أخبارمقالات

الذكرى 50 لثورة 21 من أكتوبر عام 1969م

في مثل هذا اليوم قبل 50 عاما تولّى العسكر مقاليد إدارة البلاد في انقلاب أبيض قاده الجنرال محمد سياد برّي الّذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية الصومالية لفترة تصل إلى 21 عاما.

وجاء الانقلاب العسكري بعد 6 أيام من اغتيال الرئيس عبدالرشيد علي شرمأركي في مدينة لاسعانود حاضرة إقليم سول الّذي اغتيل في 15/ أكتوبر- تشرين الأول/1969، في حين تم الانقلاب العسكري مساء اليوم 21/أكتوبر –تشرين الأول من نفس العام أي قبل نصف قرن من الزمن.
ورغم أن قادة الانقلاب العسكري كانوا يرددون بأنهم جاؤوا للقضاء على الفساد المشتري في الحكومات المدنية التي تولت مقاليد إدارة البلاد منذ حصول الصومال على استقلالها، إلاّ أن الثورة “المباركة” كما كان يسميها أهلها لم تكن الحل السحري للمشاكل التي كان يعاني منها أهل البلاد.
وقد قام النظام العسكري خلال فترة حكمه بخطوات إيجابية وسلبية كان لها دور كبير في رسم المعالم الأساسية الصومالية آنذاك.
ومن أهم منجزاته على المستوى الدّاخلي رفع كفاءة التدريب والتسليح للجيش الصومالي مما جعله في مصاف أوائل القوى العسكرية في إفريقيا، حيث كان الجيش الصومالي في سبعينات القرن الماضي ثالث قوّة عسكرية أفريقية من حيث العدد والعدة لا يسبقه في هذا المجال إلاّ الجيش المصري والنيجيري.
كما يعدّ كتابة اللغة الصومالية وتدوينها في هذا العهد من أهم الإنجازات الثقافية والعلمية التي حققها النظام العسكري الّذي أصدر في أكتوبر/تشرين الأول/ عام 1972م، أمرا بموجبه تمت كتابة اللغة الصومالية بالحرف اللاتيني ومنذ ذلك الحين ما زالت اللغة الصومالية تكتب بالحرف اللاتيني، رغم التّحفظات التي يبديها البعض تجاه كتابة اللغة الصومالية بالحرف اللاتيني، بسبب بعده عن ثقافة المجتمع وعلاقاته التاريخية بالمجتمعات العربية المجاورة له.
وقد ساهمت كتابة اللغة الصومالية وخاصة الحملة الوطنية لتطوير الريف ومكافحة الأمية التي أطلقت عام 1974م، ساهمت في عمليات مكافحة الأمية المتفشية في البلاد وتخفيض نسبها في الأوساط الشعبية.
إلى جانب هذه الإنجازات يؤخذ على النظام العسكري تبنّيه السياسة الاشتراكية الشيوعية التي لا تتوافق مع الانتماء الدّيني والعقدي للشّعب الصومالي مما أوجد فجوة واسعة بين النظام والشعب، وأخذت هذه الفجوة تتسع وتتنامى إلى أن تم إصدار قانون الأحوال الشخصية عام 1975م والّذي ساوى بين المرأة والرّجل في الحقوق والواجبات بما فيها المواريث مخالفا بذلك نصّ الآية الصريحة الموضّحة لنصيب الجنسين في الميراث، مما أثار حفيظة علماء الدين الّذين أعلنوا معارضتهم لهذا القانون الّذي يخالف الشريعة الإسلامية، مما أدّى إلى إعدام 10 منهم ظلما وعدوانا، فعرفوا بعد ذلك بشهداء القرآن. ويعتبر هذه الحادثة بداية النهاية للنظام العسكري.
ويعتبر النهج الاستبدادي الّذي انتهجه النظام العسكري آنذاك من أفدح إخفاقاته، حيث أن المجلس الأعلى للثورة علّق العمل بالدّستور وحلّ جميع مؤسسات الدولة كالبرلمان والحكومة والقضاء، واختصر السلطة في يد الجنرال محمد سياد برّي الّذي استبد بالأمر حتى دون رفاقه في العمل الثوري، بل قام بإعدام بعضهم بتهمة خيانة الثورة مثل الجنرال صلاد غبيري وغيره ممن طالتهم سيف تطهير الثورة من الخونة وحمايتها من المندسين.
هذه السياسة الاستبدادية أضرّت بمستقبل البلاد، حيث يمكن ردّ جميع المشاكل التي عانى منها الشعب مثل انهيار النظام الحكومي ودخول البلاد في فوضى الحرب الأهلية بعد حمل الجبهات القبلية السلاح في وجه الثورة المباركة، يمكن ردّ كلّ هذا إلى السياسية الاستبدادية التي انتهجها النظام العسكري آنذاك.
وينقسم الشارع الصومالي حول الذكرى 50 لثورة 21 من أكتوبر عام 1969م، فمنهم من يرى أن الثورة كانت إنجازا كبيرا للشعب الصومالي حيث إن الصومال خلال 21 عاما التي قضاها العسكر في السلطة تعتبر العصر الذهبي للدولة الصومالية سواء في الدّاخل والخارج، وأن الّذين ثاروا في وجه هذا النظام أدخلوا البلاد في نفق مظلم لم يتمكن الخروج منه حتّى الآن.
ويرى قسم آخر من الشعب أن الثورة كانت بمثابة إجهاض كامل للتجربة الوليدة في بناء الدولة الصومالية الحديثة التي تواكب العالم المعاصر فكريا واقتصاديا وعسكريا، وذلك بسبب استحواذ العسكر على السلطة واستبدادهم بالأمر وقتل روح الإبداع لدى الشعب الصومالي بسبب القمع السياسي المتمثل بالاعتقالات والإعدامات.
وبين هذا وذاك فإنّه من الواضح أن لكلا الثورتين (ثورة 21/أكتوبر1969م، وثورة 62/يناير/1991م) سلبيات عرقلت مسيرة بناء الدولة الصومالية الحديثة، ولذا يجب على الشعب الصومالي الاستفادة من عبر ودروس التاريخ، والقيام من أجل بناء وطنهم من جديد، بعيدا عن تكرار أخطاء الماضي التي أسقطت النظام العسكري، أو تلك الأخطاء التي اقترفتها الجبهات المسلّحة في السنوات 30 التي أعقبت سقوط نظام ثورة 21 من أكتوبر/1969م.

عمر محمد معلم حسن

الكاتب عمر محمد معلم حسن باحث أكاديمي وكاتب صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات