أخبارأخبار متنوعةتقارير ودراساتمقالات

حملة استرداد أملاك الدولة في مقديشو…… تحديات المواءمة بين سيادة القانون وسلطة الواقع

مقدمة 

لما أطيح نظام سياد بري  الذي كان يحكم الصومال 21 عاما على أيدي الجبهات المسلحة عام 1991، انهارت جميع مؤسسات الدولة ودخل البلاد في فوضى عارمة شملت كافة مناحي الحياة و صار الجميع في حيص بيص جراء الحرب الأهلية وامتداداتها الأمر الذي دفع آلاف المواطنين إلى النزوح من  بيوتهم في القرى والأرياف بحثا عن مستقبل أفضل وأماكن أكثر أمنا تحميهم من ويلات الحرب والمجاعة ، واتخذ قطاع عريض من الشعب،  المنشآت الحكومية في العاصمة مقديشو، مثل مقرات الوزارات، والمحلات التجارية الحكومية، ودور السينيما  مأوى لهم وعاشوا فيها فترة طويلة مقاومين جميع المحاولات لإخراجهم منها دون الحصول على بدائل، وبات الأمر قضية وطنية تؤرق بال المسؤولين، وهناك شبه إجماع على أنه لا يمكن أن يتحقق السلام والاستقرار في الصومال ما لم يتم إيجاد حل لقضيتي حقوق النازحين وعودة الذين فروا أثناء النزاع إلى منازلهم . 

يوجد في العاصمة مقديشو وحدها أكثر من 372 ألف نازح داخلي ، هولاء طالت إقامتهم في المدينة ويعيشون فيها منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي وعدد كبير من هؤلاء النازحين يقيمون في المنشآت الحكومية وأن إخراجهم من هذه المواقع تحتاج إلى رؤية وطنية تستهدف إلى حل شامل للقضية وتراعي أهميتها للسلم الاجتماعي وأن القرارات الفردية الصادرة من هنا وهناك لن تجدي نفعا على المدى الطويل مع غياب الرؤية الحقيقية، بل تعقد  الأمور وتؤدي إلى ضرب وحدة  البلاد والتعايش السلمي وتنكئ جرحا لم يندمل بعد بشكل كامل(1).

مفهوم أملاك الدولة:

يعرّف أملاك الدولة بـحميع أنواع المؤسسات المختلفة التي تقع في دائرة الأملاك العامة والخاصة التي تديرها الدولة أو جماعاتها الإقليمية  وتشمل المباني والمقرات الحكومية ، والجامعات والمدارس الحكومية، والهيئات والمرافق العامة مثل الجسور، والطرق العامة، وشبكات الكهرباء ، والمياه، والصرف الصحي، ودور السينيما، والمنشآت العسكرية والأمنية مثل قواعد الجيش ومراكز الشرطة والمراكز الخدمية كالمستشفيات ومراكز الإطفاء والإسعاف والحدائق العامة والمنتزهات وغيرها.

  ويعرف د. إبراهيم عبد اللطيف العبيدي “أنها المؤسسات والمنشآت والأموال الخاصة بالدولة من العقارات والمصانع والمؤسسات الحكومية التي يحق للإمام أن يتصرف في رقبتها بصفته، وفقاً لما تمليه المصلحة العامة، بناء على السلطات المخولة له من قبل الجماعة”(2).

 ويمكن تقسيم أملاك الدولة إلي الملكية العامة و ملكية الدولة، فالملكية العامة هي ما وجد بإيجاد الله تعالي مما يملكه عموم الناس وليس خاص لشخص بعينه كالأنهار والبراري والآبار  وعن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم “ المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار” وملكية الدولة هي التي يكون صاحبها بيت المالي بكونه شخصا معنويا أو اعتباريا ويحق لولي الأمر التصرف بها لتحقيق المصلحة العامة وبما يقتضيه الشرع(3).

 وكذلك يمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام(4 )وهي:

  1. الأملاك العمومية : الأملاك العامة سواء الحقوق والممتلكات  المنقولة والعقارية التي يستخدمها الجميع وتحت تصرف العامة مباشرة أو عبر مرفق من مرافق العمومية
  2. الأملاك الاقتصادية وهي الثروات الطبيعية ووسائل الإنتاج ذات الطابع الاقتصادي والفلاحي والتجاري والمتعلقة بالخدمات التي تديرها الدولة أو جماعاتها الإقليمية
  3.  العقارات والمنقولات التي تعد ملكا للدولة ومع ذلك لا تندرج في الأصناف الأخرى من الأملاك الوطنية
  4. الأملاك العسكرية وتشمل وسائل الدفاع وملحقاتها والمنقولات والعقارات التابعة للمؤسسات العسكرية
  5. الأملاك الخارجية وهي الممتلكات المخصصة للبعثات الدبلوماسية وملحقاتها

فالجدير بالإشارة إلى  أن تعريف مصطلح « الملكية العامة» تحديداً قد لا يستخدم بالضرورة في دساتير البلدان بل يمكن استخدام عبارات بديلة تشير إلى مفهوم الملكية(5) فعلى سبيل الميثال فالدستور الصومالي المؤقت لعام 1960 لم يرد فيه تحديد للملكية العامة أو الدولة وانما أشار في المادة (4) والمادة(24) إلى  أن أراضي الدولة مقدسة ولها حرمة وتشمل الجزر والمياه الاقليمية وباطن الأرض والمجال الجوي وصخور البحر الإقليمية، ونصت المادة بأن القانون هو الذي يحدد ملكية الدولة(6)، وفي دستور عام 2012 لم يرد كذلك تحديد للملكية العامة وأكتفى بذكر أن الأرض هي الثروة الأهم للصومال لكنه منع منح أي ترخيص يتعلق بالاستخدام الدائم لأي جزء من الأرض أو الجو أو البحر من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية وقال إن البرلمان يصدر قانونا يحدد مساحة ومدة وشروط رخص استعمالها(7). وفي هذا الإطار فهناك قوانين صادرة في السنوات الأخيرة بعضها لم يتم المصادقة عليها من قبل البرلمان تتحدث عن أملاك الدولة مثل قانون الإدارة المالية الذي حدد أملاك الدولة بالعناصر التالية(8):  

  1. الأملاك العمومية التي لا يعود لملكيتها لشخص خاص
  2. المباني التي تعمل فيها الحكومة وتتخذها مقرا أو تؤدي فيها واجباتها
  3. الثروات المعدنية
  4. مقرات القوات المسلحة وأسلحتها
  5. الأملاك الأخرى التي حصلت عليها الدولة بطرق قانونية مثل، الهبة ، أو الإرث أو الشراء، أو انتقال  الملكية إليها.

وكذلك مواد من القانون  المدني الصومالي تعطي للحكومة ملكية عدد من الأراضي، وأنه يمكن أن تفقدها بانتهاء تخصيصها، وتحذر من التصرف فيها،  ففي  المادة 723 في القانون المدني  تنص على أن الأراضي غير المزروعة التي لا مالك لها  تكون ملكا للدولة وتمنع من تملك هذه الأراضي أو وضع اليد عليها  إلا بترخيص من الدولة  وفقا للوائح.  و المادة 730 تقول إن الأراضي التي تنكشف عنها البحر تكون ملكا للدولة.

واقع أملاك الدولة في مقديشو: عدد المنشآت الحكومية في أيدي المواطنين

يتعذر أن نذكر تعدادا دقيقا  حول أملاك الدولة في مقديشو لكن يمكن تقديرها بما يقارب 100 منشأة حكومية أو مصلحة عامة، استوطنتها فئات مختلفة من الشعب، وتشمل هذه المنشآت مقرّات الوزارات، وقواعد عسكرية للجيش والأمن ، وسفارات الدول الأجنبية التي سحبت دبلوماسييها ورعاياها من الصومال إثر اندلاع الحرب الأهلية، بعض تلك المقرات تم إخلاؤها من سكانها سواء طواعية أو بالقوة، في حين مازالت منشآت أخرى  بأيدي مواطنين ومسؤولين ويتم انتفاعها لأغراض شخصية رغم القرارات الكثيرة التي أصدرتها الحكومة. ومن بين المباني الحكومية التي تمّ إخلاؤها تنفيذا لقرارات حكومية:

  1. مقر وزارة الدفاع
  2. مبنى وزارة التربية والثقافة والتعليم العالي
  3. مبنى البنك المركزي الصومالي
  4. مبنى وزارة المالية
  5. المطار الدولي في مقديشو الذي كان مغلقا بسبب الحروب الأهلية حتى عام 2006م
  6. المتحف الوطني الّذي يشهد حاليا  عمليات ترميم واسعة منذ ديسمبر الماضي لإعادة تشغيله وذلك ضمن حملة مشروع “إسحلقان”، ومن المقرر انتهاؤها في يونيو الجاري.
  7. وعدد من مقرات الوزارات

أما المنشآت الحكومية التي لا تزال في أيدي المواطنين كثيرة ومنها:

  1. مجمع بنغاريو وهو عبارة عن فلل سكنية تقع بالقرب من مطار  آدم عدي الدولي، وعلى شارع المطار المؤدي إلى القصر الرئاسي، وكان يسكنه  كبار المسؤولين في وزارة  المالية  والبنك  المركزي ، وبعد انهيار  الدولة تحول المجمع إلى منازل لأسر  نازحة.
  2. مجمع صومال آيرلاينس (الخطوط الجوية الصومالية) وهو عبارة عن عدد من  العمارات التي  تضم  شققا سكنية خصصتها حكومة سياد بري لموظفي الخطوط الجوية الصومالية وهي قريبة أيضا من  المطار وتقع على شارع  بولوحوبي ويسكنها حاليا مواطنون عاديون.
  3. القرية السكنية (أفركان فليج): تقع القرية في حي (كازا بال بالاري) في مقديشو، وكان مجمعا سكنيا حديثا تم بنائه في عام 1974 لاستقبال الضيوف المشاركة في مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية (OAU)  الذي عقد في مقديشو، وبعد انتهاء  المؤتمر  استأجرت الحكومة المباني من موظفي الدولة
  4. مجمع شيركولي: وهو مجمع تابع للجيش الصومالي وخصوصا  للضباط ذوو الرتب العالية
  5. مجمع مرينو للبحرية الصومالية: وهي عبارة عن مساحة أرض تشمل منازل تابعة للبحرية الصومالية ومنزل القائد العام للقوات البحرية، بالإضافة إلى قطعة أرض غير مأهولة تطل على البحر  تملكها القوات  البحرية.
  6. مبنى السفارة الأمريكية في مقديشو: كانت للولايات المتحدة قنصلية في العاصمة الصومالية مقديشو منذ عام 1957  وبعد استقلال الصومال رفعت مستوى التمثيل الدبلوماسي للقنصلية إلى سفارة  كانت مبنى متواضعا داخل المدينة، وفي عام 1989 انتقلت السفارة إلى مجمع جديد يقع في الضاحية الجنوبية للمدينة إلا أنه لم يدم بقاؤها في ذلك المجمع  وأخلي إثر انسحاب البعثة الدبلوماسية الأمريكية من مقديشو عشية الإطاحة بنظام سياد بري، وتعرض المجمع للنهب والتدمير خلال الحرب الأهلية، ثم عاد  يعمل كمقر للسفارة وقوة الولايات المتحدة العاملة ضمن عملية إعادة الأمل عام 1992 ثم انسحبت منها عام 1994 ومنذ ذلك الحين  يعيش فيها ناس عاديون وبني فيها منازل معظمها من الصحائف ويباع أراضي المجمع ويشترى بشكل علني.
  7. مجمع حرا روشكا: عبارة عن مباني كانت تابعة للمستشارين العسكرين الروسيين الذين عملوا في الصومال بداية السبعينات، وتقع بالقرب من مصنع الألبان بمديرية هدن.
  8. الحدائق العامة في مقديشو مثل حديقة كم4، وحديقة أفرتا جردينو، وساحة ترابونكا فعلى سبيل المثال تحولت الحديقة العامة في تقاطع كم4 الذي يربط مطار مقديشو بالقصر الرئاسي إلى محلات تجارية بينها واحد من أشهر المطاعم في المدينة يملكها أشخاص عاديون ودون إذن من الجهات الحكومية ذات الاختصاص. والأمر لا يختلف عن ساحة ترابونكا التي كانت تقام فيها العروض العسكرية بمناسبة يوم الاستقلال والمناسبات العسكرية الأخرى وبني فيها منازل ومحلات تجارية وفنادق فخمة يملكها أشخاص معروفون.
  9. أراضي غير مبنية ومبان تابعة للوزارة  أو المؤسسات الوطنية ومنها ما يلي:
  • أراضي وزارة الثروة الحيوانية في مديرية طركيني
  • أراضي الجامعة الوطنية
  • أراضي مستشفى الجيش في مديرية هدن
  • أراضي المجلس التعليمي الملاصق لمبنى مديرية هولوذاغ
  • الأراضي الواقعة بين مسجد عبد العزيز القديم والسفارة التركية الجديدة
  • أراضي تابعة لوزارة الموصلات في الطريق بين مقديشو وأفجوي، لقد بيع تلك الأراضي لمواطنيين عاديين وصارت حاليا حيا كاملا أطلق عليه “حي جلمدع”.
  •   أراضي تابعة لمركز الإطفاء الوطني في حي هدن وبالقرب من مبنى سي بيانو الشهير
  • أراضي الوكالة الوطنية للتجارة
  1.   مباني عسكرية تابعة للجيش الصومالي ومن أهمها
  • قاعدة المدرسة الخامسة
  • قاعدة بنغلا
  • مستودع الذخيرة
  • كلية أحمد جري العسكرية
  •   القيادة العسكرية قسم77
  • الكتيبة الثانية – المدفعية
  • قاعدة أودويني العسكرية

القرارات الصادرة بشأن أملاك الدولة… الأرقام والنتائج

ما من حكومة مرت بالصومال  منذ عام 1990 الا وأدلت بدلوها في جهود استعادة الأراضي والمنشآت الحكومية التي احتلتها فئات من الشعب، واصدرت عددا من القرارات المطالبة بإخلاء منشآت الدولة  لكن يمكن القول إن معظم تلك القرات كانت تفتقر إلى الجدية وبعد النظر والإهتمام  بما ستؤول إليه حال الأسر التي لجأت إلى تلك المباني وتدعيات ذلك على المستوى الأمني والاجتماعي ، وبالتالي كانت معظم تلك القرارت لم تتجاوز على الأورق التي كتبت فيها ولم تجد طريقها إلى التنفيذ.

تعتبر حكومة عبدالقاسم صلاد حسن من أوائل الحكومات التي حاولت استعادة ممتلكات حكومية فقامت بتهجير مجموعات من الشعب استوطنوا ساحة التربونكا والمقابر القريبة منها، وتدمير محلات تجارية ومنازل سكنية أقاموا فيها، ولكن بعد فترة عادوا إليها وما زالوا حتى اليوم يعيشون  فيها ويمارسون حياتهم اليومية.

وحدث مثل ذلك في عهد حكومات عبدالله يوسف أحمد، وشيخ شريف شيخ أحمد، وحسن شيخ محمود، حيث تمت استعادة ممتلكات عامة، من بينها مقرّ وزارة الدفاع الصومالية، ومقر وزارة الثقافة والتعليم العالي بينما ظلت أعداد أخرى باقية في أيدي أشخاص عاديين.

التسلسل التاريخي للقرارات الصادرة بشأن المنشآت الحكومية والممتلكات العامة من إدارة مديرية بنادر في الفترة ما بين عامي 2018م -2019م: 

  1. بعد يوم واحد من تعيينه، في 30/يناير/2018م، أصدر عمدة مقديشو المهندس عبدالرحمن عمر عثمان (يريسو) مرسوما يقضي بوقف عمليات البناء التي كانت تجري في منطقة بياسو ليبرو القريبة من حي (عيل غابتي ) في حمر ججب،موضّحا أن خطوته هذه ترجمة حقيقية لسياسة الحكومة تجاه استعادة الممتلكات العامة وحمايتها.
  2. وفي 14/يونيو/2018م، أصدر العمدة قرارا بإخلاء المرافق العامة في مقديشو بما فيها الحدائق العامة، كما ألغى جميع الاتفاقيات التي وقعتها إدارة سلفه مع الشركاء المنتفعين بهذه المرافق العامة لكن مصير تلك المرافق مجهولة حتى الآن، ولا نعرف ماذا يتم استعمالها للمصلحة العامة أو تم منحها لأشخاص آخرىن .
  3. وفي 19/يونيو/2018م، أصدرت إدارة مديرية بنادر قرارا يقضي بهدم المباني التي أقيمت في الأراضي العامة بمقديشو، وذلك في إشارة إلى المحلات التجارية والمباني السكنية التي أقيمت في التقاطعات الرّئيسة في مقديشو لكن لم يتم تنفيذ هذا القرار.
  4. صدر قرار بإخلاء المتحف الوطني أواخر عام 2018م، لترميمه ضمن مشروع إسحلقان التطوعي.
  5. عين رئيس الوزراء حسن علي خيري في  التاسع من شهر يناير الماضي  لجنة عليا مهمتها استرجاع أملاك الدولة تضم شخصيات بارزة في الحكومة  والمؤسسات القضائية برئاسة وزير التربية  والتعليم العالي عبد الله جوذح بري وعضوية كل من وزراء المالية والأمن والداخلية والمواني والسكان والأشغال العامة، والعمل والعمال، والصيد البحري بالإضافة إلى محافظ بنادر عبد الرحمن يريسو، والمدعي العام أحمد علي طاهر ورئيس ديون المراقبة محمد محمود علي.
  6. أصدر عمدة مقديشو عبد الرحمن عثمان يريسو أوائل إبريل الماضي مرسوما يقضي بإخلاء مجمع مرينو التابع للقوات البحرية الصومالية، والذي يسكنه الآن عضو مجلس الشيوخ الصومالي وزعيم الحرب السابق الحاج موسى سوذي يلحو، الّذي رفض الانصياع لهذا القرار واعتبره غير قانوني، مؤكّدا على أن ملكية هذه المنطقة تحوّلت إليه بطريقة قانونية خلال فترة حكومة عبدالله يوسف أحمد، وملكها ضمن اتفاقية مع حكومة عبدالله يوسف.

يدّعي موسى سوذي يلحو أن ملكية هذه المنطقة انتقلت إليه إثر صفقة بموجبها حصلت الحكومة على أسلحة كبيرة كانت بحوزته والتي قدّرت آنذاك بــقمية 1،5 مليون دولار. أثارت هذه القضية، حالة من التوتر والاحتقان في العاصمة مقديشو، حيث شهود تحرّكات عسكرية يقوم بها أنصار موسى سوذي استعدادا لأيّ اقتحام من قبل قوات الحكومة بهدف إخلاء المباني واستعادتها.

ورغم الجهود المبذولة من قبل أعيان ووجهاء السكان وزعماء العشائر، لايجاد مخرج للنزاع تجنب الطرفين من الاصطدام، إلاّ أنه لم يتم حتى الآن التوصل إلى أي إتفاق مما يرشح الوضع للتصعيد مرّة أخرى.

 أهمية الحملة وتحديات الواقع:

لا جدال في أن استرداد المنشئآت الحكومية أمر في غاية الأهمية كي تستطيع الحكومة ممارسة أعمالها بأكمل وجه، وأنه يجب استخدام جميع الوسائل الممكنة  لتحقيق ذلك دفاعا عن سيادة الدولة وفرص هيبة السلطة الحاكمة، لكن اذا قرأنا المعطيات المتوفرة بتمعن وقرارات الحكومة الحالية نتلمس عدم الجدية والانتقائية  والانتفاعية وجعل المصلحة الشخصية فوق كل اعتبار والاهتمام بالشكليات بدلا من المضمون لدى بعض المسؤولين ذوي الشأن وأن اجراءاتهم يمكن وصفها بـ”الفانتازيا“ وتفتقر إلى درجة عالية من الوعي  السياسي والاجتماعي والإلمام الكامل بحجم الملف وخطورته على الصعيد الأمن الداخلي، كما نلاخظ في تلك القرارات سوء استخدام مفرط للسلطة واتخاذها ورقة ضغط سياسية دون الالتفات إلى نتائجها الوخيمة وتداعياتها الخطيرة في المستقبل، ولذلك يرجع البعض أسباب عدم تنفيذ القرارات الصادرة من الجهات المعنية بالقضية لأسباب إدارية بحتة، لأن القرارات لا تصدر بناء على معرفة تامة لملابسات الملف وطبيعة الأرضي المطلوبة اخلاؤها وساكنيها ولم تستقبها اجراءات لتهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ القرارات.

وبالتالي ينبغي مواجهة مشروع استرجاع ممتلكات الدولة التي بحوزة المواطنيين بمزيد من الحكمة والهدوء، وتأجيل خيار الأمن على الأقل في هذه المرحلة الدقيقة واعطاء الفرصة للخيارات السلمية والابتعاد عن كل ما من شأنه اهتزاز ثقة المواطن بالحكومة ومؤسساتها المختلفة وتوسيع رقعة العداوة  والشحناء بين المجتمع الصومالي الذي يكافح بشق الأنفس من أجل طي صحفة الماضي الأليم وفتح صفحة جديدة عنونها الأبرز الوفاق والوئام  والعيش والمصير المشترك ويجب أن يعي المسؤولون ذوو الاختصاص أن الأمة بحاجة إلى خطط لإستتاب الأمن وليس لتأجيج صراعات جديدة بين أبناء الوطن وفتح البالوعات الآسنة.

من الضروري أن تتوفر لدى الدولة مقار ومكاتب تعمل بها مؤسساتها، حيث لا وجود للدولة، طالما مقاراتها ومبانيها في أيدي أفراد من الشعب، لكن في ذات الوقت لا بدّ للحكومة أن تعمل على دراسة عميقة لإعادة توطين ساكني هذه المقار والمباني وعدم إلقائهم في العراء في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة في الصومال،  أو دون إعطاء مهلة كافية يستطيعون من خلالها البحث عن بديل سكني، ،واطلاق حملات توعية وجبر خواطر لاقناع المواطنين باخلاء المنشئات الحكومية طواعية ودون مقاومة كأن تمنحهم الدولة أراض بديلة في مناطق أخرى سواء على شكل هبات أو عطايا، أو على هيئة بيع الأراضي بسعر زهيد وبأقساط في فترة زمنية معيّنة. فإنّه إن تمت هذه الخطوات فمن السهل تنفيذ القرارات الصادرة من الجهات المعنية، وهو ما يجنّب الطرفين من احتمالية حدوث تصادم بينهما يؤدي إلى إراقة مزيد من الدماء نحن في غنى عنه.

البعد القانوني لقضية الإخلاء القسري للنازحين في  المنشآت الحكومية 

ليس للقضية جوانب سياسية فقط وإنما لها كذلك جانب قانوني يجب أن يوضع في الاعتبار، لقد وقّعت الصومال عددا من الاتفاقيات بشأن حقوق اللاجئين والنازحين يجب احترامها ومراعاتها عندما تقوم الحكومة بإخلاء النازحين أو اللاجئين في المنشآت الحكومية ، فقد اتهمت المنظمات المعنية بشأن حقوق النازحين الحكومة الصومالية بالاعتداء على حقوق النازحين في جنوب وسط الصومال والبالغ عددهم ما يقرب من مليون شخص نازح، وذكرت المنظمات بأن معظمهم لا يحصلون إلا على القليل من الحقوق، وأن العديد منهم يتعرضون لعمليات الإخلاء القسري من قبل الحكومة الصومالية، وحذّرت  من تدعيات ذلك على السلم الاجتماعي، واحتمال اندلاع حروب قبلية بسبب  النزاع على الأراضي، مشيرة إلى غياب القوانين المتعلقة بالأرض منذ 1991 وضعف قدرة المحاكم الموجودة على فصل النزاعات بين المواطنين أو بين المواطنين والحكومة حول ملكية الأراضي(4).

 الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعتها الصومال بشأن النازحين: 

وقّعت الصومال عددا من الاتفاقيات والمعاهدات بشأن حقوق اللاجئين والنازحين ومن أبرز تلك الاتفاقيات والمعاهدات:

  1. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
  2. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
  3. اتفاقية مناهضة التعذيب
  4. الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين
  5. الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب
  6. معاهدة الاتحاد الإفريقي لحماية ومساعدة المشردين داخليا في أفريقيا (معاهدة كمبالا)
  7. بروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة في أفريقيا
  8. اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية التي تنظم الجوانب المحددة من مشاكل اللاجئين في أفريقيا.

الخاتمة

وأخيرا ينبغي تكثيف الجهود ومضاعفة المشاورات بين المعنيين بالقضية وذلك للبحث عن الحلّ الأنسب لهذه القضية، والّذي يبعد البلاد والشعب من خطر العودة إلى مربع العنف والانجرار مرّة أخرى نحو حرب أهلية، لأن هذا الملف معقد وشائك ويمس حياة ملايين الصوماليين بشكل مباشر أو غير مباشرة وبالتالي على الحكومة أن  تتريث في قراراتها المتعلقة بتلك المنشآت وخصوصا في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به البلاد. لكن في المقابل يجب على الحكومة أن تكون مواقفها ازاء بيع اراضي الدولة أو تمليكها لشخصيات عادية متشددة وخاضعة لقانون واجراءات صارمة حماية لمبدأ تكافؤ الفرص ومنعا من انتشار الفساد وتمكين فئات خاصة من موارد الدولة  في حين يوجد في البلاد ملايين البشر الذين لا تتوفر لديهم أدنى مقومات الحياة بل لا يجدون ما يسد رمقهم أو مأوى يقيهم من الحر والبرد. كما ينبغي أن تعيد النظر في  اتفاقياتها مع الدول او الشركات الاجنبية لمنحهم أرضى تقع في مناطق استراتيجية وهامة في العاصمة مقديشو وهذا الأمر يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي.

 المراجع 

  1.   https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/Full_report_AR_1.pdf
  2. http://www.aliqtisadalislami.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA/
  3. الدور التوزيعي للملكية في الاقتصاد الإسلامي  الدكتور طاهر قانة كلية العلوم والتجارية جامعة باتنة- الجزائر ص 86
  4.   الأملاك الوطنية – الأستاذ سهام عبدلي جامعة منتوري “1”  قسنطينة http://fac.umc.edu.dz/droit/affichage/cours/%D9%85%D9%84%D8%AE%D8%B5%20%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%84%20%D8%B3%D9%87%D8%A7%D9%85.pdf
  5.     النفط والغاز الطبيعي : أطر دستورية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مركز العمليات الإنتقالية الدستورية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات ، برنامج الأمم المتحدة  الإنمائي – عام 2014
  6.   الدستور الصومالي عام 1969 ص: 5، 6
  7.   الدستور الصومالي عام 2012 ص: 20، 21 
  8. JAMHUURIYADDA SOOMAALIYA WASAARADA MAALIYADDA , HINDYE SARCIYEEDKA MAAREEYNTA     MALIYADA  2017
  9. Housing, Land and Property in Somalia – Refworld

عبد الرحمن عبدي

كاتب وصحفي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات