أخبار

السياسة الخارجية الصومالية في عهد الرئيس فرماجو… مؤشرات خطيرة

عندما تمّ انتخابه رئيسا للجمهورية الصومالية في مطلع 2017م، احتفل الشعب الصومالي بالفوز الّذي حققه، إذ أنّهم عرفوه بالعمل والجدّية خلال الستّة الأشهر التي قضاها كرئيس لوزراء الصومال، ذلكم هو الرئيس الصومالي محمد عبدالله محمد فرماجو.

وقد حدث منذ تولّى فرماجو زمام البلاد أحداثا سياسية ، كان لها أثر كبير في مسيرة السياسة الخارجية الصومالية، وضمّت هذه الأحداث إنجازات وإخفاقات في الصعيد الخارجي نستعرض بعضا منها في السطور الآتية:

التحول السياسي في منطقة القرن الأفريقي

سعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد منذ تولّيه لمقاليد السلطة في بلاده في مايو/أيار 2018م، سعى إلى إصلاح سياسته الخارجية وخصوصا مع دول الجوار، حيث تصالح مع إرتيريا وعادت العلاقات التي انقطعت بينهما منذ 20 عاما، كذلك كان الصومال جزءا أساسيا من مشروع مصالحة القرن الأفريقي التي يتزعّمها رئيس الوزراء الصومالي آبي أحمد.

ورغم ترحيب البعض بالخطوة التي أقدمت بها الحكومة الصومالية والمتمثلة في تطبيع العلاقات مع إثيوبيا، إلاّ أنّ قطاعات عريضة من الشعب الصومالي وبعض نخبه أبدوا شكوكا حول التقارب الإثيوبي الصومالي بهذه البساطة، وخاصة أن مشكلة الحدود بين البلدين لم تحلّ بعد، حيث أن منطقة الصومال الغربي التي كانت أصل الخلافات بين البلدين ما زالت في قبضة الدولة الإثيوبية، وهو ما يفسّره البعض بأن التقارب الإثيوبي الصومالي ما هو إلاّ ارتماء النظام السياسي الصومالي في أحضان الإدارة الإثيوبية الجديدة والاستسلام لها.

 

تعاطي الصومال مع الأزمة الخليجية

إنّ اندلاع الأزمة الخليجية في يونيو 2017م، كان بمثابة امتحان صعب واجهته السياسة الخارجية الصومالية في عهد فرماجو، إذ أن معظم الدول الخليجية التي تمثل طرفا في هذه الأزمة، كانت تتبادل مع الصومال علاقات اقتصادية وتاريخية قوية، بل كان هناك تعاون وثيق بين الصومال وبعض الدول الخليجية المتأثرة بالأزمة التي تتمثل في قطع العلاقات مع قطر التي كانت تتعاون مع الصومال في مجالات شتّى منها: مشاريع تنموية تستهدف إلى تعبيد بعض الطرق الرئيسية في العاصمة، في حين أن المملكة العربية السعودية التي تقود حملة مقاطعة قطر، تمثّل جهة أساسية تتلقى منها الصومال دعما اقتصاديا قويا، بينما كانت الإمارات العربية المتّحدة تقوم بتدريب وحدات من الجيش الصومالي عشية اندلاع الأزمة الخليجية. وبما أنّ الصومال الذي يتعافى من ويلات حرب أهلية، وبحاجة إلى مزيد من الدعم، كان عليه الاحتفاظ بعلاقاتها تلك مع  أطراف الأزمة الخليجية، وهذا ما حاولت الحكومة الصومالية في بدايات الأزمة، حيث أعلن الصومال الذي يعد جزءا من جامعة الدول العربية ولديه علاقات قوية مع طرفي الأزمة، أعلن موقفه الحيادي من الأزمة، وعدم انحيازه لأيّ من الأشقّاء وهو ما رحّب به قطاع واسع من المجتمع الصومالي، غير أنّ هذا الموقف طرأ عليه بعض التغيّرات وخصوصا عندما اندلعت أزمة دبلوماسية بين الصومال وأبوظبي بسبب أموال قيل إنها ضبطت في مطار آدم عدي الدولي، على إثرها أوقفت دولة الإمارات تدريب الجيش الصومالي، وأغلقت مستشفى الشيخ زايد في مقديشو، بسبب مضايقات من الحكومة الصومالية  وكان تلك الأزمة أثرا كبيرا على الحياة المعيشية في الصومال وخاصة لدى الطبقات الفقيرة التي كانت تعتمد بشكل كبيرة على المعنونات الانسانية ولاسيما من الدول العربية الشقيقة.

النزاع البحري بين الصومال وكينيا

اشتدّ في عهد فرماجو النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا، حيث وصل هذا النزاع ذروته في 16/فبراير- شباط/2019م، وذلك عندما قامت كينيا بطرد السفير الصومالي لديها، واستدعاء سفيرها لدى مقديشو، احتجاجا على تقديم الصومال في مؤتمر لندن حول النفط الصومالي خريطة تشمل المناطق المتنازع عليها بين الطرفين، إلاّ أنّ الردّ الدبلوماسي الصومالي لهذه الحادثة ساهم في احتواء الأزمة وتراجع كينيا عن تصعيدها للأزمة، غير أنّ كينيا عادت لتصعّد الأزمة الدبلوماسية بين الطرفين من جديد وذلك عندما قرّرت كينيا في 9/-أيار/2019م إلغاء معاهدة الطيران التي وقّعها الرئيسان فرماجو وكينياتا في مارس 2017م بنيروبي، والتي بموجبها كانت الطائرات التي تقلع من مقديشو تهبط مباشرة بنيروبي، واستمرّت كينيا في تصعيدها للأزمة الدبلوماسية ضد الصومال حتى رفضت في مايو أيار 2019م لنواب في البرلمان الصومالي ووزراء في الحكومة الصومالية دخول أراضيها للمشاركة في مؤتمر دولي كان ينعقد في نيروبي آنذاك.

كلّ هذه التصعيد الذي تمارسه كينيا ضدّ الصومال، كانت الأخيرة تقابله بهدوء بل وببرود دبلوماسي، أدّى إلى أن يعتقد بعض المحللين الصوماليين أن الصومال يرضخ للضغوط الكينية فيما يتعلق بسحب الدعوى من محكمة العدل الدولية كما تتمنى السلطات الكينية.

طرد المبعوث الأممي من الصومال

 أقدمت الحكومة الصومالية مطلع عام 2019م، على خطوة جريئة تتمثل في طرد المبعوث الأممي لدى الصومال، وذلك بعد إدانته للتجاوزات التي حدثت في بيدوة قبيل الانتخابات الرئاسية لولاية جنوب غرب الصومال، والتي راح ضحيّتها أبرياء عزّل، طالب هايسوم التحقيق في هذه الأحداث، مما أدّى إلى أن تصفه الحكومة الصومالية بشخصية غير مرغوب بها في الصومال، وهي خطوة جريئة وسريعة كما يعتقد بعض المحللين في حين أن بعضا من المتابعين يرون فيها انتصارا لسيادة الصومال وهيمنتها على أراضيها وقراراتها السياسية.

قطع العلاقات مع غينيا

خلال مؤتمر صحفي عقده وزير الخارجية الصومالية أوائل هذا الشهر (يوليو-تموز الجاري) 2019م، أعلن فيه قطع الصومال علاقاتها الدبلوماسية مع غينيا، وذلك عقب استقبالها لرئيس صوماليلاند بصفة شبه رسمية مما أثار حفيظة الحكومة الصومالية، وأرغمها على اتخاذ قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع غينيا.

ورغم اتّخاذ الحكومة الصومالية لهذا القرار، إلاّ أن بعضا من المحللين اعتبروه قرارا ينم  عن التسرّع وعدم دراسة الوضع بجدّية، مشيرين إلى أنّ التسرّع في اتخاذ القرارات يمثل مؤشّرا خطير يواجه السياسة الخارجية الصومالية في بعض المواقف. في حين أن بعضا من المعارضة السياسية ومن بينهم عبدالرحمن عبدالشكور زعيم حزب وذجر المعارض  وصف قرار الحكومة الصومالية بأنه قرار تبدو عليه علامات التهور وعدم النضج الدّبلوماسي، مشيرا إلى أنّه لا يوجد أصلا علاقات دبلوماسية بين الصومال وغينيا، كما أشار –أيضا- إلى وجود ازدواجية في ردود أفعال الحكومة الصومالية تجاه القضايا السياسية المتماثلة، حيث أفاد بأنه حين تقطع الصومال علاقاتها مع غينيا بسبب استقبالها الشبه الرسمي لرئيس صوماليلاند، تغضّ الطرف –أيضا- عن دول عاملت وتتعامل مع صوماليلاند وكأنه كيان مستقل قائم بذاته. وأفاد عبدالشكور في منشور على صفحته في الفيس بوك، بأنّ هذا القرار سيزيد من هوة الخلافات بين الحكومة الصومالية والنظام الإداري في صوماليلاند.

ختاما، يوجد عاملان خطيران في السياسة الخارجية الصومالية في عهد الرئيس فرماجو، وهما: التسرّع في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلّقة، وازدواجية المعايير في التعامل مع علاقات الدول، يزعزعان إمكانية بناء سياسة خارجية صومالية قوية تتعامل مع الآخرين بالندّية المتمثلة بالاحترام المتبادل وتنسيق التعاون بين  جميع الأطراف المعنية بقضايا الصومال وما لم يتم اعادة النظر إلى السياسة الخارجية الحالية، فإن الأمور تنفلت من العقال وتنحنى نحو هاية سحيقة قد تؤدي إلى تقف الصومال وحيدة بدون أصدقاء في الساحات الاقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات