أخبارتقدير موقف

الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة في الصومال…. ملامح وآفاق

تتواصل الإجراءات القانونية لتنظيم انتخابات شعبية مباشرة في الصومال على وقدم وساق غير أن الحقائق على الأرض تلقي بظلال كثيفة  على إمكانية إجرائها في موعدها بحلول عام 2021 . صادق الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو ، يوم الجمعة الماضي قانون الانتخابات بعد مصادقته من قبل مجلس النواب والمجلس الأعلى للبرلمان (مجلس الشيوخ ).  وبدورها، أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات عن استكمال جميع الإجراءات الأساسية لإجراء إنتخابات شعبية مباشرة.

رغم هذا التحرك الحثيث،  الحقائق تشير عكس ذلك،  وتحذر الأحزاب السياسية وبعض الرؤساء الحكومات الإقليمية من مغبة تأجيل الانتخابات وتمديد فترة ولاية النظام الحالي وتدعو إلى إنشاء إطار سياسي جامع للمناقشة حول اجراء الانتخابات قبل انتهاء فترة ولاية المؤسسات الوطنية الحالية.

يتفق  معظم الفرقاء  السياسيين في الصومال والشركاء الدوليين -رغم التحديات والعقبات الكبيرة- على امكانية اجراء انتخابات عامة في البلاد بحلول عام 2021  بغض النظر عن نوعية العملية الإنتخابية سواء أكانت  شعبية مباشرة   وعلى أساس التعددية الحزبية أم وفق النظام القبلي المعروف بـ 4.5 وإن بصيغة تمسح بانتخاب أعضاء البرلمان بطريقة مباشرة وبمشاركة أوسع . أعرب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى الصومال جميس سوان في مقابلة مع قناة يونيفرسال المحلية، يوم الخميس ٢٩ يناير الماضي عن تفاؤله في إمكانية إجراء إنتخابات شعبية مباشرة في الصومال بحلول عام 2021 ، مشيرا إلى ضرورة تطبيق قانون الانتخابات الجديد بصورة تسمح للتخطيط الفني للمضي قدمًا في الانتخابات، وكشف جيمس سوان  عن مقترح تقدم به المجتمع الدولي حول إنشاء منتدى يضم الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية للاتفاق على أولويات عام ٢٠٢٠ وكيفية العمل معا لتطوير التوافق في الآراء بشأن بعض الأهداف الرئيسية.وقال لا  نريد  أن نرى تمديدا لولاية المؤسسات الحالية المنتخبة مما يتيح الفرصة للمواطنين كي يجددوا ثقتهم بالنظام الحالي أو لانتخاب قيادات جديدة. وأضاف أن هذه قناعة راسخة لدى الشركاء الدوليين.

تكتسب الانتخابات التشريعية والرئاسية في الصومال أهميتها من خلال دورها في مستقبل مسيرة السلام والديمقراطية في البلاد، وتحديد العلاقة مع محيطه العربي والإفريقي في ظل وجود ملفات إقليمية ذات أهمية كالانتخابات في إثيوبيا وملف النزاع البحري بين الصومال  وكينيا والأزمة في الشرق الأوسط. ويذهب كثيرون أنه إذا أعيد إنتخاب الرئيس الحالي محمد عبد الله فرماجو  أو انتصر فريقه ” السلام والحياة“ في المعركة الانتخابية سواء بقيادة فرماجو أم خيري يتوقع أن  تترسخ أقدام هذا الفريق في الصومال لسنوات عديدة قادمة، أما في  حال خسر  في المعركة،  سيتغير النهج السياسي في البلاد ويتولى زمام  الحكم أطراف ترفض جملة وتفصيلا لتوجهات الحكومة الحالية وستقوم بإعادة النظر في جميع القرارات  السابقة سواء المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية.

 في هذه الورقة نتناول تطورات الأوضاع في الصومال خلال فترة حكم  الرئيس محمد عبد الله فرماجو إلى السلطة وأسباب انسداد الأفق السياسي وتكريس لأنماط سياسية غير مألوفة لدى الشعب الصومالي، ونقوم بقراءة هذا المشهد ومناقشته للاستخلاص  سمات عامة نستكشف من خلالها مسار الانتخابات التشريعية والرئاسية المزمع إجراؤها في الصومال نهاية العام الجاري أو بحلول العام المقبل وحظوظ الأطراف السياسية  والعوامل المساهمة في ترجيح كفة  الميزان لصالح أحد الخصمين وحسم المعركة السياسية.

أولا: المشهد السياسي في الصومال… الحكومة غير متحمسة  لاجراء الانتخابات في موعدها

دخل الوضع السياسي في الصومال مرحلة جديدة  عندما جاء الرئيس محمد عبد الله فرماجو إلى السلطة  8 فبراير عام 2017 الذي غير مفاهيم العمل السياسي في البلاد ، وأنماط العلاقة بين الأطراف السياسية المختلفة  وتبنى سياسات وقواعد جديدة لم يعهدها الصوماليون خلال العقود الثلاثة الماضية لفض النزاعات بين الفرقاء السياسين وتقاسم السلطة والثروة أدت إلى مواجهة مفتوحة مع أكثر من جبهة، وخلافات حادة مع عدد من رؤساء الولايات الإقليمية الأعضاء في الحكومة الفيدرالية، و معركة كسر العظم مع المعارضة   السياسية، وخيبة أمل شعبي  ناجم عن انسداد الأفق السياسي واستمرار تدهور الأوضاع الأمنية ، ناهيك عن امتعاض متزايد في أوساط بعض العشائر من  سياسات الحكومة الداخلية ومواقفها بشأن تقاسم السلطة والثروة.

جاء الرئيس محمد عبد اللّه فرماجو إلى الحكم وهو يراوده هاجس الانقلاب وتكرار ما حدث له في 19 يونيو عام 2011 عندما أعلن  استقالة من منصبه كرئيس للوزراء على خلفية خلاف مع الرئيس  الصومالي الأسبق شيخ شريف ورئيس البرلمان الأسبق شريف حسن، وكان لديه فيما يبدو قرارا مسبقا من تبني سياسات متشددة والتخلص من  أي مصدر  داخلي كان أو خارجي يرى أنه يشكل تهديدا على سلطته ولذلك قام فور توليه السلطة بإجراءات تستهدف الولايات الإقليمية والمعارضين السياسيين وبعض الدول الإقليمية ومن أبرزها:

  1. اعتقال عبد الرحمن عبد الشكور.   أعلنت الحكومة الصومالية بعد أشهر  من تولي الرئيس فرماجو مقاليد الحكم بالبلاد وبالتحديد في 18 ديسيمبر عام 2017 عن اعتقال عبد الرحمن  عبد الشكور من منزله في العاصمة مقديشو والذي كان أحد أبرز المعارضين للرئيس فرماجو. وأكد الناطق باسم وزارة الأمن في حينها عبد العزيز علي إبراهيم في مؤتمر صحفي أن الاعتقال جرى  تنفيذا لبلاغ صادر من النيابة العامة، مشيرا إلى تورط عبد الرحمن عبد الشكور وسياسين آخرين في عمليات لزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد وعثور أجهزة داخل منزله تساعد في تحقيق التهم الموجهة له وهي تهم نفاه السياسي عبد الرحمن عبد الشكور بشدة ورفضها جملة وتفصيلا  . وبدوره أوضح وزير الأمن محمد أبوبكر اسلو أن من بين التهم الموجة لعبد الرحمن عبد الشكور تنظيم اجتماع دون الحصول على ترخيص من السلطات الأمنية. وهذه التصريحات كانت الأول من نوعها يسمعها الصوماليون منذ سقوط نظام سياد بري وفتحت الحادثة الباب واسعا  أمام شكوك بين السياسين ومخاوف من استخدام سلطة الدولة لضرب الخصوم السياسيين، وتبعت هذه الخطوة إجراءات أخرى تتعلق بعزل مسؤولين وقيادات أمنية وسحب رتبهم العسكرية وطرد موظفين من وظائفهم انتقاما منهم بسبب مواقفهم حيال الوضع السياسي والأمني بالبلاد. 
  2. تغييرات متكررة في قيادات الجيش والأمن والمخابرات كان الهدف منها مواجهة أي خطر أو تهديد محتمل. أجرى  الرئيس محمد عبد الله فرماجو في 17 أغسطس 2018   تغييرات في قيادات الأمن والجيش والمخابرات وعين  فهد ياسين مدير القصر الرئاسي ، نائبا لرئيس جهاز المخابرات خلفا للواء عبد الله عبد الله  في حين  عين الجنرال طاهر آدم علمي رئيسا لأركان الجيش،  وأدواي يوسف راغي قائد قوات الحرس الرئاسي السابق، قائدا عاما للجيش .  كما عين سعيد أحمد كديه  نائبا أول  لقائد الشرطة وزكية أحمد حسين نائبة ثانية . وفي 4 سبتمبر 2018 أعلنت الحكومة عن إلحاق قوات  الاستخبارات رسميا بقطاع الشرطة بالاستثناء  قوات العمليات الخاصة. وفي 28 أغسطس 2019 أصدر مجلس الوزراء قرارا بتعيين فهد الياسين مديرا  لجهاز المخابرات خلفاً لحسين عثمان وتعيين الجنرال أودا يوسف راغي قائدا للجيش والجنرال عبدي حسن قائدا عاما للشرطة ومهد عبد الرحمن قائدا  لقوات مصلحة السجون. وفي 24 من شهر مارس 2019 أقالت وزارة الأمن رؤساء أقسام الشرطة في العاصمة مقديشو بعد هجوم وزارة العمل  في 23 من شهر مارس من هذا العام وقتل فيها نائب الوزير صقر إبراهيم عبدالله وعينت لمواقعهم قيادات جديدة أغلبهم من المليشيات التي انشقت عن حركة الشباب.
  3.   الأزمة الخليجية: خلافا لما كان مألوفا لدى السياسيين الصوماليين خلال السنوات الماضية قررت الحكومة  الحالية اتخاذ إجراءات وصفها بعض الأطراف السياسية بالتصعيدية وخطيرة على الأمن القومي  ضد دول بعينها ومن أبرز تلك الإجراءات موقفها من مقاطعة دول عربية لدولة قطر واحتجاز طائرة إماراتية في مطار مقديشو في أبريل عام 2018 في حادثة غير مسبوقة وهذه الخطوات صارت القش الذي قصم ظهر البعير وحطم الثقة بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية.  رغم كل المناشدات، لم تتراجع  الحكومة الاتحادية عن موقفها وأصرت على تشديد مواقفها من الإدارات التي عارضت موقفها حيال الأزمة الخليجية وأسقطت رئيسي ولاية جلمدغ وجنوب غرب الصومال وتفرض حصار سياسيا واقتصاديا على ولاية جوبالاند ولم  تعترف رئيسها أحمد اسلان مدوبي الذي أعيد انتخابة في أغسطس الماضي ، وتمنع منذ  29 أغسطس عام 2019 الرحلات الجوية المباشرة من و إلى ولاية جوبالاند.
  4. استقالة رئيس البرلمان السابق محمد عثمان جواري. قدم جواري استقالة إلى البرلمان بعد أسابيع من خلافات مع رئيس الوزراء حسن علي خيري وقبل ساعات من تصويت البرلمان على اقتراح بسحب الثقة منه وكان ذلك خطوة استباقية لسحب الثقة من رئيس الوزراء.
  5. قضية تسليم القيادي في حركة تحرير أوغادين عبد الكريم قلب طغح إلى إثيوبيا وهو أمر تحاشت منها الحكومات السابقة خوفا من الانتقادات واحتراما للمواقف الشعبية حيال العداء التاريخي القديم بين البلدين، ولم تتخذ الحكومة الحالية هذا الإجراء الذي تسبب انتقادات وردود أفعال غاضبة سوى المحافظة على  العلاقة الجدية مع إثيوبيا وتجنبا من ردة فعلها العنيف.

هذه الأحداث تحمل دلالات ومؤشرات مهمة على رؤية الحكومة الحالية تجاه مستقبل العملية السياسية في البلاد نلخصها ما يلي:

  • أن الصراع السياسي في الصومال بعيد عن الحسم وهناك مخاوف من أن تتجه الأمور  نحو المعركة الصفرية 
  • الحكومة الحالية لا تثق بمعظم الأطراف السياسية في البلاد بما فيهم البرلمان وكان لديها  هاجس الخوف من إسقاط الرئيس أو رئيس الوزراء عبر البرلمان وعلى هذا الأساس أجبر رئيس البرلمان السابق محمد عثمان جواري وبعض رؤساء الولايات الإقليمية مثل رئيس ولاية جنوب غرب الصومال السابق شريف حسن آدم على الاستقالة .
  • أن النظام الحالي لديه نية البقاء على السلطة لفترة طويلة عبر  عدة طرق نن بينها تقوية العلاقة مع بعض الدول الإقليمية وممارسة القوة ضد معارضيه وبناء إدارات إقليمية تتبنى نفس سياسات  الحكومة المركزية
  • لديه مخاوف من عدم تجديد الثقة له في حال جرت انتخابات على نظام 4.5  بصيغته الحالية وبالتالي يفضل انتخابات شعبية مباشرة يتم انتخاب الرئيس وأعضاء البرلمان في آن واحد وهذا أنر لا يمكن حدوثه خلال ما تبقى من فترة ولاية الرئيس فرماجو وبالتالي لا بد من تمديد فترة ولايته وتأجيل الانتخابات..

ما موقف الولايات الإقليمية والقوى المعارضة والقوى المدنية؟ 

ليست الحكومة الاتحادية وحدها اللاعب القوي في المشهد السياسي في الصومال وإنما هناك  أحزاب سياسية فاعلة وحكومات إقليمية تتمتع بقدر كبير من النفوذ التي تتسم علاقتها مع الحكومة الاتحادية بالتوتر الشديد، مثل  وولايتي جوبالاند  وبونت لاند ، وترتكز خلافات الجانبين على ثلاثة أمور:  

  • تباين وجهات نظر بشأن السياسيات الداخلية والخارجية 
  • عدم اعتراف الحكومة الاتحادية نتائج الانتخاب الرئاسية التي أجريت في جوبالاند  نهاية شهر سبتمبر 2019،  والتي أفرزت إعادة انتخاب محمد اسلان  مدوبي رئيسا للولاية لفترة ثانية مدتها 4 سنوات 
  • الأمر الثالث يتمثل في طريقة تقاسم المشروعات التنموية والمعونات المالية التي تحصل عليها الحكومة الاتحادية من المنظمات الدولية والدول الداعمة للصومال، وتتهم الولايتان الحكومة المركزية بتسييس المشروعات التنموية وطالبتا في بيان رسمي مشترك أصدراه، أمس الإثنين 20 يناير 2020 بعقد مؤتمر وطني لبحث الوضع السياسي المتأزم في البلاد، كما أدانا في البيان بشدة تعليق الحكومة الاتحادية  المشروعات التي يمولها البنك الدولي  لتطوير عواصم الولايات الإقليمية بدون أسباب مقنعة.  أما علاقة الحكومة مع الولايات الأخرى جنوب غرب الصومال وهيرشبيلي وجلمدغ  دافئة وحميمية نظرا لوجود شخصيات ترتبط علاقات وثيقة مع الحكومة الاتحادية على رأس السلطة في الولايات الثلاثة.

أما فقوى المعارضة ، تتشكل من الأحزاب السياسية التي يقودها غالبا رؤساء سابقون وشخصيات من الحكومات السابقة، ونواب في البرلمان الاتحادي بغرفته الشعب والشيوخ. رغم  ما تمارس الحكومة الاتحادية  من ضغوط على المعارضة ومنعهم من تنظيم المؤتمرات والاجتماعات العلنية واللقاءات الجماهرية الا أن لهم دور كبير وفعال في المشهد السياسي وأصواتهم  يترك صدى في الرأي العام وتقوم بتحركات رسمية وشعبية  في الداخل والخارج وتلتقي بسفراء دول الأجانب وممثلي القوى الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الصومالي في مقديشو ونيروبي وتعرض أفكارها ورؤيتها بشأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع عقدها في البلاد بحلول 2021 وتتمتع بعلاقات واسعة وقوية على محاور إقليمية فعالة وأن حظوظها في الفوز بالانتخابات المقبلة كبيرة لأنها تستفيد وتستثمر الأخطاء السياسية والاجتماعية القاصمة  التي ترتكبها الحكومة الحالية ومواصلة إقصائها جميع الفرقاء السياسين في البلاد، حيث يزداد أعداؤها بشكل لافت نتيجة لتلك السياسات الخاطئة. كما أن لقوى المعارضة حضور قوى على المشهد الإعلامي في الصومال وعلى مواقع التواصل الاجتماعي مستغلة من عدم اهتمام الحكومة الاتحادية بوسائل الإعلام الصومالية المستقلة وعزوفها عن المشاركة في الحوارات والبرامج التي تنظمها القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية المحلية وقلة ظهور المسؤولين الحكوميين على تلك الوسائل للتعليق على القضايا الحساسة التي يهتم بها الرأي العام وبالتالي أصبح صوت قوى المعارضة هو المسيطر على وسائل الإعلام المحلية، وهذا الأمر أدى إلى إلحاق ضرر ملحوظ لشعبية الحكومة وفقدان قدر كبير من تأييدها داخل الطبقات المثقفة في المجتمع الصومالي بما في ذلك نواب في مجلسي الشعب والشيوخ والرأي العام المتابع لوسائل الإعلام التقليدية.

القوى المدنية

 تتقسم قوى المجتمع المدني في الصومال إلى مؤيدة للحكومة الاتحادية ومعارضة لها الا أن الغالب الأعم يبدي قلقه الشديد ازاء مسار العملية السياسية بالبلاد ويرى أن غموضا شديدا يكتنف مستقبل البلاد في ظل استمرار الخلافات بين حكومة المركزية والأطراف وزيادة التدخلات الأجنبية في الشؤون الصومالية الداخلية، ويدعو إلى ضرورة إعادة النظر في المواقف السياسية ووقف المعارك الصفرية وتنظيم مؤتمر وطني تشارك فيه جميع الأطراف السياسية للمناقشة حول الأوضاع السياسية والأمنية والاتفاق على خارطة طريق للانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.

   

ثانيا: توقعات واحتمالات

ينص الدستور الصومالي المؤقت أن تنظم في البلاد انتخابات شعبية مباشرة بعد انتهاء فترة ولاية الحكومة الحالية نهاية العام الجاري، وجرى اتخاذ العديد من  الخطوات لتنفيذ هذا البند، فقد قامت الحكومة  بإعداد قانون الانتخابات وعرضتها للبرلمان للمصادقة عليه وتم ذلك في الثامن العشرين من شهر ديسمبر الماضي وصادق عليها الرئيس فرماجو غير أن إمكانية تنفيذ هذا القانون محل شك كبيرة بسبب عدم توفر الأجواء السياسية والأمنية والآليات المطلوبة لإجراء انتخابات شعبية مباشرة، وحتى من الصعب اجراء انتخابات في العديد من المناطق  التي تتمتع بالهدوء النسبي مثل بونت لاند وجوبالاند على خلفية الخلافات بين الحكومة الاتحادية والولايتين ناهيك عن المناطق الأخرى التي تحاصرها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة وكذلك لا توجد الإمكانات المادية والخبرات الضرورية لإجراء انتخابات شعبية حرة ونزيه في بلد لم يشهد انتخابات شعبية حرة منذ أكثر من 50 عاما والأهم من ذلك فموقف الحكومة بشأن موعد الانتخابات وطبيعتها غير واضح ويكتنفها الكثير من الغموض والأسرار ولا تريد الإفصاح عن قرراها الرسمي تجاه الانتخابات  هل ستجرى في موعدها أم سيؤجل، ويبدو أن هذه  السياسية ليست  من قبيل الصدفة وإنما استراتيجية مدروسة ومتعمدة الهدف منها إرباك الرأي العام وخلط أوراق المعارضة لتعويض خسارة  تأييدها الشعبي ولاستعادة ما يتبقى من رصيد لدى قواعدها الشعبية بالإضافة إلى ذلك تسابق الحكومة الاتحادية الزمن من أجل  كسب  مزيد من الوقت لاستكمال مهمتها بشأن إنشاء حكومات إقليمية موالية لها في مناطق جلمدغ وهيرشبيلي، كما تسعى جاهدة إلى تحصين جبهتها في ولاية جوبالاند وكسب ولاءات القبائل في الولاية ولاسيما في اقليم جذو الذي ينتمي إليها رئيس الجمهورية، وكذلك تحاول الحكومة الاستغلال من انشغال المجتمع الدولي بالقضايا أكثر حساسية وتخفيف ضغوط الدول المعنية من الشأن الصومالي عبر إثيوبيا.

نظرا  لكل هذه الاعتبارات ووضعها في الحسبان يمكن القول  إنه لا انتخابات شعبية  مباشرة بحلول عام 2021  وبالتالي جدير بالتساؤل  عما هي الخيارات البديلة؟

  1. التمديد: وفق المعطيات على الأرض وعند الحديث مع الأشخاص المقربين من الدوائر الحكومية، فمعظم  نواب البرلمان  لا يتحمسون لإجراء انتخابات عامة رغم كل الإجراءات المتخذة بهذا الصدد لأنهم يعتقدون بأنها لا تصب في مصلحتهم ويفضلون التمديد لكنهم مختلفون على نوع التمديد كل يقتصر على البرلمان أم يتم التمديد لجميع مؤسسات الدولة بما فيها الرئيس والسلطة التنفيذية.
  2. التأجيل : إذا قرأنا السلوك السياسي لدى الرئيس محمد عبد الله فرماجو ورئيس الوزراء خيري قراءة متأنية نستشف أنهما يريدان تأجيل الانتخابات لعامين على الأقل  ولا يبديان حاليا أي تحمس لإجراء الانتخابات سواء مباشرة أو غير مباشرة  والمبرر  وجود العديد من الملفات الضرورية لاستكمالها قبل اجراء  انتخابات شعبية مباشرة  مثل إنشاء الولايات الإقليمية وتحرير البلاد من حركة الشباب  المرتبطة بتنظيم القاعدة وتحقيق الأمن في المناطق المحررة بالإضافة إلى توفير العوامل والآليات المطلوبة لإجراء انتخابات عامة مباشرة.
  3. اجراء انتخابات على أساس النظام القبلي ٤.٥: لكن يجب أن يكون مختلفا عن النظام المتبع في الانتخابات  التشريعية لعام 2016 كأن يتم اختيار أعضاء البرلمان من قبل شيوخ العشائر لكن على أساس حزبي أو أن يتم اختيارهم من عدد كبير من أبناء العشيرة.

حظوظ الحكومة والمعارضة 

 من السابق لأوانه أو ليس من الهين التكهن من سيفوز برئاسة الصومال في حال جرت الانتخابات في موعدها هل سيعيد انتخاب الرئيس الحالي محمد عبد الله فرماجو أم يفوز بها مرشح من القوى المعارضة وذلك بسبب الضبابية الكثيفة التي تكتنف مسار النظام الانتخابي وضرورة حسم عدد من الملفات السياسية أبرزها انتخاباتولايةً هيرشبيلي ومعرفة من سيكون  رئيسهما. كما يرتبط  الأمر أيضا بمواقف الأمم المتحدة والدول المعنية بالشأن الصومالي لكن كل يستمر بإستراتيجياته لكسب المعركة. 

لكن المؤكد، فحظوظ الرئيس الحالي ليس قويا كما كان الأمر قبل عام، وقد تأثر سلبا بعدد من الأحداث التي شهدتها البلاد خلال العام الماضي، مثل تسليم القيادي من جبهة تحرير أوغادين إلى إثيوبيا والانفجارات الدموية  المتكررة في مقديشو بالإضافة إلى انسداد الأفق السياسي  وفشله في حل الخلافات مع الحكومات الإقليمية  وهذه الأحداث تسببت في تدني شعبية الرئيس  فرماجو وتقلل من فرص فوزه. 

 

مقالات ذات صلة

1 thought on “الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة في الصومال…. ملامح وآفاق”


Fatal error: Call to undefined function the_comments_navigation() in /home/content/68/11602068/html/wp-content/themes/MC/comments.php on line 47