أخبارتقدير موقف

التطورات الأخيرة في ولاية جلمدغ وجه آخر من أوجه الصراع بين المركز والهامش

PDF

 

المقدمة

  كانت الفدرالية من مخرجات مؤتمر إمبجاثي  في كينيا عام 2002-2004م ، و الذي خرجت من رحمه حكومة إنتقالية تتخذ الفدرالية نظاما للحكم وفق الميثاق الانتقالي المتفق عليه. ويومها أثارت جدلا واسعا بين الصوماليين ولاسيما بين النخبة التي إتقسمت إلى قسمين مهمين ، قسم أعتبر أنها خطوة في ألإتجاه الصحيح وأن الفدرالية مطلب شعبي منذ الاستقلال عام 1960. وفى ظل التوجس من الأخر والحرب الأهلية التى خلقت نوعا من عدم الثقة بين مكونات المجتمع الصومالي تصبح الفدرالية هي الخيار الأمثل لنظام الحكم في الصومال . بينما إعتبر القسم الأخر أنها القاضية علي ما تبقى من حلم جمهورية الصومال الموحدة ، فالشعب الصومالي متجانس عرقيا ودينيا وحضاريا وبالتالي لا يصلح له إلا النظام المركزى فى شكل الحكم . وبين الإتجاهين قسم ثالث يميل الى المركزية ولا يرفض النظام الفدرالي فى شكل الحكم  . هذ الأتجاه الثالث يتحفظ على شكل وكيفية الفدرالية المطبقة حاليا فى الصومال لانها تقسم المجتمع الصومالي الي كنتونات فبلية عشائرية من شأنها أن تضعف الصومال وتفتت المفتت وتقسم المقسم بجانب أنها تتوافق مع الرؤية الإثيوبية التى تريد أن تحول الصومال إ لي دويلات قبلية هشة عاجزة  تتقاتل فيما بينها على أساس عرقى .  من مأخذ دستور ” إمبجاثى ”  كذلك أنه لم يقف مجرد إتخاذ الفدرالية نظاما للحكم وإنما أعترف بحكومتي أرض الصومال وبونت لاند الذين تأسسا ماقبل الدستور نفسه في سياق النظام الفدرالي الجديد ، كما أضفى  الدستور شرعية على بعض الإدارات المحلية المنتشرة في بعض المحافظات الصومالية . ومنح هذا الدستور كذلك صلاحيات واسعة للإدارات المحلية في إطار الدولة الفيدرالية الموحدة مع شرط شكلي لا يتجاوز كلمة ” ما لا يتعارض مع مصالح الصومال وأمنه وسلامته الإقليمية” .

وعلى الرغم أن الحكومة الإنتقالية بقيادة الرئيس : عبد الله يوسف  تعاملت مع بونت لاند علي هذه الأساس إلا ان التحديات المحيطة بها أحالت دون أن تنفذ الفدرالية المنشودة على باقى الولايات الصومالية .  ولكن الإنتقال الى مرحلة الدولة الرسمية فى منتصف2012  قررت القيادة الصومالية الجديدة إتمام ملف الفدرالية ليظهر في نهايات  عهدها كيانات أخرى ولائية تنطوي تحت الدولة الإتحادية  وتعتبر ولاية جلمدع المولود الشرعى للنظام أنذاك بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود  الذى أراد أن يؤثر الإنتخابات من خلالها .

ميلاد ولاية جلمدغ  المشوه 

لم يكن ميلاد دولة ولاية جلمدغ  نتيجة ولادة طبيعية وإنما تمخضت عن ولادة قيصرية شابها تشوهات خلقية ، ليكون المولود-  الإقليم الذي يتكون من ولاية ونصف فقط-  مخالفا للدستور القومي الذي لا يسمح لإقامة أي نظام فدرالي  على أقل من إقليمين .  بدأت فكرة تأسيس الولاية أولا في منطقة جالجعيوا كنوع من المحافظة  علي موازين القوى في الأقاليم الوسطي وخاصة فى إدارة  الصراعات التقليدية مع  نظام بونت لاند الذى إستطاع ان يحافظ علي تماسكه وأمن مناطقه بعيدا عن سياسات المركز وتأثيراتها.  وقد  تأسستولاية جلمدغ  رسميا بعد أن تم توحيد شطريها إدراة مدينة جالعيو ومنطقة هوبيو التى كان يقودها السيد: عبدى قيبدبد وإدارة حمن وحيب التى كانت تتمركز فى مقاطعة عدادو ، تحت مسمي دولة ولاية جلمدغ  وذلك بعد إقامة مؤتمر مصالحة للقبائل فى مقاطعة عدادو ، استمر لعدة اشهر وانتهى بالاتفاق علي دستور مؤقت وتشكيل مجلس برلمانى للولاية الذي إتتخب بدره أول رئيس للولاية للسيد : عبد الكريم حسين جوليد فى 4 يوليو عام 2015م .  لم  يستمر حكم السيد عبد الكريم  إلا عامين فقط ليخلف بعده السيد أحمد دعالي جيلي ”  حاف ”  الذى حملته الأنتخابات إلى سدة الحكم فى الولاية فى 3 مايو 2017م بعد ان قدّم الأول إستقالته من المنصب لأسباب صحية في فبراير من العام نفسه .

مناطق النفوذ : تتكون ولاية جلمدغ من محافظات ولاية جلجدود ومناطق من ولاية مدج التي تتقاسمها مع إدارة بونت لاند بالتناصف .  وهناك قوى مختلفة تسيطر على مناطق ولاية جلمدغ إذ لا تسيطرها الإدارة الحاكمة كل مناطق الولاية لأسباب كثيرة منها انها كانت مسرحا للإنقسام والأنشطارت طيلة فترة الحرب الأهلية ورمزا للإقتتال الداخلي ولم تعرف طريقا الي النظام ، وبالتالي فمن الصعوبة بمقام توحيدها تحت إدارة موحدة . وتتمثل أهم مناطق النفوذ فى الولاية بمدن ثلاث :

طوسمريب :وهى حاضرة ولاية جلجدود  ويسيطر عليها تنظيم  أهل السنة والجماعة المحسوب بالتيار الصوفى ، ويتمتع التنظيم بحاضنة شعبية قوية داخل الولاية .

عبدواق :تقطنها قبيلة مريحان والتي ينحدر منها الرئيس الصومالي الحالي ، وتسيطر علي المدينة مجموعة من المليشيات القبلية .

عدادوا:تقع تحت نفوذ عشيرة سليبان إحدى بطون قبيلة هبرجدر وكانت مركزا للإقليم قبل أن يتم تحويله إلي محافظة طوسمريب .

منطقة جالعيوا : وتسيطرها مليشيات تابعة لعشيرة سعد إحدي بطون هبرجدر وقوات موالية لحكومة ولاية جلمدغ   برئاسة السيد “حاف”.  ويوجد فى ولاية جلمدغ عموما  تنوع فبلي مثله مثل الولايات الأخرى فى الجنوب إذ تقطنه فبائل مختلفة من قبائل هوبة وكذا عشائر من قبيلة در وقبيلة مريحان التي تنتمى إلي مجموعة  الداروود.

خلفية التجاذبات

 لم تبدأ التجاذبات السياسية بين الحكومة الإتحادية وولاية جلمدغ  حاليا و إنما كانت هناك خلافات في إدارة عدة ملفات فمثلا رأت إدارة  ولاية جلمدغ  التحالف مع المحور الرباعي فى الصراع الخليجي معتبرة الحياد المزعوم من قبل الحكومة إنحيازا ضمنيا للمحور القطري الذي لا يفيد ولا يخدم للقضية الصومالية حسب رأى قادة إدارة ولاية جلمدغ   . و صرح الرئيس الحالى السيد / أحمد دعالى جيلى “حاف” وفى أكثر من مناسبة بأن ولاية جلمدغ ستتعامل مع الإمارات والسعودية في ما يخدم مصالحها ولم تعد بحاجة إلى إذن من أي طرف .  وأعتبرت الحكومة الأتحادية تلك التصريحات والتوجهات مناقضة لتوجهاتها ومخالفة صريحة للدستور القومي الذى لا يسمح للولايات إقامة أى علاقة مع الخارج دون تنسيق من الحكومة . وهو نفس الأمر الذى فعلته جوبا لاند وتفعله بونت لاند بإستمرار ، مماجعل البعض يفسر بالتصعيد الحكومي ازاء ولاية جلمدغ   بانه يأتي فيما يسمى بتقاطعات موازين القوى بين القبائل  في السلطة . فالرئاسة الصومالية غالبا مايسند إلى إحدى قبيلتى داروود وهوية ، فعندما يتولى الرئاسة شحص من قبلة هوية فالخلافات تأتي غاليا من بونت لاند أو جوبا لاند ضد المركز . ونفس السيناريو  يتكرر فيما إذا تولى الرئاسة شخص من قبائل داروود ولكن التصعيد حينئذ يكون من طرف  ولاية جلمدغ  ومن في فلكها من السياسات .  بيد  أن الخلافات الحاصلة بين المركز والهامش وإن كانت بغلاف قبلي إلا أنها لا تخلو من مسائل جوهرية أساسه التنافس على السلطة والثروة ، حيث يحمل الصراع الحالى بين إدارة  ولاية جلمدغ والحكومة في طياته شكل الإنتخابات المقبلة ورغبة كل طرف فى التأثير عليها لكسب مزيد من الدعم والولاء وثم الحصول علي أصوات قد تحمله  أو تعيده الي سدة الحكم مرة أخرى .

   يتهم بالقيادة الحالية للحكومة  كما إتهمت فى سابقتها بانها غير مرتاحة لسلوك الولايات الفدرالية ومن قبلها الفدرالية كمبدأ، وبالتالي لا تتورع فى إستخدام المال السياسى لفرض أجندتها وأحيانا إستقطاب أشخاص ومساندتهم لملئ المناصب القيادية العليا  للولايات وقد تجلى ذلك بوضوح فى الإنتخابات الأخيرة فى ولاية جنوب غرب الصومال  ، وربما يتكرر نفس المشهد في ولاية جلمدج .

التطورات الحالية :

يبدو ان الخلاف الذي بدأ فى تحديد موعد إنتخاب ولاية جلمدغ قد تطور إلى مراحل متقدمة قد تجر الإقليم – لاسمح الله – إلى مواجهات مسلحة . فالحكومة الاتحادية دعت  وعبر وزارة الداخلية والفيدرالية والمصالحة قيادة ولاية غلمدغ وسط الصومال إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الولاية في موعدها مؤكدة أن الولاية الدستورية لقيادة جلمدج تنتهى بحلول 4من شهر يوليو القادم. وعليه سيعقد مؤتمر مصالحة جامع لكل القبائل القاطنة هنالك لإجراء إنتخابات حرة ونزيهة من شأنها أن تعزز الديمقراطية ومبدأ الإنتقال السلمى للسلطة . وفي المقابل يري رئيس إدارة جلمدج بأن فتره ولايته الدستورية يجب أن تؤرخ  مع بداية إتفاقه مع تنظيم أهل السنة فى جيبوتي نهاية عام 2017م . الجدير بالذكر في هذا الصدد أن مؤتمر ” جرووى ” التشاورى الذى أنعقد فى بونت لاند مطلع شهر مايو الماضى كانت أحد أسباب إنهياره الإختلاف حول موعد الأنتخابات فى ولاية جلمدج.  مما أدى في حينها إلى تراشقات إعلامية بين رئيس الجمهورية ورئيس ولاية جلمدج حيث قال الأول  كلاما خارجا عن اللباقة مفاده : أن الحكومة الإتحادية شخصت مشكلة الإقليم وإكتشفت أنه مريض ولكن القيادة الحالية رفضت تعاطي الأدوية التي وصفت لها عبر الروشتة الحكومية ، ورد عليه السيد حاف رئيس ولاية جلمدج بأنه هو الناقل للفيروس وتحل البلاء حيث يحل . وأيا كانت ألاسباب والدوفع  فالحكومة مصرة على إجراء الإنتخابات بينما القيادة الحالية لولاية جلمدج لن تقبل بنتائج أى إنتخابات قادمة كما صرح الرئيس والذى يجد حاليا تعاطفا كبيرا من شرائح واسعة .

ويبدو أن الحكومة تستخدم مع السيد حاف سياسة العصا والجزرة إذ تناولت أخبار من مصادر مقربة للحكومة بأنها عرضت عليه التنازل مقابل مال وفير ومنصب رفيع فى الحكومة. وهو  المبدأ الذي يرفضه الرئيس “حاف” حتى للتو . وربما تلجأ الحكومة الإتحادية  إلى سياسة العصا الغليظة في حال فشلها فى الخيار الأول  علما أن هنالك جهات قوية داخل الولاية مثل  تنظيم أهل السنة المسيطر فى طوسمريب مركز الولاية  وبعض القبائل المناهضة لسياسات الرئيس “حاف”  متواطئان مع توجه الحكومة وهما الذراعان اللذان من الممكن أن تستخدمها الحكومة فى حال ما تطلب الموقف حسما عسكريا .

وتبدو أن الأحداث تجري بوتيرة متسارعةوعلي كل فالأيام حبلي بالجديد المثير وخصوصا بعد اعلان الرئيس ” حاف” ليلة أمس انهيار الاتفاقية مع أهل السنة والجماعة وجميع ما ترتب منها ودعوته إلى انتخابات رئاسية في الإقليم بالتنسيق مع الوزارة الداخلية في الحكومة الفيدرالية  تجرى في مدينة عداوا العاصمة المؤقتة للإقليم وهذا القرار المفاجئ فيما يبدو  يهدف إلى نسف كل التفاهمات التي جرت وستجري بين الحكومة الفيدرالية  وأهل السنة والجماعة، ووضع الأخيرة التي يتهمها بالطعن من الخلف في موقف الضعف أمام مفاوضاتها مع الحكومة المركزية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات