أخبارتقدير موقفمقالات

الأزمة السياسية في ولاية “جوبالاند”  جنوب الصومال بين محور “أسمرا” ومحور “نيروبي” (المآلات والمستقبل)

تشهد منطقة القرن الإفريقي تحولات سياسية هائلة خلال 12 شهرا الماضية، وبالتحديد منذ صعود أبيي أحمد على العرش الإثيوبي، حيث أخذ توجهات جريئة وغير مسبوقة بالنسبة للدبلوماسية الإثيوبية التقليدية، مما أدى الى ظهور محاور جديدة مختلفة الأهداف والرؤى في المنطقة، مثل “محور أسمرا” “ومحور نيروبي” الذين يمثلان طرفي نقيض في تناول الملفات السياسة الشائكة في المنطقة، و يبدو أن حلبة الصراع بين المحورين هي جمهورية الصومال التي تمثل أضعف حلقة في المنطقة حاليا، ليظهر كل محور عضلاته ونفوذه فيها. وفي هذا المقال نستعرض الصراع بين الطرفين وأثره على الصومال، إضافة الى النتائج المتوقعة من هذا الصراع.

محور أسمرا ومحور نيروبي واختلاف أوجه النظر بينهما

يطلق “محور أسمرا” على المعسكر الذي يقوده أبيي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي وبعضوية كل من الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الجيبوتي عمر جيلي (مع التحفظ للأخير) والذي تشكل في القمة الرئاسية التي انعقدت في 5/9/2018 بمدينة أسمر العاصمة الإريترية، ثم صار يمثل أقوى محور في القرن الإفريقي رغم حداثة عمره. أما محور نيروبي قهو ذلك المعسكر الذي يضم عضوية كل من دولة كينيا وقوى اقليمية أخرى، وهو معسكر تقليدي أكثر من كونه معسكرا تجديديا.

يختلف المحوران حول معظم الرؤى والتوجهات السياسية في القرن الإفريقي، ففي حين يرى معسكر أسمرا امكانية حل كل مشاكل المنطقة من خلال: تصفير العداء بين الدول المنطوية تحت منظمةIGAD  الثمانية، والسعي الى إيجاد شكل من أشكال الوحدة بينها، فضلا عن دول القرن الإفريقي (أثيوبيا، جيبوتي، الصومال، أريتريا) التي يؤمن هذا المحور الى حد إمكانية الوحدة والدمج بينها، وذلك لتجانسها وانسجامها عرقيا ودينيا وجغرافيا، يعتقد محور نيروبي في المقابل أن وجود تكتل من هذا النوع سيضر مصالحه الإقتصادية، ويخاف من أنه اذا بدءت الموانئ الصومالية والجيبوتية والإريترية تعمل بكامل طاقتها الإستيعابية من البحر الأحمر وحتى المحيط الهندي فسيكون ذلك على حساب ميناء مزدهرة بالاقليم، كما أن لدولة كينيا مزاعم تاريخية مع الصومال، كالمنطقة البحرية المتنازع عليها بينها وبين الصومال والمفتوحة حاليا امام محمكة العدل الدولية في لاهاي والتي تشير كل التوقعات بأن جمهورية الصومال ستكسب القضية.

كما يؤكد أيضا معسكر “أسمرا” ضرورة التكامل السياسي والإقتصادي والثقافي بين الدول الإعضاء في المنظمة IGAD، وخاصة جمهورية الصومال التي يعتقد هذا المحور بأن وجود دولة صومالية موحدة قوية ضرورية لإستقرار منطقة القرن الإفريقي سياسيا، وازدهارها اقتصاديا، وهذا يتقاطع تماما مع ثوابت السياسة الخارجية لدى كل من دولة اثيوبيا (سابقا ما قبل أبيي أحمد) ودولة كينيا الحالية، والتي مفادها أن ضعف الصومال هي قوة اثيوبيا وكينيا، وقوة الصومال هي ضعف كينيا واثيوبيا، كما صرح بذلك الرئيس الكيني الأسبق “دانيال أرب موي” في كلمة ألقاها في جامعة أمريكية في ولاية أوهايو، حيث قال: “نحن واثيوبيا متفقون على أضعاف الصومال وتمزيقها وأن لا تقوم دولة صومالية قوية مرة أخرى”. وعليه فنحن أمام محور ثوري نهضوي يسعى لتغيير الماضي الأليم، وبناء مستقبل وحدوي تعاوني جديد، مقابل محور تقليدي لسان حاله يقول: ابقاء دول القرن الإفريقي على ما كانت عليه بدون تجديد ولا تطوير ولا تجميع ولا تعاون وثيق ولا توحيد. وعلى ضوء هذه الخلفية المتباينة تجري التجاذبات السياسية بين المحورين في المنطقة، والتي تدور آخرها حاليا في ولاية “جوبا لاند” جنوب الصومال.

أزمة “جوبا لاند” جنوب الصومال

ظهرت ملامح المواجهات بين الطرفين في ولاية “جوبا لاند” الواقعة جنوب الصومال، والتي لها حدود طويلة مع دولة كينيا، قبل بضعة أشهر عند ما اقترب الموسم الإنتخابي البرلماني والرئاسي للولاية.

إن الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو الذي وعد في حملته الإنتخابية قبل سنتين للشعب الصومالي بأنه سيعيد جمهورية الصومال الموحدة والقوية وذات السيادة، بدء تنفيذ وعده منذ توليه رئاسة البلاد، وخاض مواجهات خارجية وداخلية لتحقيق هذا الهدف، ويرى أنه يواجه اليوم عقبة أخرى ضد هذا الهدف في “ولاية جوبا لاند” جنوب الصومال، ففي حين يسعى الرئيس الصومالي المدعوم من قبل الرئيس الإثيوبي والإريتري لتغيير رئيس الولاية أحمد مدوبي مهما كلف ذلك، تدخل كينيا على الخط مباشرة لأبقاء رئيس الولاية “أحمد مدوبي” على الكرسي بأي ثمن، مقدمة في ذلك كل التسهيلات والإمكانات السياسية والمادية، كما صرحت بذلك “جريدة Sunday Times” الكينية.

ولقد أخذ كل طرف على أرض الواقع عدة خطوات لترجيح الكفة لصالحه، ففي حين تم تشكيل برلمان جديد للولاية موال للرئيس الحالي المدعوم من محور نيروبي والذي يعتقد الكثير من المراقبين من بينهم الأمم المتحدة ومنظمة IGAD بأن هذا البرلمان يفتقر الى المصداقية، تم في المقابل أيضا تشكيل برلمان آخر للمعارضة، ومن المتوقع أن يتم أنتخاب رئيسين للولاية خلال 48 ساعة القادمة، رئيس للموالاة، ورئيس للمعارضة، في مساحة جغرافية لا نزيد عن 30 كم.

فرص النجاح لكل محور

إن النجاح في نظر بعض المراقبين في المدى القريب هو حليف لمحور نيروبي، حيث صار من المؤكد الى حد بعيد عودة رئيس الولاية الحالي “أحمد مدوبي اسلام” الى الكرسي خلال 48 ساعة القادمة، إن لم يطرء طارئ، أما ما بعد الإنتخابات فيبدو أن محور “أسمرا” سياخذ زمام المبادرة، وذلك لما يملكه من أوراق قوية تكفي واحدة منها لنسف خطط محور نيروبي، لعل أهمها: 

  1. الشرعية الوطنية، حيث أن “ولاية جوبا لاند” هي جزء لا يتجزء من جمهورية الصومال، ومن المفترض أن يسري عليها قوانين الجمهورية الصومالية الفدرالية.
  2. إن نتائج أية انتخابات في الولاية لا توافقه جمهورية الصومال فستبقى لاغية وغير معترفة محليا واقليميا ودوليا، مما يجعل المعسكر المضاد في المحك بعد تنصيب رئيس الولاية، فكل التعاملات مع الولاية برا وبحرا وجوا مرتبط بالحكومة الصومالية في مقديشو.
  3. تمتلك جمهورية الصومال، حق طلب إخراج القوات الكينية من الصومال اذا طلبت ذلك من الإتحاد الإفريقي.
  4. يقف المجتمع الدولي (الأمم المتحدة، ومنظمة الإيجاد، واليونيصوم) مع الجمهورية الصومالية، في هذه الأزمة، وطلب المجتمع الدولي أكثر من مرة ضرورة تصحيح مسار الإنتخابات.

وهناك عوامل أخرى ثانوية لكنها مهمة لمحور أسمرا، حث أن إثيوبيا تترأس قوات حفظ السلام في الصومال في هذه الفترة، كما أن رئيس محكمة العدل الدولية التي تنظر قضية النزاع البحري بين الصومال وكينيا هو قاض صومالي، كل هذه العوامل وغيرها تجعل الجمهورية الصومالية ومعها محور أسمرا صاحبة اليد العليا في المستقبل، حسب رأي بعض المهتمين في الشؤون الصومالية.

كلمة أخيرة:

إن الأحداث في “جوبا لاند” تشير الى أن الولاية التي عاشت في حالة من الإمن والسلام في السنوات الثمانية الماضية، مرشحة ومقبلة على مزيد من القلاقل وعدم الإستقرار، ربما تتطور الى ما لا يحمد عقباه من تمزق وتفكك، بل وربما الى مواجهات مسلحة لا قدر الله، فأرجو من الجميع ضبط النفس وحل الأزمة بالوسائل السلمية فقط.

خبير في الشؤون الإفريقية

Ibrahimdhere1964@gmail.com

إبراهيم محمد حسين

خبير في شؤون الإتحاد الإفريقي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات