أخبارتحليلات

التحوّل المفاجئ في العلاقات بين  الحكومة المركزية وتنظيم أهل السنة والجماعة  في جلمدغ… الأسباب والتوقعات

كانت الخلافات السائدة بين الحكومة الاتّحادية وحكومة غلمذغ الفيدرالية سمة العلاقات بينهما منذ فترة، حتّى استطاعت الحكومة الاتّحادية مؤخّرا استمالة تنظيم أهل السنة والجماعة الشريك القويّ في إدارة غلمذغ إلى صفّها، بهدف نزع البساط من تحت أحمد دعالي غيللي حاف رئيس حكومة ولاية غلمذغ، الذي لم يجد مناصا من الرضوخ للأمر الواقع، فتصالح مع الحكومة الاتّحادية، وقبل بإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة في غلمذغ التي طالما رفضها مرارا وتكرارا.

كانت لزيارة حسن علي خيري رئيس الوزراء الصومالي لهذه المناطق دورا كبيرا في تغيير قواعد اللعبة السياسية بين الطرفين، إذ إنّه أدرك قوّة تنظيم أهل السنة والجماعة في هذه المناطق، فحاول الاستفادة من هذه القوّة لصالح الحكومة الاتّحادية، عبر اتفاقيات ووعود سياسية مغرية، حيث اختار لمدينة طوسمريب عاصمة إدارة غلمذغ أن تكون المدينة المضيفة للمؤتمر التصالحي الذي تنظمه الحكومة الاتّحادية للقبائل القاطنة في غلمذغ، كما تمّ دمج مليشيات تنظيم أهل السنة والجماعة بالجيش الصومالي، في إشارة إلى كونهم يأتمرون بأوامر وزارة الدفاع للحكومة الاتّحادية.

وبالمقابل قبل تنظيم أهل السنة والجماعة أن تتولّى الحكومة الاتّحادية الشؤون الأمنية لمدينة طوسمريب عاصمة غلمذغ، مما يعني وجود وحدات عسكرية تابعة للحكومة الاتحادية لحفظ أمن المدينة وسكّانها.

وفجأة، والحال هكذا، تجدّدت الخلافات بين الحكومة الاتّحادية وتنظيم أهل السنة والجماعة، وذلك عندما رفضت سلطات أهل السنة والجماعة في 27/يوليو- تموز الجاري،السماح لطائرة كانت تقل عددا من الجنود الّذين سيتولّون أمن مدينة طوسمريب الهبوط بمطارها، مما أدّى إلى أن تعود هذه الطائرة إلى مقديشو.

وفي 28/يوليو – تموز/2019م، رفضت السلطات في عذاذو مقرّ برلمان غلمذغ، السماح لطائرة أخرى كانت تقلّ جنودا إلى هذه المدينة الهبوط بمطار المدينة، مما اضطرّها أيضا إلى أن تعود إلى مقديشو.

كلّ هذه التطوّرات، استدعت انتباه المتابعين ليدرسوا الأسباب الحقيقية لهذا التحوّل المفاجئ للعلاقات بين الحكومة الاتّحادية وتنظيم أهل السنّة والجماعة، ومن أهم الأسباب المحتملة لهذا التحوّل المفاجئ في العلاقات بين الطرفين ما يأتي:

  1. عدم تسديد الحكومة الاتّحادية رواتب عدد من مليشيات تنظيم أهل السنة والجماعة التي انضمّت لاحقا إلى الجيش الصومالي: تداولت وسائل إعلام محلّية أن 170 من أفراد المليشيات التي تم تسجيلها مؤخرا في الجيش الصومالي لم يتلقّوا رواتبهم منذ انضمامهم إلى الجيش الصومالي، وهو ما أقرّه مسؤولون في الحكومة الاتّحادية إلاّ أنّهم فسّروه بعطل فنّي فقط، وليس أمرا مخططا ومقصودا، إلاّ أنّه، وكما يبدو حتّى الآن، لم يكن هذا التفسير مقنعا لتنظيم أهل السنة والجماعة.
  2. ظهور مخاوف جديدة لدى تنظيم أهل السنة والجماعة تجاه سياسات الحكومة فيما يتعلّق بطوسمريب: حيث يشير بعض المحللين إلى أنّ قادة تنظيم أهل السنة والجماعة طوسمريب، يشكّكون في مغزى الحكومة الاتّحادية كلاّ من: دمج مليشيات تنظيم أهل السنة والجماعة بالجيش الصومالي، ومطالبة تولّي الإجراءات الأمنية في طوسمريب، واستقدام جنود من مقديشو، كلّ هذه الخطوات كانت كفيلة بأن تولد مشاعر الشكّ والتخوف عند تنظيم أهل السنة والجماعة تجاه الحكومة الاتّحادية، حيث ارتأى بعض قادة تنظيم أهل السنة والجماعة، أن هذه الخطوات المتتابعة من قبل الحكومة الاتّحادية لا تستهدف إلاّ إلى تقليل تأثير تنظيم أهل السنة والجماعة في المشهد السياسي في غلمذغ، وذلك تمهيدا لاستبعاده وتحجيمه من المشهد السياسي في غلمذغ برمّته، ليخلو الجوّ في غلمذغ – حسب تفسيرات بعض المحللين- لإدارة موالية للحكومة الاتّحادية، ولا تخالفها في الآراء والاتّجاهات السياسية العامة لإدارة البلاد. وخوفا من حدوث مثل هذه الأمور وتجنّبا منها، أقدم تنظيم أهل السنة والجماعة في غلمذغ على خطوة جريئة تتمثل في عدم السماح للطائرات المقلّة للقوّات التابعة للحكومة الاتّحادية بالهبوط بمطار طوسمريب عاصمة ولاية غلمذغ التي ينتقل بين مدنها رئيس الوزراء الصومالي حسن علي خيري منذ أكثر من شهر، لأجل الوصول إلى استقراري سياسي في هذه المناطق التي اتسمت غالبا بالتوتّرات السياسية المتكررة.

وختاما، فإنّه من الملاحظ جدّا أن مساعي البحث عن حلول ناجعة تؤدّي إلى استقرار سياسي في هذه المناطق، تحتاج إلى بعض الوقت وإلى كثير من الروية وتقديم التنازلات بين الأطراف المتنازعة تغليبا للمصلحة العامة لهذه المناطق وأهلها، وأنّه كلّما تضاءلت فرص الحصول على ماقدّمناه من مقوّمات الاستقرار السياسي في هذه المناطق، كلّما يطول أمد الأزمة السياسية في هذه المناطق، والتي من الممكن أن تتّسع فتحدث شرخا واسعا في النسيج الاجتماعي لسكّان هذه المناطق مما يهدّد تماسك المجتمع ووحدته، وهذا لا يخدم لمصلحة الغيورين على بلادهم، وإنّما يؤدّي إلى اتّساع الهوّة بين أبناء المجتمع، لذا يجب على كل الشركاء والفرقاء السياسيين في هذه المناطق العمل معا للوصول إلى استقراري سياسي يتبعه استقرار أمني ينعم به سكّان هذه المناطق.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات