أخبارمقالات

خواطر دعوية ( ٦) :  الاختلاف حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف نزاع طال أمده

في كل عام عندما يهلّ شهر ربيع الأول أو المعروف بشهر المولد ( أي الشهر الذي ولد فيه الرسول الأعظم والشريف الأكبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم )  تقوم الدنيا ولا تقعد حول مشروعية وجواز الاحتفال بهذه الحدث العظيم أو عدمه.

فمن العلماء من يعتبر هذا الاحتفال بأنه مخالف للهدى الصحيح ومجانب لما كان عليه سلف الأمة ، وأنه من البدع المحدثة المحرمة التي لم يعرفها الصدر الأول من القرون المفضلة ، ولم يقل به أحد ممن يعتد قوله من العلماء ، لذا يجب على المسلمين الابتعاد عنه والاكتفاء بما صح نقله وثبت خبره في المتابعة والاقتداء بمن عرف بالاستقامة وصلاح العمل وسلامة المعتقد .

ويوجد من بين هؤلاء المانعين باحتفال المولد النبوي الشريف من ذهب بعيدا وشرق وغرب وبالغ في التوبيخ والتنكير ولم يتوقف عند تبيان الحكم في الحدث بل عرّج على المحتفلين والساعين إليه ورماهم بقدح من القول وألصق بهم الفسق والغواية والضلالة ، واتهمهم بالتكسب والارتزاق وجمع الثروات وخداع الدهماء من خلال حفلات المولد لتحقيق مصالح ومآرب شخصية .

هؤلاء وإن كان عددهم قليل ولكن صوتهم مرتفع وكلامهم منتشر بصورة واسعة ، وهم الذين لا يكلون عن إثارة هذه المسألة في كل وقت ومناسبة .

ومن العلماء من لا يرى بأسا في احتفال المولد النبوي الشريف ولو لم يكن موجودا ومعروفا في نسخته الحالية في الزمن الغابر ، ويقولون أن هذا العمل يندرج  ويدخل في باب شكر النعم ، لأن ولادة المصطفي صلي الله عليه وسلم من النعم التي لا تتجدد ، والتذكر بها وشكر المنعم الأعلى بها من الواجبات المحتمات أو المباحات التي لا ملامة فيها ، والاحتفال من الوسائل التي يتوسل إلى تعريف المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعليم الناس بشمائله وفضائله وخصائصه، وأكثر من ذلك فإنها فرصة لمواساة الفقراء والمساكين وجمع المسلمين والسعي لتأليف قلوبهم .

والغريب أيضا بأنه يوجد من بين الداعين والمجيزين للاحتفال بالمولد النبوي الشريف مجموعة من الغلاة لا يتورعون بإطلاق وصف النفاق وعدم حب النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداته لكل من قال أو أنكر أو لم يحتفل بالمولد النبوي الشريف ، وهؤلاء بدورهم عددهم قليل ولكن حضورهم وصرخاتهم يتردد على المناسبات والملتقيات .

وبسبب الغلاة من كلا الفريقين وما يقومون به من استفزاز وممارسات خاطئة لا تستند إلى آداب وأخلاق العلماء في التعامل مع المخالف ، وعدم تقيدهم بالشروط المنظمة لإدارة الخلاف بصورة أخوية وودية ، استبيحت محرمات وسفكت دماء وازهقت دماء بدون وجه شرعي من أجل إثبات بأن القول الفلاني هو الأصلح والأجدر بالأخذ والعمل به .

وبفعال الغلاة من كلا الفريقين -من  مانعي ومحرمي الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ومن قال بالإيجاب – قُسم الناس إلى فريقين لا ثالث لهما : إما أن تكون مع من قال بالتحريم قلبا وقالبا وتتماشى مع اطروحاتهم ومرئياتهم بدون مناقشة ، وإما أن تكون مع من قال بمشروعيته وتشارك في احتفالاتهم واستعراضاتهم  وتنشد معهم في تلاوة قصائدهم وصلواتهم .

قلت : الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من مسائل الفروع التي كثيرا ما يتنازع في تحريرها وتوصيفها الشرعي العلماء ، فمن بلغ مرتبة الاجتهاد وأصاب فيها فله أجران ، ومن أخطأ فيها فله أجر واحد وخطأه مغفور له ، ولا يجوز فيها التخوين أو التفسيق أو التكفير في أي رأيين أو مذهبين اختار المرأ ما دام ينطلق من أرضية شرعية ، وأما العامة فمذهبهم في ذلك فهو مذهب علمائهم ومشايخهم .

أحدثت هذه المسألة وما صاحبها من جدال شرخا كبيرا بين المسلمين ، فرقت بين صفوفهم ، وجعلتهم أعداء فيما بينهم ، وأخذ هذا النزاع والاختلاف وقتا طويلا من غير أن يحقق شيئا يذكر ، ولم تستطع كل طائفة أن تهزم الآخر أو تتغلب عليها فكريا ، ولم يُعط الحوار الهادف والنقاش البناء فرصة كافية ، بل استمر كل فريق في مخاطبة أتباعه وأنصاره بما يحلوا له ومهاجمة مخالفه بما لا طائل تحته ، مما زاد الشقة بين الفريقين وجعل كل واحد منهما ينظر إلى الآخر بعين الشك والريب .

كل الفريقين ، الفريق الذي يرى عدم جواز احتفال المولد النبوي الشريف أو الفريق الذي لا يرى بأسا في ذلك ، فكلاهما من أهل القبلة والإيمان والإسلام ، يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم ويعظمونه حق التعظيم ، فهم مأجورين في ذلك ، فلا يجوز الاعتداء عليهم أو الإساءة إليهم مهما كان الأمر .

وأخيرا ، يجب على العلماء والدعاة السعي لإنهاء هذا النزاع الذي طال أمده ، وسبب مشاكل كثيرة لا تعد ولا تحصى ، وفوّت كثيرا من المصالح العامة ، وأشعل معارك جانبية وهامشية لا تقدم ولا تؤخر، فاستمراره لا يصب في صالح الأمة ، فالله الله في حفظ وحدة الأمة ومصالحها الخاصة والعامة . 

وفق الله تعالى الجميع بما فيه صلاح ديننا ودنيانا.

  

الدكتور عبد الباسط شيخ إبراهيم

ولد في دينسور في إقليم بأي ، ودرس الإبتدائية والاعدادية والثانوية في مدرسة 11 يناير في بيدوه، وحصل البكالوريوس والماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والدكتوراه من جامعة المدينة العالمية في ماليزيا تخصص التعليم والدعوة

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات