هو إلا ثمرة الاحتمال الثاني.

 في فترة حكم سلطان ابوبكر شهدت مقديشو نموا وازدهارا كبيرا في العمران والتجارة والصناعة، وذاع صيتها في الآفاق ووصلت ازهي عصرها وكانت تصدر منتجاتها الصناعية  والزراعية الي مصر والجزيرة العربية، وجزر المحيط الهندي كجزر مالديف، وقد وصف ابن بطوطة مقديشو وصفا دقيقا مما لقيه من كرم الضيافة وحسن الاستقبال، وبالغ في ثنائها  وقال إنها مدينة كبيرة متناهة في الكبر وتكلم بحسن وكرم سلطانها، عكس زيلع حيث ذمها ولم يذكرها بخير ويعزو الدكتور بشار اكرم جميل [8]هذا كونه  لم يجد في زيلع  استقبالا حسنا ولم يهتمو به وهذا دأب ابن بطوطة يمدح كل المدن التي لقى فيها استقبالا وتكريما ويذم او يسكت عن الذين لم يجد فيها ترحيبا، انتهي.

وتحدث  ابن بطوطة عن عاداتهم وتقاليدهم في استقبال الضيوف والمراسيم الرسمية، والقضاء، وأنواع الطعام والفواكه، وكيفية اعدادها، وأنواع ملابسهم وطريقة لبسهم وغيرها، والبضائع التي يصدرونها الي الخارج والتي يستوردونها من الخارج.

وظل حال مقديشو مزدهرا يقصده الناس من كل حدب وصوب ونالت شرف اللقب بمدينة المسلمين، الي ان جاء البرتغاليون الي سواحل شرق افريقيا، واستولوا علي اهم مدنها ما عدا مقديشو، وأثناء ذلك بدأت قوة سلطنة مقديشو ومعها الاجوران التي كانت تحمى مقديشو من الخارج في الأراضي الداخلية تتلاشي بسبب توقف التجارة علي سواحل شرق افريقيا علي خلفية سيطرة البرتغاليين عليها والحصار الذي فرضوه علي ميناء مقديشو، وايضا بسبب الحروب والنزاعات التي دارت بين القبائل المحيطة بمقديشو، وبهذه الأسباب وغيرها أدت الي أفول نجم  سلطنة مقديشو ومعها الاجوران. وبهذا دخلت مقديشو مرحلتها المظلمة وانحطاطها بسبب تسلط البدو عليها، والصراعات الدولية في شرق أفريقيا ومحيط الهندي .

وأثناء ذلك ظهر  لاعبين جدد في المسرح االسياسي والعسكري في البنادر والمناطق الداخلية القريبة لمقديشو، فقبيلة الابغال المنتمية الي قبائل هوية الصومالية  استولت علي  مقديشو بعد تغلبها علي قبيلة اجوران التي كانت تحكم المناطق الداخلية الي حدود الحبشة غربا وبعض المدن الساحل وحليف لسلطان مقديشو، وأصبح إمام الابغال حاكم مقديشو، لم تستطع مقديشو النهوض من جديد كونها تحت قبضة  البدو الذين ليسوا اهلا لإدارة مدينة عريقة وكبيرة كمقديشو   وذلك لعدم امتلاكهم الخبرة السياسية والحضارية والثقافية والمدنية التي تأهلهم ان يحكموا بلدا بهذا الحجم.

وكذألك كان حال المدن الساحلية الأخرى كمركة وبراوة وقعن تحت سطوة القبائل البدو الصومالية حيث سيطرت قبيلة بيمال مركة بعد قتل أمير اجوران الذي كان بزيارة الي مركة، وقبيلة توني على براوة، وغليدي علي المناطق الداخلية ( الأراضي الخصبة بين النهري شبيلي و جوبا) ، وأصبحت افغوي قاعدة له.

وبهذا انتهت أسطورة سلطنة اجوران التي دامت عدة قرون، وبدورهم خاض اللاعبون الجدد فيما بينهم صراعات قديمة جديدة للسيطرة والنفوذ علي الاراضي التي  طرد منها الاجوران وقد تمكنت غليدي التغلب واخضاع جمع من القبائل القاطنة حول مقديشو ومناطق الداخلية لنفوذها، الا بيمال  وقد استعصت عليه رغم قوته وقلة بيمال وانحصاره علي شريط ساحلية ضيق الممتد من الجزيرة جنوب مقديشو الي منغية جنوب مركة.

في المقال القادم نكمل حديثنا عن القبائل. إن شاءالله.

[1] مروج الذهب ومعاذن الجوهر

[2] نزهة المشتاق في اختراق الآفاق

[3] مؤلف وثائق وجغرافية وتاريخية وتجارة عن افريقيا الشرقية

[4] كاتب واديب مغربي في القرن السابع هجري في كتابه وصف الكون

[5] ابن سعيد مصدر سابق

[6] جوليان  مؤلف كتاب وثائق وجغرافية وتاريخية وتجارة عن افريقيا الشرقية

[7]مصدر سابق جوليان

[8] مؤلف البلدانيين المسلمين في تدوين حضارة أفريقيا

خالد إبراهيم

باحث في تاريخ الصومال

مقالات ذات صلة

5 thoughts on “ الصومال وجدلية الهوية والتاريخ (2): لمحات حول تاريخ المدن والقبائل الصومالية”


Fatal error: Call to undefined function the_comments_navigation() in /home/content/68/11602068/html/wp-content/themes/MC/comments.php on line 47