أخبارمقالات

فيم تفكر؟

هذا سؤال يعرض لى كلّما افتح صفحتي في الفيس بوك. عادة لا أقف عندها طويلا لاني أرى ان هذا السؤال يستفزني او بالأحرى يحرجني. وكان من الاولى ان يسألني اولا هل أفكّر أصلا قبل ان يسألني فيم أفكر؟. فانا من مجتمع يرون التفكير زندقة والنقد مسبة والتعليق على قول الاستاذ سوء أدب،  والأمور تجرى على العادة والمصادفة والاتفاق. يعيدون الاخطاء نفسها ويكررون نفس الخطط ويقدمون نفس الرجال. يقيمون دولة دون التفكر في الحاجة اليها والضمانات اللازمة لاستمرارها ثم يثورون على الدولة دون التدبر في اسباب فشلها والأخطاء التي أدت الى إخفاقها والبدائل المتاحة بعد اسقاطها.
بعد انهيار دولتهم تاهوا في الارض وهاموا على وجوههم وتفرقوا أيادي سبا شذر مذر. بعد اكثر من عقدين من التيه والضياع أرادوا انشاء دولتهم من جديد فاقوموها على نفس الأعمدة والأركان التى كانت سببا لانهيارها لأنهم لا يتفكرون. ولا يماري احد ان السقف سينهار على رؤوسهم مرة اخرى ويستخدمون نفس الأسلوب لإعادة البناء. وهكذا دواليك يكونون بين هدم واعدة بناء دون التفكر في اسباب السقوط والحاجة الى البحث عن العلة الحقيقية، وكأن الله عاقبهم بتعطيل عقولهم فأذاقهم لباس الجوع والخوف وجعل باسهم بينهم شديدا وسلط علبهم أراذلهم يتحكمون على مصائرهم ويقررون تقرير مصيرهم.
وانا ايضا من امة عطلت التفكير وجمد عقلها وتوقف عن العطاء بعد قرون من التالق في سماء العلم والحضارة. لقد اعلى دينها من شان العقل ورفع درجة العلم والعلماء ونوّه بالتعقل والتدبر والتفكر. وليس هناك. دبن من الأديان اهتم بالعقل ودعا الى التفكر مثل دين الاسلام. وقد وودت كلمة الفكر ومشتقاتها في القران ثماني عشرة مرة في مختلف السور والآيات تأكيدا لاهميته وترسيخا بقيمته في وعي المسلمين. ولكن وبعد عصور من الازدهار واعمال العقل جرت على المسلمين سنة الله في خلقه فجمد العقل وخبا الفكر وركدت القريحة ونبلدت الخواطر وتركوا  امورهم فوضى لا سراة لهم وتمضى حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية على المصادفة وحسب المزاج فلا بحث عن الأسباب ولا نحطيط للمستقبل ولا التفكر في العقبات والمآلات.
ثم انني من بيئة يكون الانسان فيه جزء من جماعة وليس فردا مسيولا عن أعماله، فالجماعة تفكر له وهي التي تعرف مصلحته فما عليه الا ان ينقاد لاعراف الجماعة وتقاليدها وان كانت بعيدة عن المنطق وتتناقض مع رؤيته للحياة والانسان. فالخروج من أعراف الجماعة يعتبر خروجا على الجماعة نفسها وتهديدا لوجودها فلا يمكن لأحد من أفرادها ان يكون له وجود خارج وجودها الا كوجود الظل يتبع صاحبه أينما تحرك وحيثما توجه.
وهناك قيود اخرى غير العادات والاعراف في مجتمعي تمنع من التفكير وتعرقله. فاذا كان المحتمع يفرض عليه أعرافه وتقاليده فان الاستبداد الديني محنة عقلية عظمى. وهناك علماء دين يفرضون على الناس آراءهم وتصوراتهم للدين التي يرونها حقا مطلقا يجب اتباعه فيكون فهمهم للدين جزء من الدين نفسه. فهم يتحكمون في ضمائر الناس ويلعبون دور الكهانة في التقليد المسيحي مع انه لا وساطة في الاسلام بين العبد وربه.
والاستبداد السياسي هو ثالثة الأثافي. والمستبد يسلب الناس ارادتهم وحريتهم ويفقدون معها إنسانيتهم وكرامتهم، فلا معنى للانسانية دون إرادة، ولا معنى للحياة دون حربة. يتعامل المستبد مع شعوبه كأطفال قُصّر يجب عليهم الحجر حتى يعقلوا ويتصرف هو نيابة عنهم في امورهم واموالهم وحقوقهم وحرياتهم كما يشاء. لا يسال عما يفعل وهم اي الشعب يسألون عن كل شيي في تفاصيل حياتهم.
ثلاثية الاعراف والعادات والاستبداد الديني والاستبداد السياسي تختق حربة الفرد وتضيع مسيولية الانسان ويرتفع التكليف بارتفاع مناطه من الحرية والعقل والفكر. وكيف يكون الانسان مسيولا ومكلفا في أمور ليس حرا في عملها؟ وكثير من الناس في مجتمعاتنا عطلوا عقولهم وأقاموا لهم أصناما يقلدونهم ويفكرون لهم وما عليهم الا الخضوع لارادة تلك الأصنام. الخوف من سلطة المجتمع ومن سلطة رجال الدين ومن سلطة الدولة يجعل الفرد كالريشة في مهب الرياح لبس له إرادة امام ارادتهم وليس له وجود ذاتي خارج وجودهم.
تلك هي قصتي يا مارك زوكربيرغ مؤسس الفيس بوك، ثم تسألني فيم تفكر؟. أعذرك لأنك لا تعرف قصتي ولو انك عرفتها ما سألتني كل يوم هذا السؤال. ولا تطننّ انها قصتي وحدي وانما هي فصة ملايين المسلمين مثلي اكتب إليك نيابة عنهم واقترح ان تستبدل هدا السؤال بسؤال اخر اقل استفزازا وأقرب الى الواقع الا وهو هل تفكر؟ واذا مدّ الله لنا العمر ومنّ  علينا بازالة عوائق الفكر فحينئذ يحق لك ان تسألني فيم افكٌر؟

عبد الواحد عبد الله شافعي

كاتب صومالي من مواليد بلدوين ومقيم في بريطانيا. حصل على درجة الليسانس في الدراسات الإسلامية واللغة العربية من كلية الدعوة في ليبيا في عام ١٩٩٤. نال دبلوم ماجستير في اللغة العربية وآدابها من الكلية نفسها في عام ١٩٩٦. حصل على ماجستير في اللغويات وتعليم اللغات الأجنبية من جامعة لندن متروبولتان في بريطانيا في عام ٢٠١٦. يعمل في خدمة الجاليات المسلمة في بريطانيا. له مقالات وبحوث فكرية وسياسية منشورة في الصحف والمواقع العربية. يهتم بقضايا الفكر الاسلامي السياسي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات