أخبارمقالات

المصارف الإسلامية : مشروع نهضة أمة

يعاني العالم الإسلامي مشاكل كثيرة في كل مجالات الحياة سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، وهذه نتيجة حتمية لكل أمة تبتعد عن مصدر هدايتها ومنبع هويتها ، ولا يتحاكم حكوماتها ولا أفرادها إلى دينها وعقيدتها .

ولم تكن هذه المشاكل وليدة اليوم ، بل فقد المسلمون كثيرا من مزاياهم بعد سقوط آخر خلافتهم في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي ، وأصبحت بلدانهم تحت رحمة اتفاقية سايس بيكو التي وقعت  في عام ١٩١٦م ، وكان أول عمل قام بها المستعمر الجديد تنحية الشريعة عن مجال الحكم والسياسية كما استهذف مجال الإقتصاد والمال وتم تحويله من نظام يتقيد بنصوص الشريعة إلى نظام يتعامل بالربا وملحقاتها ولا يبالي من أي مصدر كان موارده .

الاقتصاد عصب الحياة ، والأمة التي لا تملك قوتها ولا تستطيع أدارة مواردها بما يوافق شرعها لا يمكن لها أن تملك قرارها ولا أن تنافس بغيرها .

وبعد ظهور الحركات الإسلامية وانبعاث الصحوة واليقظة كان أكثر سؤال يوجهه إلى قادة العمل الإسلامية يتمحور حول موقفهم وكيفية تعاملهم مع النظام المالي العالمي المؤسس على الربا ، إذا ما نجحوا في يوم ما ووصلوا إلى سدة الحكم ، لأن الاقتصاد والمال كلُّ لا يتجزأ ، ولا يمكن لأي بلد على كوكب الأرض أن يستقلَّ بنفسه ، ولا بدَّ من التعامل مع الأمم الأخرى في التوريد والتصدير والبيع والشراء ، وأن النقد لم يعد كافيا ومجديا في الصفقات الكبرى ، بل أصبحت البنوك المعتمد الرئيسي في التجارة المحلية والعالمية ، وأن هذه البنوك تتعامل بالربا ، فما الحل في هذه المعضلة ؟ .

لم تكن جوابها صعبة من الناحية النظرية ، لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ولا يعوزه حل المشكلات والمعضلات مهما كبرت وتشعبت ، ولكنها من الناحية التطبيقية تبدو صعبة ، لأن النظام المالي القائم في بلاد المسلمين لا يختلف كثيرا عن النظام السياسي المستورد من الخارج ، وأن تغيير الأنظمة المنظمة للمال والاقتصاد المرتبط بالاقتصاد العالمي من الصعوبة بمكان ، ثم عدم وجود تجارب ناجحة سابقة تجعل هذا الادعاء في موقع تهمة .

والحق أن قادة العمل الإسلامي لم يستسلموا لهذا التهويلات والتخويفيات بل أصروا على تحقيق مبدأ أن الإسلام جاء لحل جميع مشاكل العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،علمها من علمها وجهلها من جهلها .

وقد انبرى عدد من علماء المسلمين في توضيح وتبيان بأن الإسلام يملك رؤية واضحة وصحيحة في توظيف الأموال وإدارة الاقتصاد بعيدا عن الربا وعن كل شائبة وشبهة حرمها الشارع الحكيم ، ومن هؤلاء العلماء الأجلاء : 

الدكتور : عيسى عبدو (١٩٠١١٩٨٠)م : رائد الاقتصاد الإسلامي:

يعتبر العالم المصري الدكتور عيسى عبده رحمه الله تعالى من أوائل العلماء الاقتصاديين المسلمين الذين نادوا في تفعيل وتطبيق النظام الإسلامي في التمويل والتجارة وتأسيس مصارف وبنوك تتقيد معاملاتها وفق الشريعة الإسلامية ، وكانت محاضراته في مصر ودول الخليج والجزيرة العربية تتمحور حول هذا الموضوع ، وقد ألف مجموعة كبيرة من الكتب حول هذا الموضوع ، ومن مؤلفاته في الاقتصاد الإسلامي  : بنوك بلا فوائد ،  الربا ودوره في استغلال موارد الشعوب ، ومشروع قيام بنك إسلامي ، والاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهاج ،و البنوك الإسلامية في مراحل الدراسة والإنشاء ، والقرآن والدراسات الاقتصادية ، والنظم المالية في الإسلام ، وغير ذلك من البحوث والدراسات ذات الصلة بالاقتصاد الإسلامي.

ولم يكن وحده في هذا المجال بل هناك جهابذة من علماء المسلمين الذين طرقوا هذا الباب وألفوا كتبا كثيرة في مجال الصيرفة والبنوك والاقتصاد الإسلامي .

ومن أقدم المؤسسات الإسلامية في الاقتصاد البنك الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، الذي أنشأ بدوره معهد الإسلامي وجمع حوله الخبراء الاقتصاديين والفقهاء تحت مظلة واحدة ، مما ساهم في تطوير العمل المصرفي والبنكي بصورة فائقة .

ثم تتابعت الجهود الفردية والجماعية في تأسيس شركات ودور مال تعمل وفق الشريعة في توظيف المال وإدارته وفق  أطر الشريعة ، فتأسست  في مصر شركات عُرفت بشركات توظيف الأموال ، وحققت حضورا ملحوظا في الساحة  وحققت أرباحا كبيرة ما أغضب البنوك ورجال الأعمال فوئدت في مهدها حتى لا تنافس النظام الربوي السائد .

بنوك إسلامية : في شهر سبتمبر في عام ١٩٧٥م ، تم افتتاح أول بنك رسمي يعمل وفق النظام الاقتصادي الإسلامي في مدينة دبي بنك دبي الإسلامي ، ثم تتابع الأمر ، ففتحت بنوك في كل من السعودية والبحرين وقطر وعمان وماليزيا وباكستان وتركيا والأردن وإيران والسودان والإمارات وغيرها من البلدان ، كما توجد فروع من هذه البنوك في الدول الغربية .

وتجاوزت عدد البنوك التي تتعامل مع النظام الإسلامي الكامل في المعاملات البنكية أو خصصت منافد إسلامية من بنوكها أكثر من مئة بنك في أنحاء العالم .

وقد حققت هذه المصارف الجديدة نموا أذهل الاقتصاديون وخبراء المال مع قلة مدخراتهم المالية والتمويلية مقارنة مع البنوك العالمية العريقة ، ما جعل كثير من البنوك الربوية يؤسسون ويفتحون محافظ ونوافد للتعامل المالي الإسلامي من أجل استقطاب عملاء جدد يفضلون التعامل بهذا النوع من المعاملات.

بنك السلام الصومالي : تحقيقا لرغبة كثير من الصوماليين في توفيق تجارتهم ومعاملاتهم المالية وقف الشرع الحنيف تم افتتاح أول بنك ومصرف إسلامي في الصومال ، في وقت لا يوجد في البلد نظام مالي منظم ، ما جعل عدد من رجال الأعمال الصوماليين يقتفون أثره ويفتحون بنوكا على غرار بنك السلام ، وسوف نخصص بإذن الله تعالى مقالا أو بحثا عن الصيرفة الاسلامية في الصومال عامة وعلى ظروف تأسيس ومسار وانجازات بنك السلام خاصة ، إذا توفرت لنا المعلومات المتعلقة في ذلك من أجل إبراز دور المؤسسات المالية الإسلامية الصومالية في تنمية المجتمع وتسهيل حاجات الناس وفق الشرع الحكيم .

اللجان الشرعية في البنوك الإسلامية :

من الصعوبات التي واجهت المصارف الإسلامية عند تأسيسها كانت تتمثل في كيفية التعامل مع المعاملات المالية الحديثة التي لا تتوقف عند حدّ بل تتطور وتتجدد في اضطراد ما يجعل البنوك في حيرة من أمرها إذا لم تجد لها حلا في إطار القواعد الشرعية ، لأن كثيرا من المعاملات البنكية الحديثة تدخل في باب النوازل التي تحتاج إلى اجتهاد جماعي ، ينبغي أن يشترك في تحريرها وتوصيفها خبراء اقتصاديون ليتمكن العلماء في  إصدار فتوى ملائمة لكل معاملة ومسألة مالية ،  ولأجل ذلك تأسست  لجان شرعية في داخل البنوك ، مهمتها مراقبة المعاملات المالية ومطابقتها بالقواعد الشرعية ، والتأكد من أن البنك لا يتعامل مع الربا مهما كان الأمر .

هناك انتقادات وكلام حول هذه اللجان الرقابية ومدي استقلاليتها في قرارها ، ولا يسمح المقام في سرد هذه الملاحظات والرد عليها .

كليات ومعاهد اقتصاد إسلامية :

على ضوء هذا الحراك المتسارع بعد تأسيس البنوك والمصارف الإسلامية دعت الحاجة إلى تأسيس كليات ومعاهد تهتم في تدريس وتطوير العلوم المتعلقة بالاقتصاد الإسلامي من أجل تخريج كوادر علمية متمكنة يسدون حاجة المصارف الإسلامية لعلماء شرعيين .

الحديث عن البنوك الإسلامية حديث ذو شجون ، يحتاج إلى دراسة عميقة وبحث رصين ، لا يقتصر على المظاهر بل ينزل إلى العمق، يحاور القائمين على البنوك ، ويتجاذب الحديث مع الموظفين ويسألهم مدى مراعاتهم لتطبيق الأنظمة المقررة عند كتابة العقود وإجراء المعاملات،  ثم ينزل إلى ساحة العملاء ومستخدمي ومستفيدي الخدمة ليسألهم عن مدى رضاهم عن عمل البنك.

وأخيرا ، قدمت البنوك الإسلامية خدمة جليلة للمجتمع ، وسدّت فراغا كبيرا تجاه الصيرفة الإسلامية ، وأثبتت بأن الاقتصاد الإسلامي هو الأجدر في بناء اقتصاد نظيف ومثمر، وأن البنوك تنموا وتزدهر بدون ربا ، لأن الإسلام جاء لحماية البشرية وحفظها من كل آفة ، وأن يضمن لها حياة سعيدة .

فهذه إطلالة مختصرة حول هذا الموضوع المهم ، أرجو بأني وُفقت في تقديمها بحيث تنال رضاكم.

وشكرا .

د.عبدالباسط شيخ إبراهيم

     

    

الدكتور عبد الباسط شيخ إبراهيم

ولد في دينسور في إقليم بأي ، ودرس الإبتدائية والاعدادية والثانوية في مدرسة 11 يناير في بيدوه، وحصل البكالوريوس والماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والدكتوراه من جامعة المدينة العالمية في ماليزيا تخصص التعليم والدعوة

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات