أخبارمقالات

هل الصومال بحاجة إلى اجتماعات قبائلية ؟

     يقال بأن الحاضر يٌفضي إلى المستقبل ، وان الاحداث مرتبطة بعضها ببعض بحتمية لا تُقهر ، فأحداث اليوم هي اجترار لما كان في الماضي، وتمهيد لما قد يكون ، وهذه الحتمية المصيرية تبرهن بأن عجلة الاحداث لا تتوقف عند زمن معين او بعد نقطة محددة ، بل تدور وتدور بحركة دائرية إلى الامام ،  وفي حركتها غالباً لا تخالف قواعد المنطق ، و لا تعود من حيث ما بدأت ، إلا في الاستثناءات النادرة ، وفي الحالات المستعصية كالشعور بالخوف من المستقبل ، وفقدان الأمل في الحاضر  ، وانتشار الخيبة ، ورحيل الثقة ، حينها فقط تنتكس الأمور على اعقابيها ، وتعود من حيث ما انطلقت ،  وتُفتحت مرة أخرى الدفاتر القديمة التي نُسيت ،  كالحالة الصومالية تماماً ، فالخوف على فقدان المكتسبات  هو ما اخرج اعيان بونت لاند  عن بكرة ابيهم رغم أنف الكروونا القاتل ، و التوجس من ضياع الهوية ، وفقدان المركزية هو ما جمع وجهاء بنادر على طاولة غاضبة ، والخشية من عودة الماضي ، وفتح احزان الأحبة هو ما جعل صرخات هارجيسا تتعالى ، وتتوعد بالحرق ، الخوف ببساطة  هو ما جعلنا اغراب نبدأ من حيث ما بدأنا اول مرة ، ونُعيد مراحلنا القديمة بذات الأرواح السابقة ، وبذات الشعارات البائدة ، وبذات التقسيمات المخجلة ، وبذات الحمية المنتنة ، لا جديد في جلساتنا ، و تغيُر في كلماتنا ، ولا مفاجئة في بياناتنا ، فقط الصورة أصبحت أكثر عصرية ، والتسجيل التلفزيوني غدا اكثر الجودة ، والصوت القديم أضحى يصل إلينا بلحظة ، والخوف ذاته يُسمع ، و يُشاهد ، ويُقرا بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً ولم يتغير.

    سألني ذات مرة طالباً صغير السن متى نخرج يا سيدتي من هذه الدوامة التي لا تنتهي ؟ نُخرج فقط عنما لا نحصل على رئيس ، فالرئيس في العادة بيروقراطي يطبق اللوائح ، يحترم تراتبية  ، ولا يخرج عن القوالب الجامدة  ، يلوح بالعصاء القانون ،  ويفتح أبواب السجون ، وهو محق في أي مكان آخر غير الصومال ، لأن الصومال ظرف خاص لا يشبه أي مكان آخر ،  فهو بأمس الحاجة إلى قائد يتنازل عندما تشتد الأمور ، ويساير عندما تتعقد الأوضاع ، ويضع قانوناً يناسب الواقع الوطني لا الواقع الدولي ، ويشفي جراح الماضي بفتحها وإعادة تعقيمها من جديد ، الصومال بحاجة إلى القائد الوالد بصورة الأب الذي يسمع المخاوف ويطمن ،  ويشاهد الغضب بالأعين ويهدئها بالتنمية ،  الذي يعدل ويساوي بين أبنائه ، ويتكلم باللغة يفهمها الجميع ، الصومال بحاجة إلى قائد متقبل لها بكل عيوبها  و بماضيها و بتناقضاتها الغريبة ، يحاول إصلاحها بتواضع لا من فوقيه ، يسحبها إلى حضنه دون دماء تُراق ، ولا تخوين للمخالف ، ولا إقصاء للمتمرد ، ولا تميز بين المناطق ، ولا تحيز لفريق ضد آخر ، ويحتوي الجميع ، ويصافح الجميع ، الصومال بحاجة إلى قائد لا يشبه أي قائداً آخر حارب التشرذم و تفرق ، و إذا تعذر ذلك القائد سوف تستمر للأسف اجتماعات القبائل.

فاطمة شيخ محمد حوش

كاتبة صومالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى