أخبارأخبار العالمتقارير ودراساتمقالات

العلاقات الإريترية مع إثيوبيا بين منغصات الماضي وتقارب الحاضر.. رؤية مستقبلية

PDF

حتى أشهر قليلة ماضية، كانت العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا في طي العلاقات العدائية من الناحية التاريخية؛ فقد شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين صراعات عديدة وأزمات مديدة لم يكن يتوقع أحد على الإطلاق ــ وفق المؤشرات التاريخية الظاهرة والمستقرة لهذه العلاقة ــــ أن يأتي اليوم الذي تزول فيه السدود والعقبات وتنزاح أمام رغبة الشعبين الملحة في تحقيق السلام والوفاق بين البلدين، وأن تنفتح الحدود المشتركة بينهما بطول 912 كم أمام الراغبين في السفر والزيارة من الأعراق المرتبطة بصلات قرابة، ومن غيرهم من الراغبين في التجارة والسياحة والعمل، وهو ما تحقق بالفعل في مفاجأة كبيرة وسارة لمحبي البلدين، عندما شهدت العاصمة الإريترية( أسمرة) توقيع اتفاق السلام بين الطرفين على يد رئيس الوزراء الإثيوبي(آبي أحمد)، والرئيس الإريتري(آسياس أفورقي) في التاسع من يوليو/تموز من العام الماضي 2018، ليبدأ البلدان علاقة سلام متبادلة وإيجابية، فتحت الباب أمام شعبيهما وقيادتيهما، لإنهاء فترة العداء التاريخية التي امتدت بينهما لما يقرب من عقدين من الزمان، والتي كان الصدام العسكري والحرب الأهلية جزءً لا يتجزأ منها، وخاصة خلال الفترة من 1998 وحتى العام 2000 وهي فترة حرب مريرة بينهما راح ضحيتها الكثير من القتلى والضحايا والمصابين لدى الطرفين؛ فقد” قُدرت خسائر القوات العسكرية فقط لدى كل من الجانبين بحوالي 100.000 جندي”[1]

واليوم، وبعد مرور عام تقريباً على المصالحة التاريخية بين البلدين، تثار تساؤلات عديدة حول مستقبل هذه المصالحة، وحول التوقعات الخاصة بإمكانية حدوث تحولات في التوجهات السياسية لدى الطرفين يكون من شأنها المساس السلبي بعلاقات السلام الجديدة بينهما، إلى جانب تساؤلات أخرى بشأن طبيعة الموقف الدولي من هذه المصالحة، ونظرة القوى الدولية المهتمة بمنطقة القرن الإفريقي تجاه الدولتين من منطلق المصالح التاريخية لهذه القوى في كل منهما، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في جملة الركائز والمنطلقات التي تحكم علاقات البلدين تاريخياً، وتقييم العوامل الخارجية وتأثيراتها الفاعلة في مستقبل تلك العلاقات، خاصة مع ظهور تحليلات وتوقعات جديدة بشأن إمكانية العودة مجدداً إلى المربع الأول من حيث عدائية التوجهات القديمة والتاريخية بين البلدين، إلى درجة قيام البعض بوصف عملية السلام القائمة بينهما حالياً بأنها” في غرفة العناية الفائقة”[2]

وبعيداً عن الاستغراق في التفاصيل التاريخية المتعلقة بطبيعة العلاقة بين إريتريا وإثيوبيا، يمكننا بداية القيام برصد سريع لأهم الملامح والجذور العميقة التي ترسم علاقتيهما، سواء في الماضي قبل انتهاء الصراع والصدام بينهما، أو في الحاضر بعد توقيع اتفاقية السلام في يوليو/تموز 2018، وذلك كخطوة أولى باتجاه تقييم هذه الاتفاقية القائمة بين الدولتين، ووضع تصور مقبول بشأن مستقبلها في ضوء مجمل التوقعات الجدلية فيما يخص استمرارها أو عدم استمرارها، وهو ما نحاول رصده من خلال نقاط العرض التالية:

  • ارتبطت خلفيات العلاقة الثنائية بين إريتريا وإثيوبيا بصراع البقاء والاستقلال والوجود الفاعل في منطقة القرن الإفريقي، وذلك في ظل حضور التأثير الاستعماري الممتد، والذي عمل على تشكيل ملامح الصراع التاريخي بين الطرفين في هذا الجزء من العالم، بل والقيام بوضع بذور الخلافات والفتن بينهما، وخاصة خلال فترة” دمجهما في اتحاد فيدرالي، وتحديداً منذ عام 1952 وحتى استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993″[3]
  • لعب الهاجس النفسي دوراً مؤثراً في توجيه ملامح العلاقات التاريخية المتبادلة بين الدولتين ليس على المستويين السياسي والاقتصادي فحسب، وإنما على المستوى الاجتماعي والشعبي أيضاً، وخاصة بعد مرحلة حصول إريتريا على الاستقلال؛ إذ” خلفت حقبة الاستعمار الإثيوبي لإريتريا والتي امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، ميراثاً من الكراهية في نفوس الإريتريين تجاه إثيوبيا، لم يستطع الارتباط اللغوي أو الإثني محوه بالكلية حتى الآن”[4] وكانت إريتريا قد شهدت العديد من الممارسات الإثيوبية القاسية خلال مرحلة الهيمنة الإثيوبية؛ فمنذ إلغاء الاتحاد الفيدرالي بين الدولتين في الرابع عشر من نوفمبر عام 1962، وقيام إثيوبيا باحتلال إريتريا عسكريا، ومن ثم الإعلان عن تحويلها الولاية الرابعة عشر من الولايات الإثيوبية، شهدت هذه الفترة تحطيم الاقتصاد الإريتري لصالح الاقتصاد الإثيوبي، كما تم سحق القضاء الإريتري لصالح الأنشطة الشرطية والأمنية الإثيوبية، وهي الفترة التي شهدت أيضاً قيام الأجهزة الأمنية الإثيوبية” باعتقال المواطنين الإريتريين بالظن ولمجرد الشبهة لمدد طويلة تصل إلى أعوام، كما شوهدت المشانق تنصب في شوارع المدن الإريترية ويُعلق عليها المواطنون الأحرار بتهمة انتمائهم إلى الثورة المسلحة”[5]
  • كان للخلاف الحدودي بين البلدين أثره الواضح في تأزيم العلاقات بينهما، بل كان هذا الخلاف هو السبب الرئيسي لاندلاع شرار الحرب بين البلدين؛ فبعد حصول إريتريا على استقلالها عام 1993 اشتدت الخلافات بين الطرفين حول منطقة(بادمي) الحدودية، ليشهد العام 1998 بداية المواجهات العسكرية بينهما، ومن ثم تم إغلاق الحدود المشتركة، وبات الشعبان الإريتري والإثيوبي يعانيان قطيعة اجتماعية كاملة، جنباً إلى جنب مع المعاناة الاقتصادية والمعيشية، وظل الوضع هكذا حتى تم توقيع اتفاق الجزائر عام 2000، والذي وإن كان قد أوقف الحرب العسكرية بين البلدين، إلا أنه لم يكن بالسلام الكامل بينهما، نظراً لقيام إثيوبيا بمخالفة أحد بنود هذا الاتفاق، والذي ينص على وجوب التزام الطرفين بقرار لجنة فض المنازعات الدولية بشأن النزاع الحدودي، وهو ما لم تلتزم به إثيوبيا حتى مجيء آبي أحمد لسدة الحكم في أديس أبابا[6] حيث” ظل النظام الإريتري متمسكا بموقفه من تنفيذ بنود اتفاقية الجزائر الموقعّة بين البلدين، وبصورة خاصّة تطبيق حكم اللجنة الحدودية الصادر في لاهاي في 13 إبريل/نسيان 2002، قبل الشروع في أي حوار مع الطرف الإثيوبي”[7]
  • لم تخف وطأة المؤثر الخارجي للقوى الكبرى العالمية بالنسبة لتكييف التوجهات القائمة داخل كل من إريتريا وإثيوبيا، وكذلك في توجيه دفة معدلات القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية المتحكمة في العلاقة بين البلدين، وبشكل إجمالي مالت القوى الدولية تاريخياً، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تعزيز الوضع الإثيوبي في كافة التوجهات على حساب الوضع الإريتري؛ فقد انحازت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لتعزيز الدور الإثيوبي في منطقة القرن الإفريقي، جنباً إلى جنب مع تهميش الدور الإريتري، الأمر الذي نجحت معه إثيوبيا في إظهار الوجه العدائي لإريتريا تجاه المجتمع الدولي، ما كان من نتائجه قيام مجلس الأمن الدولي عام 2009 بإصدار القرار رقم 1907، والذي يقضي بفرض عقوبات على أسمرة إثر اتهام النظام الإريتري بدعم الجماعات المسلحة في الصومال، كما تم تعزيز العقوبات ذاتها بقرار آخر من مجلس الأمن عام 2011 على خلفية ظهور اتهامات إقليمية واسعة النطاق لإريتريا بدعم الإرهاب في القرن الإفريقي، الأمر الذي أفضى مجملاً إلى تقليص الدور الإريتري، وتصعيب مهمة أسمرة في لعب دور إقليمي فاعل في هذه المنطقة الحيوية من القارة السمراء[8]
  • رغم قوة الخلاف الحدودي التاريخي بين البلدين، والذي كان سبباً مباشراً في الصدام العسكري بينهما، إلا أن العديد من التحليلات الراصدة لطبيعة العلاقة الشائكة والجدلية بين أسمرة وأديس أبابا، يؤكد أن جذور التباين الإريتري/الإثيوبي ليس مرده فقط للخلاف الحدودي، وإنما يمكن إيعازه بشكل أكبر إلى اختلاف النظام السياسي في كل من الدولتين؛ فوفق بعض هذه التحليلات المشار إليها، يعد هذا الاختلاف”عاملاً أساسياً في سوء العلاقة بينهما؛ فالنظام السياسي في إريتريا يرتكز إلى هيمنة الحزب الحاكم؛ حيث تتركز كل السلطات والقرارات بيد رئيس الدولة، في حين أن النظام في إثيوبيا جمهوري اتحادي يتميز بتعدد حزبي، وهذا الخلاف له تأثيره في إمكانية تباعد النظامين وتنافرهما”[9] وبخلاف هذا التحليل الذي يصب ــ ربما ــ في مدح النظام الإثيوبي، ونقد النظام الإريتري، يوجد تحليل آخر مواز، لكنه يصب أيضاً في إبراز أثر اختلاف النظام السياسي بين البلدين في مستقبل عملية السلام بينهما، وخلاصة هذا التحليل تؤكد” أن المشكلة الأعمق في الخلاف الإثيوبي/الإريتري، تكمن في استنكاف وكُره الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لتحول إثيوبيا إلى نظام حكم فيدرالي قائم على أساس عرقي، أفضى إلى تأسيس جبهة سياسية تقوم هي الأخرى على أساس ائتلاف متعدد الأحزاب تتألف عضويته من أحزاب ذات مرجعية عرقية، وهي الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا”[10]

ومن خلال نقاط العرض السابقة، يمكننا تأكيد الآتي:

  • أن العلاقات الإريترية/الإثيوبية تملك من المنغصات التاريخية على المستويات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والاستراتيجية، الشيء الكثير، ما يجعل هذه العلاقة شائكة ومعقدة، وقابلة للانفتاح على سيناريوهات مستقبلية متعددة الأوجه والاحتمالات، ليس من الناحية السلبية فقط، وإنما من الناحية الإيجابية أيضاً، ولابد من الاعتراف ضمن هذا السياق، بأن عملية السلام المفاجئة بين إريتريا وإثيوبيا، لا تروق لكثيرين في البلدين، وخاصة في إثيوبيا(البلد المبادر بعملية السلام)؛ إذ” يُوجد تململٌ بين قيادات وأبناء قومية(التجراي)، تجاه السلام مع إريتريا، خاصة وأنهم يعتبرون تسليم منطقة(بادمي) للجانب الإريتري، من قبيل التجني على جزءً من أراضيهم التي خاضوا من أجل المحافظة عليها حربًا شرسة؛ لذلك فهم غير راضين عن الانفتاح السياسي بين البلدين، ومن ثم فقد كانت محاولة اغتيال آبي أحمد في أديس أبابا، تمثل رسالة قوية من الدولة العميقة للحاكم الجديد بأنه يُمكن أن يفقد حياته نتيجة التحوّل الكبير الذي يقوده”[11]
  • أن المؤثر السياسي والاستراتيجي على المستوى الدولي تجاه البلدين، له دوره الفاعل في ترسيم الخطوط الحالية والمستقبلية لطبيعة العلاقات القائمة والمتوقعة بين البلدين، ومن ثم فلا يمكن وضع تصور مقبول بشأن علاقة كهذه دون استحضار هذا المؤثر الدولي، والذي تحركه طبيعة المصالح الدولية المتنامية داخل منطقة القرن الإفريقي، وعلى رأسها مصالح الدول المهيمنة على الاقتصاد والسياسة في العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تراهن دوماً على دور إثيوبي فاعل في القرن الإفريقي، ما يعني بقاء المنافسة الثنائية على زعامة هذه المنطقة بين إريتريا من جهة وإثيوبيا من جهة ثانية، وهذه المنافسة سيكون لها دور مؤكد في تكييف عملية السلام القائمة حالياً بين البلدين.
  • أن عملية السلام الحالية بين إريتريا وإثيوبيا في ظل عدم توافق النظام السياسي، ستظل مرهونة بالقيادات المتبنية لهذه العملية وعلى رأسها شخصية رئيس الوزراء الإثيوبي(آبي أحمد) والرئيس الإريتري(أسياس أفورقي)، وكل واحد منهما يحمل من السمات الشخصية والتوجهات السياسية ما يختلف جذريا عن الآخر، الأمر الذي يعني قابلية العملية السلمية للتأثر بالأمزجة الشخصية للطرفين سلباً أو إيجاباً، خاصة مع التداعيات المتلاحقة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاستراتيجية على المستوى الدولي، والتي لا يمكن في ظل وتيرتها المتسارعة ضمان إصرار الطرفين على المضي قدماً في عملية السلام الحالية، والتي رأى البعض أن تحولاتها السريعة والمفاجئة، لا تشي بالاطمئنان الكامل لنتائجها وتداعياتها الظاهرة؛ إذ” يحذّر المراقبون من مغبة أي تسوية سريعة بين النظامين تقفز فوق جراحات سنوات طويلة من الخصومة بينهما”[12]

ووفق أحدث التحليلات الصادرة حول مصير عملية السلام بين أسمرة وأديس أبابا، فإن هذه العملية باتت تعاني نوعاً من الفتور والتراجع، وذلك وفقاً لجملة المؤشرات التالية[13]:

  • استمرار نظرة بعض طوائف وعرقيات الشعب الإريتري إلى عملية السلام باعتبارها عملية أحادية أقرها رئيس الدولة بشخصه فقط، دون ظهير شعبي أو عمل مؤسسي، على عكس ما تم في إثيوبيا من خطوات دستورية تجاه العملية ذاتها، ومن ثم فإن هذه الطوائف يعتبرونها غير ملزمة للشعب الإريتري.
  • اضطراب الأوضاع في إثيوبيا، وظهور خلافات عميقة في الرؤى والتوجهات بشكل تعززت معه القناعات الإريترية بأن (آبي أحمد) لا يسيطر على الوضع في البلاد، وبأن هناك أكثر من حكومتين يوجهون الأوضاع في الداخل الإثيوبي، وذلك وفق تصرحيات علنية لــ(يماني قبرآب)مستشار الرئيس الإريتري، الأمر الذي يهدد بتقليص فاعلية الحوار السلمي لإريتريا مع(آبي أحمد) باعتباره لا يملك زمام الأمور.
  • قيام(آبي أحمد) بتعديلات حكومية تملك القيادة الإريترية تحفظات ومخاوف بشأنها تتعلق بطبيعة الصراع الإثني الكبير في إثيوبيا؛ إذ أن قيام أحمد بتعيين(غيدو اندلتكاتشو) زعيم إقليم الأمهرة السابق وذو الميول المتشددة تجاه إريتريا، وزيرا للخارجية، وكذلك تعيين(ليما مقريسا) حاكم إقليم أوروميا السابق، وزيرا للدفاع، يوحي بحالة الضعف الإثيوبي تجاه العرقيات المتصارعة في البلاد، كما ينذر بتصاعد عرقيات إثيوبية تجمعها عداوات جذرية مع أسمرة، وفي نفس الوقت حُرم الجانب الإريتري من أريحية التعامل التي كان يتمتع بها مع الجانب الإثيوبي عبر وزير الخارجية السابق والمرن(ورقنه غبيو)، بعد أن تم إسناد المنصب ذاته لشخصية تراها أسمرة سبباً من أسباب التوتر بين البلدين[14]

وخلاصة القول، وانطلاقاً من الاعتبارات السابقة، تتكون قناعات لدى العديد من الدوائر السياسية والاستراتيجية، وكذلك لدى كاتب هذا التقرير، بأن المصالحة التاريخية بين إريتريا وإثيوبيا والتي بلغت عامها الأول، هي لا تزال في طور الاختبار والتجريب، وأنها رغم ما حققته مبدئياً من تجاوز محنة القطيعة الدائمة بين شعبى البلدين عبر بعض التنازلات المتبادلة، إلا أن ما يحيط بهذه المصالحة من تحديات كبيرة أبرزها تربص المناوئين لها في الداخل الإثيوبي والإريتري، ثم المخاطر التي تحيط برئيس الوزراء الإثيوبي(آبي أحمد) والتي تستهدف القضاء عليه باعتباره صاحب مبادرة السلام التاريخية مع إريتريا، إلى جانب طبيعة القيادة الإريترية ممثلة في شخص الرئيس أسياس أفورقي، والذي يؤكد كثير من المحللين والخبراء” أن لديه سجلًّا حافلًا من المناورات السياسية مع خصومه في الداخل والخارج، وأنه يمكنه التراجع عن اتفاق السلام مع إثيوبيا في أي وقت”[15]، هذا بالإضافة إلى جملة تحديات أخرى تفرضها طبيعة الصراع بين القوى الكبرى في منطقة القرن الإفريقي، وما يترتب على هذا الصراع من تنامي المؤثرات الخارجية، واحتمالية تعارض هذه المؤثرات يوماً ما مع المضي قدما في عملية السلام بين البلدين، كل هذا وغيره، يجعل من الصعب التنبؤ بمصير عملية السلام القائمة حالياً بين البلدين، وذلك رغم التأكيد على أن المنظور القريب لهذه العملية، يشير إلى احتماليات راجحة برغبة البلدين في التقارب بدافع مواجهة التحديات الاقتصادية الطارئة فيهما؛ فإريتريا تشهد حالة اقتصادية حرجة نتيجة المعاناة لفترات طويلة من العزلة الدولية والعقوبات، الأمر الذي يدفعها دفعاً إلى توظيف عملية السلام الحالية مع إثيوبيا والإبقاء عليها أطول مدة ممكنة، الأمر الذي سيتيح استئناف إثيوبيا نشاطها التجاري عبر الموانيء الإريترية، كما أن استمرار عملية السلام سيمنح إريتريا القدرة على فتح علاقات أكثر فاعلية مع دول العالم عبر الجار الإثيوبي المنفتح عالمياً ودوليا، في حين تحرص إثيوبيا من جهتها على إنجاح عملية السلام مع إريتريا وفق نفس الدافع الاقتصادي؛ إذ تحتاج إثيوبيا باعتبارها دولة حبيسة من الناحية البحرية، إلى الموانيء الإريترية الأكثر توفيراً والأقل كلفة من الناحية الاقتصادية والتجارية قياسا بموانيء جيبوتي، هذا إلى جانب حاجة إثيوبيا لإنعاش حركة النشاط التجاري والتنموي والمعيشي في إقليم التيجراي على الحدود مع إريتريا، وهذه الحاجة الاقتصادية المتبادلة بين الدولتين، من شأنها دفعهما على المدى القريب لتعزيز التقارب، والحفاظ على العملية السلمية بينهما[16]

استنتاجات

  • عملية السلام بين إثيوبيا وإريتريا قائمة، لكنها لم تستقر بعد، كونها تعاني تحديات عديدة في كلا البلدين، كما أنها في حاجة ماسة إلى زخم الإنعاش والتجديد وإظهار الجدوى والمنافع.
  • العلاقات الإريترية/الإثيوبية في طور البحث عن الدوافع الاقتصادية الدافعة إلى تعزيز عملية السلام بين البلدين، لكن مآسي الماضي، ومنغصات الحاضر توشك أن تطل برأسها لتعكير صفو مكتسبات السلام الوليد بين الطرفين، وذلك على خلفية اضطرابات عرقية إثيوبية من جهة، وتحفظات شعبية إريترية على أحادية القرار السياسي من جهة أخرى.
  • سيناريوهات مستقبل العملية السلمية بين إثيوبيا وإريتريا منفتحة على تداعيات سلبية/إيجابية عديدة ومتشابكة يصعب تحديدها والجزم بها، ويبقى العامل الاقتصادي بين الدولتين، بارزاً وجديراً بتعزيز الإيجابيات وتمديدها.
  • استمرار السلام المتبادل بين أديس أباب وأسمرة في صالح القارة السمراء عموماً، ومنطقة القرن الإفريقي على وجه الخصوص، وفي صالح الشعبين الجارين على الوجه الدقيق والأخص، ولكن يبقى الحفاظ على حياة القيادات السلمية تحدياً كبيراً يصعب توقعه.
  • الاضطرابات العرقية، التغيير العشوائي للقيادات والمناصب، وتباين التوجهات السياسية بين الفرقاء، هي أبرز الأسباب المهددة بدخول العلاقات الإريترية/الإثيوبية في مرحلة فتور مستقبلي على مستوى السياسة الخارجية بين البلدين.

توصيات

  • الحفاظ على مكتسبات عملية السلام بين إريتريا/إثيوبيا عبر استعادة سريعة لزخم الزيارات المتبادلة والشراكات الفاعلة بين البلدين.
  • تحجيم القيادات الحكومية الداعمة لإثارة الفتنة والخلاف مجدداً بين الدولتين، وتوظيف الوسطاء السلميين توظيفاً إيجابياً عبر تكليفهم بمهمة الاستمرار في دعم أوجه التقارب والانسجام بين الطرفين.
  • تعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية والمالية بين أسمرة وأديس أبابا، بشكل يُظهر الآثار الإيجابية لعملية السلام القائمة بين الشرائح الشعبية والشبابية والمجتمعية لدى الجانبين.
  • الإسراع في إجراء عمليات تبادل ثقافي ومجتمعي بين الشعبين الإريتري والإثيوبي، لإزالة آثار السلبيات التاريخية الماضية، وفتح صفحة أكثر انفتاحاً وحميمية بينهما.

الهوامش والإحالات

[1] راجع: عبير محمد أحمد الفقي، العلاقات الإريترية/الإثيوبية منذ 1993، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، 2011/2012، دراسة متاحة على الرابط: https://www.academia.edu/8725171/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9_%D9%85%D9%86%D8%B0_1993 ، ص 14

[2] راجع: فتحي عثمان، السلام بين أثيوبيا وإريتريا في غرفة العناية الفائقة، تقرير مجلة أوريان 21، بتاريخ 16 آيار/مايو 2019، متاح على: https://orientxxi.info/magazine/article3103

[3] راجع: عبير محمد أحمد الفقي، العلاقات الإريترية/الإثيوبية …، مصدر سابق، ص 2(بتصرف يسير)

[4] المصدر السابق نفسه، ص 22 ( بتصرف)

[5] يُنظر: إبراهيم عثمان حامد، المقاومة السياسية في إرتريا، منشورات دار جامعة إفريقيا العالمية للطباعة والنشر، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، 2000، ص 34، متاح على: http://dspace.iua.edu.sd/bitstream/123456789/2002/1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9%20%D9%81%D9%89%20%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7.pdf ( بتصرف)

[6] راجع: خالد أحمد، السلام بين إريتريا وإثيوبيا: كيف انهار جدار برلين الأفريقي؟، مجلة حبر الأردنية، بتاريخ 23 تموز 2018، متاح على: https://www.7iber.com/politics-economics/ethiopia-and-eritrea-peace/ ،( بتصرف)

[7] راجع: منصور سليمان، مصائر الدولة الوطنية بين إريتريا وإثيوبيا، مدونات الجزيرة، بتاريخ 10/7/2018 ، متاح على: https://blogs.aljazeera.net/blogs/2018/7/10/%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7، (بتصرف يسير)

[8] راجع: عبد الوهاب،أيمن السيد، إريتريا: إشكاليات بناء الدولة والتفاعل مع بيئة إقليمية مضطربة(2-2)، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ الأربعاء 13 أبريل/2016، متاح على: http://www.acrseg.org/40107 ، (بتصرف)

[9] راجع: عبير محمد أحمد الفقي، العلاقات الإريترية/الإثيوبية …، مصدر سابق، ص 22(بتصرف)

[10] راجع: منصور سليمان، مصائر الدولة الوطنية بين إريتريا وإثيوبيا، مصدر سابق، نقلاً عن( برونوين بورتون) نائب مدير مركز أفريقيا بمجلس دراسات الأطلسي في الولايات المتحدة،(بتصرف)

[11] راجع: خالد أحمد، السلام بين إريتريا وإثيوبيا: كيف انهار جدار برلين الأفريقي؟، مصدر سابق،(بتصرف)

[12] راجع: منصور سليمان، مصائر الدولة الوطنية بين إريتريا وإثيوبيا، مصدر سابق

[13] راجع: فتحي عثمان، السلام بين أثيوبيا وإريتريا في غرفة العناية الفائقة، مصدر سابق(بتصرف)

[14] المصدر السابق نفسه(بتصرف)

[15] راجع: خالد أحمد، السلام بين إريتريا وإثيوبيا: كيف انهار جدار برلين الأفريقي؟، مصدر سابق،(بتصرف)

[16] المصدر السابق نفسه( بتصرف كبير)

محسن حسن

باحث وأكاديمي مصري

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات