اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / دور المجتمع المدني سياسيا

دور المجتمع المدني سياسيا

تتخذ منظمات المجتمع المدني أهدافا وأدوارا تعمل على تحقيقها في تمتين الهوية والولاء الوطنيين ورفع مستوى المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية، وان أية دولة لديها مجتمع سياسي، يمكن ان تقدم بعض الحرية لمواطنيها، ولكن لا نستطيع ان نبني مجتمعا ديمقراطيا من دون مؤسسات المجتمع المدني التي هي هيكل البناء الديمقراطي وهي على رأس القائمة في متطلبات التغيير الاجتماعي والسياسي ).

الدولة إذن، هي الروح الموضوعية التي يكون لكل مواطن شعوره فيها والدولة، بهذه الصفة، بوصفها الحقيقة الواقعية للحرية العينية، هي التي تتولى كفالة الحريات الفردية والمصالح الفردية ونحوها فيما يتعلق بما هو مشترك بين المواطنين.

ليس المقصود ان يشكل المجتمع المدني معارضة سياسية في مواجهة الدولة إذ أن فاعلية المجتمع المدني تنطوي على أهداف أوسع وأعمق من مجرد المعارضة إنها المشاركة بمعناها الشامل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، و هذه المشاركة هي التي تسمح للمجتمع المدني وتتيح له فرصة مراقبة جميع البنى الاجتماعية بما فيها الدولة نفسها وضبطها وتصحيح مسارها، ان وظيفة المجتمع المدني هي وظيفة تسييريه شاملة للمجتمع كله يحافظ فيها المجتمع المدني على استقلاليته عن الدولة، فان المجتمع المدني ( كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخبرات والمنافع من دون تدخل او توسط الحكومة.

ولابد لنا أن نقول، (لا وجود للمجتمع المدني من دون حماية الدولة له ، ولا بناء لمجتمع مدني من دون بناء للدولة، فالدولة والمجتمع المدني واقعان متلازمان، الدولة تستمد من المجتمع المدني قيمها وقواها وسياساتها، والدولة الوعاء او الإطار الذي يحتضن ويؤطر حركة المجتمع المدني ونشاطه، ومن دون مؤسسات المجتمع المدني تنفرد الدولة بالمجتمع لتفرض سيطرتها ).

عندما نتحدث عن دور للمجتمع المدني في صنع السياسة، يتبادر إلى الذهن فوراً الشريك الأخر والأساسي في عملية صنع السياسة وهو الدولة.  فعملية صنع السياسات من المهام الأساسية لأي دولة.  بيد أن هذه العملية لا تنطلق من فراغ، فهي عملية ذات طابع ديناميكي ونتاج تفاعل أطراف عديدة حكومية وغير حكومية، داخلية وخارجية، وما يتضمنه ذلك من مشاورات واتصالات وضغوطات.  وهذا الأمر مسلم به في أدبيات السياسة المقارنة منذ عقود عديدة، فهناك إقرار أن للجماعات المنظمة في المجتمع دوراً أساسياً في عملية صنع السياسة سواء من خلال صراعاتها مع بعضها البعض، أو مع الدولة في سبيل التأثير على عملية صنع السياسة (منهج الجماعة)، أو من خلال تقديمها لأنماط عديدة من المدخلات (معلومات – مشاورات – خبرة – مطالب – تأييد …..) للنظام السياسي (منهج النظم) .

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة إحياء مصطلح المجتمع المدني من جديد ليشير إلى مجموعة التنظيمات الطوعية والاختيارية القائمة فعلاً في معظم المجتمعات المعاصرة، مثل النقابات المهنية والعمالية واتحادات رجال الأعمال واتحادات المزارعين والجمعيات الأهلية وغيرها من تنظيمات. وربما يكون من المفيد الإشارة إلى أن إحياء مفهوم المجتمع المدني بصياغته الجديدة لم يكن إلا نتاج أزمة،  ففي حين كان لأحداث أوروبا الشرقية الفضل في تسليط الأضواء على دور المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي، فإن أزمة دولة الرفاهة في أوروبا الغربية قبل سنوات مما حدث في أوروبا الشرقية هي التي أدت إلى إحياء مفهوم المجتمع المدني من جديد. وبناء على ذلك برزت أدوار جديدة وعديدة منوطٌ بها المجتمع المدني، بعضها متعلق بالتحول الديمقراطي والبعض الآخر ذو صلة بصنع السياسة.

وعلى أية حال فإن تحليل دور المجتمع المدني في عملية صنع السياسة بأبعاده وحدوده وتقييم مدى فاعليته، مرهون بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، هل هي علاقة متبلورة تقوم على الثقة والاعتماد المتبادل بين الطرفين؟ أم علاقة ما زالت في طور التشكل، وتتجاذبها توجهات متناقضة ما بين إيجابية وسلبية؟

إن كل نمط من أنماط هذه العلاقة من المتوقع أن يفرز أدواراً مختلفة للمجتمع المدني في صنع السياسة،  ففي حين تتواجد علاقة شراكة فعالة وناجحة بين الدولة والمجتمع المدني في صياغة السياسات العامة وتنفيذها في الحالة الأولى (حالة الاعتماد المتبادل)، فإنه في الحالة الثانية غالباً ما ينحصر دور المجتمع المدني في القيام بمشروعات صغيرة هنا وهناك لمساعدة الفقراء والمهمشين، أو ما يطلق عليه ملء الفراغ الذي تركته الدولة بعد انسحابها دون أن يمارس دوراً حقيقياً في صنع السياسة من حيث صياغتها وتنفيذها وأيضاً تقويمها. وفي الغالب – وهذا وضع كثير من دول العالم الثالث – يكون وراء إفساح بعض المجال للمجتمع المدني الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها هذه البلدان، بالإضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها من المؤسسات الدولية وغيرها من أجل الاعتراف بوجود هذا المجتمع المدني والإقرار باستقلاله.

لأن المجتمع المدني رغم أنه عبارة عن مجموعة الافراد والهيئات غير الرسمية بصفتها عناصر فاعلة في معظم المجالات التربوية والاقتصادية والصحية والخيرية…الخ. فهو مدعو لتحمل مسؤولية أكبر في إدارة شؤون المجتمع كما هو الحال للأحزاب السياسية في بعض الدول لذلك يستبعد في مفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية كالأسرة والقبلية والطائفة الإثنية او المذهبية كما تستبعد منه المؤسسات السياسية والحكومية ليبقى ذوا طابع تطوعي محض حيث كان ينظر الى المجتمع المدني على أساس مشاركة المواطنين بطريقة فعالة في تكوين جماعات طوعية تهدف الى تحقيق الصالح العام.

كن توجد بعض المعوقات أمام مؤسسات المجتمع المدني المصري التي تمنعها من لعب دور سياسي فاعل ومؤثر في قرارات النظام السياسي وتتعلق هذه المعوقات باختلاف الأجندات نتيجة تدخل القوى الخارجية والممولة، والإعاقات المستمرة والقيود المفروضة من جانب النظام السياسي، فضلا عن عوائق داخلية تتعلق بمؤسسات المجتمع المدني ذاته مثل غياب الهدف الذي يفرض نفسه على كافة مؤسسات المجتمع المدني في مصر وغياب قيم الحريات والحوار.

– فمن جهة أدت (العولمة) إلى إدخال تغييرات على خريطة المجتمع المدني حيث نلاحظ أن أساس هذه الخريطة حتى نهاية السبعينيات من القرن العشرين كان منظمات شعبية تعبر عن مصالح فئات اجتماعية معينة كالنقابات العمالية والمهنية والحركات الطلابية أو جمعيات أهلية خيرية وثقافية واجتماعية تقدم لأعضائها خدمات متنوعة كما تقدم خدماتها للفئات الضعيفة في المجتمع، أو أندية رياضية وثقافية واجتماعية تشبع احتياجات أعضائها لأنشطة متطورة في هذه المجالات، وكذلك الجمعيات التعاونية.

لكن العولمة جاءت معها بقضايا جديدة ومشاكل جديدة مثل حماية البيئة من التلوث، والفقر، والهجرة واللاجئين وضحايا العنف والسكان الأصليين والمخدرات والإرهاب وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفولة وحقوق الأقليات الدينية والعرقية،

 وشجعت على قيام منظمات غير حكومية للتعامل معها مما أدى إلى قيام مئات الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الجديدة التي تنشط حول أهداف مفتتة وقضايا جزئية دون ارتباط بالأسباب المشتركة لهذه المشاكل الجزئية، ودون وضوح حول إمكانية التنسيق والتعاون بينها لمواجهة هذه الأسباب التي تعود بالأساس إلى كل من الاستبداد السياسي والعولمة الرأسمالية وسياساتها.

إن دراسة واقع المجتمع المدني وأولويات مؤسساته في المرحلة السابقة، وتحليل الإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يحكم عمل هذه المؤسسات. ورصد علاقتها بالنظام السياسي. كل ذلك لابد وأن يساهم في تحديد مقومات انطلاق العمل المدني في مصر ومنها: العمل على ترسيخ وتطوير ثقافة بناء المؤسسات، وتنمية الحوار والتعاون في المجتمع المدني المصري، فضلا عن البحث عن أنشطة وفعاليات جديدة تستطيع مؤسسات المجتمع المدني من خلالها أن يتسع نفوذها وتكون مؤثرة سياسيا.

وفى ضوء ذلك فإن المطلوب من مؤسسات المجتمع المدني العمل على تطوير آليات الحركة والاتجاه نحو تخليق صيغة جديدة توفر المشاركة في صنع السياسيات العامة وتستند لخدمة المجتمع من خلال خدمة مصالحها، فضلا عن القدرة على النقد الذاتي لتجاوز تلك المعوقات التي تحد من انطلاق المجتمع المدني، وفى مقدمتها الاتفاق على آليات للصراع والخلاف الداخلي لتجنب تلك الصراعات الدورية التي تحفل بها النوادي الرياضية أو المنظمات الأهلية التطوعية والتي تحول دون التفاعل الحى والمباشر بين تلك المؤسسات وبعضها البعض أو بينها وبين الجماهير.

وهناك حاجة لتفعيل الوسائل الإعلامية والقضائية وإقامة علاقة دائمة مع الأجهزة الحكومية ليس فقط في القضايا الفئوية أو القضايا المصيرية التي تعنى بهموم الأمة العربية والإسلامية وإنما أيضا في المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالمجتمع المصري إذ من الملاحظ أن دور المجتمع المدني يواجه تحديا كبيرا خصوصا وأن الإطار الاقتصادي والاجتماعي الذي نشأت في ظله مؤسساته في الوقت السابق يختلف عن الواقع الراهن وانه إذا كانت هناك مئات المطالب المتعلقة بالإصلاح الديمقراطي فإن الإصلاح الديمقراطي لن يصلح وحده دون أن يكون للمجتمع المدني دور في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لجموع المواطنين في مصر.

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن الدكتور عادل عمر

الدكتور عادل عمر

اترك رد