أخبارتقدير موقفمقالات

انتخابات جوبالاند … المشكلة والسناريوهات المتوقعة

يمضي رئيس ولاية جوبالاند أحمد إسلان مدوبي قدما في طريقه نحو اكمال المسار الانتخابي في  الولاية دون الالتفات إلى اعتراضات الحكومة الاتحادية في مقديشو، لقد جرى اختيار نواب البرلمان الجديد المكون من 73 نائبا الذين أعادوا، أمس السبت انتخاب رئيس البرلمان السابق ونائبيه في عملية انتخابية سلسة وسهلة لم يشهد فيها أي منافسة تذكر بينما ستجرى انتخابات رئيس الولاية يوم  الخميس المقبل ولهذا يكتمل المسار الانتخابي في جوبالاند بما لا تشتهي سفينة الحكومة الاتحادية الأمر الذي سيضعها أمام تحدي حقيقي بعد اعلان وزارة الداخلية والشؤون الفيدرالية الصومالية في بيان أصدرتها يوم أمس عن عدم اعترافها بنتائج الانتخابات معتبرة إياها لاغية لمخالفتها معايير ومبادئ والإجراءات التي وضعتها الوزارة.  وبالتالي يتساءل المراقبون كيف سيتمكن الأطراف المعنية من الخروج من هذا المأزق وما هي السناريوهات المحتملة.

جوبالاند.. الوضع مختلف

فالوضع السياسي في جولاند معقد وليس من السهل التنبؤ بكيف ستتطور الأمور وبما سيحدث في قادم الأيام  لارتباطه بعوامل تاريخية وجغرافية وكانت أزمة هذا الإقليم خلال السنوات الماضية التي تلت سقوط نظام سياد بري لغزا يصعب فك طلاسمه وكانت تختلف عن الأزمات العاصفة بالأقاليم الأخرى بسبب:

  • موقع الاقليم الجغرافي القريب من الحدود الكينية، والتركيبة القبلية فيه، حيث تقطن العشائر المهيمنة في الإقليم في كلا البلدين الأمر الذي يكسبها دعما قويا من الحكومة الكينية في صراعها مع الحكومة المركزية.
  • بعده عن العاصمة مقديشو (500 كم) خلافا للولايات الأخرى وهذا ساهم في أن تتصرف حكام الولاية بعيدا عن المراقبة والتدخل المباشر من الحكومة المركزية في مقديشو وبالتالي جميع الخلافات بين الطرفين كان يتم حله في السابق لصالح القوى المهيمنة على الإقليم.

لقد حدث مثل هذه المشكلة في عام 2013  واندلع خلاف حاد بين الحكومة الاتحادية ورئيس ولاية جوبالاند الحالي أحمد اسلان مدوبي بسبب الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها مذوبي ولم يعترفها البرلمان الفيدرالي  الصومالي واعتبرها غير دستورية وغير قانونية، لكن لقاءات واجتماعات ماراثونية تم التوصل إلى اتفاق أنهى المشكلة وحافظ ماء وجه الجميع والاعترف بالنظام السياسي الذي كان يقوده أحمد مدوبي وأن الأخير يحاول في الوقت الحالي إعادة استنساخ هذا السناريو مستفيدا من خبرته وقدرته على اللعب بأوتار حساسة وعلاقته القوية مع أطراف خارجية لها دور مباشر في الأوضاع السياسية والأمنية في الإقليم.

جدور المشكلة الحالية

تمكن تلخيص المشكلة في أن الرئيس أحمد مدوبي يسعى إلى إعادة انتخابه  والبقاء على السلطة في الولاية لفترة ما بعد ولاية الحكومة الاتحادية الحالية ليتمكن من لعب دور كبير في  الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع اجراؤها في الصومال عام 2021 ويساهم في عدم إعادة انتخاب الرئيس الصومالي الحالي محمد عبدالله فرماجو ويتمتع بدعم قوي من كينيا وأطراف في إثيوبيا وقوى اقليمية ودولية أخرى، وأن هذا التوجه يشكل خطرا على مشروع الرئيس فرماجو إزاء مستقبل النظام السياسي في الصومال والمتمثل في اسقاط رؤساء الحكومات الإقليمية الذين لا يدعمون رؤيته وانتخاب رؤساء آخرين يكون أكثر ولاء له ويساعدونه في إعادة انتخابه لقترة ولائية ثانية ليتسنى له انشاء نظام فيدرالي قوي أقرب من النظام المركزي.

كيف تعاملت حكومة فرماجو مع الأزمة؟

لم تدع الحكومة خيارا الا واستخدمتها لمنع إعادة انتخاب مذوبي، أو على الأقل خلق أجواء انتخابية قد تشكل تهديدا على إعادة انتخاب الرجل، في البداية حاول تغيير مواقع مدوبي تجاه حكومة فرماجو عبر تضييق الخناق عليه اقتصاديا ومنعه منه مستحقات الإقليم في الميزانية الفيدرالية وحصتها من المساعدات المالية الدولية للصومال، وعندما فشل هذا الخيار  انتقلت إلى الخيار السياسي وأوفد وزراء ونائب رئيس الاستخبارات فهد ياسين ومن ثم رئيس الوزراء حسن خيري إلى الاقليم للتوصل إلى اتفاق ما  كما دعته مذوبي نفسه إلى زيارة مقديشو لتسلمه رسالة واضحة وقضي فيها أياما، لكن لم تنجح في إقناعه بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة في جوبالاند والاعتزال عن المشهد السياسي في البلاد ولم تحصل منه أيضا أي وعد بعدم عرقلة إعادة انتخاب الرئيس فرماجو، رغم وجود معلومات بأنه قبل أن يدعم رئيس الوزراء الحالي اذا قرر الترشح للانتخابات الرئاسية 2010\2021. كما أن الحكومة الاتحادية حاولت مرارا أن تضع ملف جوبا لاند ضمن جدول مفاوضاتها مع كينيا وتحقيق تفاهمات معها تضمن اخراج مدوبي من المشهد السياسي في الولاية غير أن هذه المحاولات كلها لم تكلل بالتوفيق.

وفي محاولة أخيرة دعت الحكومة الاتحادية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة الايقاد إلى التدخل وممارسة ضغوط على أحمد مدوبي وتوجيه رسالة قوية إليه مفادها بأنه يجب احترام سلطة الحكومة الاتحادية وقراراتها السيادية وأنها لن تقبل كل ما يمكن أن يشكل تهديدا للتقدم المحرز خلال السنوات الماضية في إشارة إلى أنها لن تعترف بنتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية في جوبالاند ما لم يؤخذ قرارات الحكومة الاتحادية في عين الاعتبار ولم يوفر أجواء انتخابية حرة وشفافة.

حاولت تلك القوى التوسط وإقناع الرئيس مدوبي بتأجيل الانتخابات لافساح المجال أمام مساع دبلوماسية لحل الأزمة  وزار كسمايو أكثر من مرة ممثلون من المجتمع الدولي برئاسة ممثل الأمين العام  للأمم المتحدة في الصومال جيمس سوان  ومسؤولون من الاتحاد الافريقي وطالبوا رئيس جوبالاند من  السماح للمرشحين المعارضين بالتسجيل والمشاركة في الانتخابات وتعديل معايير المرشحين لخوض الانتخابات، لكن لم تنجح محاولتهم لأنهم لم يمارسوا الضغوط الكافي ضد أحمد مدوبي وتركوه يجري الانتخابات كما كان مقررا.

وهناك معلومات أيضا تتحدث عن أن الحكومة الاتحادية طالبت من إثيوبيا التدخل واجبار مذوبي التنحي وعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية  وزار كلا من مقديشو كسمايو ضباط من الاستخبارات الإثيوبية غير أن المسعى فشل بتدخل طرف من الأطراف.

السيناريوهات المتوقعة

باتت إعادة  انتخاب رئيس الحالي لولاية جوبالاند أحمد اسلان مدوبي واقعا لا مفر منه وأنه سيكون الرئيس المقبل للسنوات الأربعة المقبلة رغم اعتراض الحكومة الاتحادية ولذلك ستتطور الأمور إلى واحد من السناريوهات التالية :

  • أن يصل مساعي جميع الأطراف ذات الشأن بالملف إلى طريق مسدود وتضيق الخيارات أمام طرفي الصراع وتتجه الأمور نحو مزيد من الاصطدام والانتقال إلى الخطط البديلة، واطلاق معركة كسر العظم. وفي هذا الإطار لم يعد أمام الحكومة سوى عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات وتكثيف الضغوط على إدارة مدوبي من خلال دعم المجموعات السياسية المعارضة له مما يهدد الاستقرار السياسي والأمني بالإقليم ودخول تفاهمات مع القوى الإقليمية لرفع الغطاء عنه واجباره على التنحي، وفي المقابل يبدو أن مذوبي لا يظهر اللين وهو عازم على المواجهة مهما بلغت التكاليف والبقاء رقما صعبا في المعادلة السياسية في الصومال، وأنه يعلق أمالا على جهات أخرى ، داخليا على دعم ولاية بونت لاند له والتيارات السياسية المعارضة لحكومة الرئيس فرماجو، وخارجيا على دور كينيا فيما يتعلق بتخفيف الضغوط الإقليمية والدولية عنه.
  1. أن يرفض المرشحون للانتخابات الرئاسية في جوبالاند عن نتائح الانتخابات ويعلنوا انتخابهم رئيسا جديدا وبرلمانا موزيا ، حيث يكون في جوبالاند رئيسان وبرلمانان ما يفتح المجال أمام حدوث صراع دموي يستدعي التدخل للمجتمع الدولي.
  • أن يحدث خلاف بين الرئيس فرماجو ورئيس الوزراء حسن خيري حول ما يتعلق بمشكلة جوبالاند، حيث يقول البعض أنمواقف الأخير تجاه الإقليم أحف حدة من الرئيس فرماجو وبالتالي لا يمكن الاستبعاد من أن يطالب خيري أن تغض الحكومة الاتحادية الطرف عن جوبالاند وانهاء المشكلة عبر تفاهمات سرية
  • أن تنزل الحكومة الاتحادية من الشجرة وتقبل سلطة أحمد مدوبي والواقع الذي أفرزته الانتخابات وبالتالي الدخول إلى مفاوضات جديدة تشبه كمفاوضات عام 2013 بين مدوبي وحكومة الرئيس السابق حسن شيخ والتي أفضت إلى اتفاق تاريخي بين الطرفين في أديس أبابا.

وفي خضم كل هذه السيناريوهات، فهناك حقيقة واحدة أن أحمد مدوبي ستتم اعادة انتخابه في 22 من الشهر الجاري وسيقبى رئيسا لجوبالاند خلال السنوات المقبلة بغض النظر عن الظروف والتحديات التي سيواجه الرجل.

 

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات