مقالات

عــيــوب الـديـمقـراطـيـة  

يقول أحد أصدقائي: ( إن أفضل ما أنتجه عقل البشرية هي الديمقراطية )، وانطلاقا من هذه العبارة تعتبر الديمقراطية آلية جيدة للحكم نوعاً ما ونظام سياسي ومالي شامل ومتكامل، له أركانه وأدواته،وخطواته لممارسة السلطة  في نظر المعجبين به، ولها طرق واضحة المعالم، لتداول السلطة، انتخاباً واختراعاً ، وقيادة الشعوب والأمم . ولها أيضاً مفاهيم ومبادئ ومعارف عديدة ومتشعبة . 

الديمقراطية : كلمة يونانية مركبة من لفظين هما ( ( Demos وتعني الشعب ، وكراتوس ( Kratos) ومعناها السلطة وبذلك تعني الديمقراطية في أصلها اليوناني ( سلطة الشعب ) وكان فلاسفة اليونان القدماء هم أول من تحدث عن الحكومة الديمقراطية . فقد ذكرها أفلاطون بقوله: إن مصدر السيادة هو الإرادة المتحدة للمدينة ( الشعب ) . كما قسم أرسطو الحكومات إلى ثلاثة أنواع : ملكية وأرستقراطية وجمهورية . وكان يقصد الجمهورية ، الحكومة التي يتولى زمام الأمور فيها جمهور الشعب أو أكثريته . 

ولتبسيط الأمر سأورد هنا ، تعريفاً مقتصراً للديمقراطية ، بل تعريفان اثنان لا ثالث لهما . 

التعريف الأول : الديمقراطية أن يحكم الشعب نفسه بنفسه . 

التعريف الثاني : الديمقراطية هي حكم الأغلبية على الأقلية . 

ولمعرفة ماهية الديمقراطية ولتطبيق التعريفين المذكورين سلفاً يجب أن نسلك سبل ممارسة الديمقراطية وأبسط آلياتها تبدأ باختراع سري عبر صندوق انتخابي أو تصويت جماعي بطريقة حرة ونزيهة وشفافة.  وهذه آليات وإجراءات وأساليب وأدوات للممارسة عين الديمقراطية .  

وفي ظل قوانين ومبادئ متعارف عليها ومتفقة، يتنافس خلالها حزبان أو شخصان أو عدة جماعات وأشخاص، وكل هذه أدوات وأحزاب ومنافسات شريفة وغير شريفة .

لا تورقني ولا تهمني، لأنها مجرد مراحل وخطوات ومخاض عسير لم ينجح ولم يثمر بعد.

الذي أصبو إليه والذي يثير فضولي هو ما هي النتيجة ؟؟ ما نتيجة بعد كل هذا الصخب والهرج والمرج ؟؟ 

نعم، سيقول قائل : النتيجة فوز أحد الفريقين وخسارة الأخر .  

وسأقول له قبل أن يقول قولته : أجل، فاز أحد الطرفين ولكن كيف ؟؟  

سيتمحور المقال الذي أسميته عيوب الديمقراطية حول إجابة عن هذا السؤال . 

الكلام إذا طال اختل، وإذا اختل اعتل . وخير الكلام ما قلّ ودلّ . 

ولذلك النتيجة، لا تخلو من شقين .  

الشق الأول :- الفائز : هو من حصد أكثرية أصوات المخترعين وأعلى نسبة المصوتين أي باللغة الأرقام (50+1) . 

الشق الثاني:- الخاسر : من حصل أقل أصوات المصوتين والمشاركين في الانتخابات نسبة( 49) بالمائة ، 

مثلاً، في دولة عدد سكانها مليونان ( 2,000,000)، إذا أقيمت فيه انتخابات، لا يمكن أن يشارك جميع السكان في هذه الانتخابات، فقواعد الديمقراطية التي يجب ممارستها تقسم الشعب إلى فئات مختلفة في الأعمار والهويات والحقوق وأهلية الاختراع والمشاركة. لذا سيشارك هذه الانتخابات نصف الشعب بل أقل من النصف ، وسبب أن الفئات أقل عمرا والشباب الذي لم يصل سن القانوني لا يشارك الاختراع وهذا الاستحقاق . 

وهذا يعني أن شرائحاً مهمة من المجتمع ستكون خارج لعبة الديمقراطية وهي :- 

  • أصوات الشباب الذي لم يبلغ السن القانوني للانتخاب 
  • الأصوات غير المسجلين
  • أصوات المقاطعين     
  • أصوات الذين لم يتمكنوا من الإدلاء والمشاركة 
  • أصوات معتبرة ملغاة أو باطلة بقصد أو بغير قصد 
  • أصوات معارضة والتي صوتت لطرف الآخر  
  •  

في حالة التي تكون المنافسة بين جهتين او شخصين في الدولة السابقة الذكر فالنتائج كالتالي :- 

شارك في الانتخابات مليون ناخب (1,000,000) على أعلى تقدير. إذناً اطرح هذه النتيجة أصوات جميع الفئات التي ذكرتها آنفاً والتي لم تحتسب في الأصوات .  فكم  سيبقى من مليون المشارك في الانتخابات ؟ وكم سيحصل كل متنافس ؟ 

مثلا الذي حصل المركز الأول : حصل خمس مائة ألف (5,00,000) صوت .

الذي حل المركز الثاني : حصل أربع مائة صوت ( 4,00,000) .

 إذناً المصوتون للفائز هم أقلية الأقليات ونسبتهم في المجتمع نسبة ضئيلة جداً ولا يمكن أن تطلق هذه الفئة غالبية الشعب أو إرادة الشعب ولا يعتبر الفائز في الانتخابات خياراً للشعب . وحتى لو أجمعنا جميع الأصوات التي حصل المتنافسان والتي رجحت كف احدهم ووضعت كفة الآخر، وهي بمجموعها تسع مائة ألف (9,00,000) ، ستثبت أنها ليست نصف الشعب ولا ثلثه .

أما عند تعدد المشاركين والمتنافسين، يختلف الأمر في حالة السابقة فيحدث تشتت في الأصوات وتقل نسبة الفائز وتزيد حظوظ الخاسرين ويتم توزيع أصوات المشاركين كما يلي :- 

مثلا:  شارك في الانتخابات أربع مرشحون وجاءت النتيجة . 

الأول : حصل 35 بالمائة من الأصوات 

الثاني : حصل 20 بالمائة من الأصوات 

الثالث : حصل 15 بالمائة من الأصوات 

الرابع : حصل 10 بالمائة من الأصوات المشاركين .

إذناً هل يعتبر الذي حل المركز الأول فائزاً ؟ وهل تعتبر أصوات مؤيديه أغلبية ؟ وكيف تكون أغلبية ؟ وهي نسبة أقل من 20% من المجتمع، وأكبر منها وأكثر كثافة وشعبية  النسبة التي صوتت ضده أو عارضته والتي اختارت المتنافسين الآخرين 

  • الغزو الفكري: 

وهي مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى، وتأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة مطلوبة، بهدف إذابة الشعوب واضمحلال حضارتها وانسلاخها من الأخلاق، ليسهل حكمها وتوجيهها ومراقبتها. ويستخدم الفكرة والمعلومة والمنهج والبرنامج لمحاولة تحطيم وطمس هوية ومقومات الأمم ولاسيما الأمة الإسلامية وتصوير المسلمين والشعوب الأخرى برجعية وتأخر ووسم مبادئها بعدم صلاحية لتطبيقها في الواقع.

وبعد أن فشل العمل العسكري وانتهى عصر القوة، ابتكرت الدول العظمى أليات وأدوات أخرى أكثر نجاعة وتأثيراً وأقل تكلفة، من قبل الاستعمار الأجنبي  والهيمنة العسكرية، بعد انكشاف الوجه القبيح للاستعباد وتحررت معظم الشعوب المضطهدة ولاسيما العالم الإسلامي وإفريقيا ، وما إن خرجت الجيوش الغازية، إلا ورجعت من باب الخلفي بعناوين أخرى وأهداف جديدة. تارة تتضرع بتنمية وتقدم ، وتارة أخرى بحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة ،

  1. مراحل الغزو الفكري 
  2. مظاهر الغزو الفكري 
  3. أثار الغزو الفكري 

أولاً : لقد بينتُ في السطور السابقة أن الغزو الفكري، يستخدم المنهج والمقومات والمعلومة والبرنامج وإمكانات مادية لطمس هوية المجتمعات التي يهيمن عليها وتطهر أثاره عياناً على هذه الأمم من جهة التعليم والثقافة والنظم الاجتماعية والسياسية ، ولذلك يمر الغزو الفكري والهيمنة الفكرية لثلاثة مراحل أهمها :- 

  • مرحلة الاستشراف : الاستشراف هو أسلوب غربي لسيطرة على الشرق والمسلمين وتبدأ بإرسال علماء ومثقفين وكتاب وخبراء وجواسيس ورجال الدين ليكونوا عيوناً وطلائع لمعرفة عادات وتقاليد الأمم المستهدفة لتقديم معلومات كافية وتفاصيل دقيقة ليسهل فيما بعد حرب السيطرة ويساعد السياسيين وقادة هذه الدول لاتخاذ قرارات الغزو الناعم والسيطرة وإنشاء صداقات كيدية أغلبها لهيمنة واستغلال. 
  • مرحلة التغريب : تغريب المجتمع بأكمله في زيه وسلوكه ونشر ثقافة الشعوب الغربية في هذه الأمم وتشويه هويتها أصلية وإكراه نفوس هذه الشعوب في عاداتها وتقاليدها وإحلال غيرها من المبادئ المحتل. وهذه المرحلة أيضا تمر مرحلتين أخطر من مراحل السابقة لصناعة مجتمع منهزم وقابل للعبودية :
  • – تغريب الذوق : تقبل كل ما يصدر من الغرب من عادات وتقاليد وتتبع في فنّهِ من خلال الموسيقى والرقص وعن طريق المشي والملبس والهوية دون إعطاء أي اعتبار لهوية الأصلية للمجتمع وتأفف على عاداته واعتباره على تقاليد رجعية غير صالحة في الوقت الحاضر .
  • – تغريب اللسان : يفرض المحتل لغته في البيئة وفي الإدارة والتعليم ويلغي اللغات الأخرى سواء لغة الأم أو لغة أخرى منافسة لها، ويجبر المواطنين بتعلم لغته ويقوم بتطبيقها على الواقع  
  • مرحلة التنصير : تنصير المجتمع وفتح كنائس ومعابد دينية ونشر الدين المسيحي وفتح مدارس خاصة تعلم اللغة الغربية إلى جانب الدين المسيحي وتوفير إمكانات عالية ودعم القائمين على هذه الكنائس وتأسيس جمعيات تبشيرية باسم العمل الخيري والتطوعي ومساعدة المنكوبين والمتضررين في المجاعات والكوارث الطبيعية . 

ثانياً : مظاهر الغزو الفكري: حيث يصبح كل متحرك وساكن غربياً في الهوى وفي آداب والأخلاق والقيم وينحل المجتمع وتموت الشيمة والشهامة ويضيع شبابه ويقلد الغرب كل صغيرة وكبيرة في المشية والملبس والذوق وهذه المرحلة أيضا تمر مرحلتين أخطر من مراحل السابقة لصناعة مجتمع منهزم وقابل للعبودية :

ثالثاً : آثار المستعمر ستكون مدمرة في الأخلاق والسلوك والعقيدة والفكر والعادات والتقاليد في أي مجتمع وفي كل امة تعرضت للاحتلال والسيطرة الغربية .  

العولمة والثالوث الأخبث عند الديمقراطية : – ( صندوق النقد الدولي – البنك الدولي- منظمة تجارة حرة ) . هذه المؤسسات الثلاثة تتبع مبدأ العولمة والتي تعني غزو الرأسمالية الغربية للعالم من أقصاه إلى أقصاه ثم الاحتكار في المعلومة والمال والثقافة والاقتصاد وتندرج تحت مظلة مبدأ العولمة وهي أجهزة للهيمنة والاحتكار والاستعمار والإذلال للشعوب والدول 

  1. صندوق النقد الدولي هو آلية الوحيدة لإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف وجهاز لاحتكار النقود في العالم سواء في صناعتها وطباعة أوراق العملة الرسمية لدول وهو الجهة الوحيدة المخولة لطباعة النقود والجهة الوحيدة التي تحتفظ ضمان العملة الرسمية لأي دولة ، وبإمكانها تلاعب قيمة العملة لأي دولة أو أي شعب وشن حرب شعواء عليه وتدمير اقتصاده . 
  2. البنك الدولي :هي مؤسسة من بين أكبر مصادر التمويل للبلدان النامية وفي العالم يرتكز عملها في التمويل والمشورة بشأن السياسات والمساعدة الفنية إلى حكومات البلدان النامية. وينصبّ تركيز المؤسسة الدولية للتنمية على بلدان العالم الأشد فقراً، ولكنها تثقل كاهل الدول والشعوب بديون وتستفيد هي أكثر مما تنفع لأن الدول الفقيرة لا تستطيع دفع فائدة ديونها ولا تلبية شروطها وتتعرض للابتزاز والضغوط وتقوم هذه المؤسسة مصادرة قرار الدول والشعوب الفقيرة. كما تعاني المؤسسة نفسها من هيمنة الغربية حيث لا يتولى رئاستها إلا الدول الغربية .
  3. منظمة التجارة العالمية : هي منظمة عالمية مقرها مدينة جنيف في سويسرا، مهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية وهي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. ولكن قوانينها وقواعد مجحفة على الدول الفقيرة والشعوب المستهلكة وبتالي لن تكون التجارة بينية أو تجارة بين الأطراف بل ستكون دول منتجة وقوية تحميها قوانين المنظمة ودول مستهلكة وضعيفة ولا تقوى حتى على المنافسة في السوق وبهذا لا تجارة هنا ولا قوانين تجارية بل أسواق مفتوحة لبضائع الغربية وشعوب تشتري وتستهلك وأخرى تنتج وتهيمن اقتصاد العالم . 

أخيراَ لا أحارب الديمقراطية ولا أؤيدها لُباَ وقشراَ ولكنني أطالب احترام خصوصيات المجتمعات وعادات الشعوب وأعارض اجبارها في تطبيق الديمقراطية وطمس هويتها وثقافتها وكيانها المستقل واستفادة ما نفع من النظام الرأسمالي وترك ما يتعارض مع مبادئنا وقيمنا فكما قيل قديماً (الحكمة ضالة مسلم فأنى وجدها فهو أحق بها ) .

 

عبد الرزاق عــمــر جــيــلــدون

صحفي جيبوتي ورئيس قسم التربية والتدريب في معهد الجيبوتي للفنون بوزارة الشؤون الإسلامية والثقافة والأوقاف

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات