اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / الحراك الدّبلوماسي الإرتيري في منطقة القرن الأفريقي… الأسباب والأهداف

الحراك الدّبلوماسي الإرتيري في منطقة القرن الأفريقي… الأسباب والأهداف

 معلومات عن إريتريا

تشغل إريتريا مساحة تقدر  بحوالي 117  ألف كم مربع. يحدها من الجهة الشمالية والغربية، السودان، ومن الجهة الجنوبية الشرقية جيبوتي بحدود طولها حوالي 113 كم، ومن الشرق البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومن الجهة الجنوبية إثيوبيا بحدود طولها 1000 كم. ويبلغ عدد سكان إريتريا حوالي  6 ملايين نسمة.

تكتسب إريتريا أهمية خاصة من موقعها الجغرافي المطل على الساحل الغربي للبحر الأحمر وبمساحة تقدر بـ 1000 كلم تمتد  من منطقة رأس قصار في الحدود السودانية مرورا بباب المندب  وانتهاء بمنطقة رأس أجيتا في الحدود الجيبوتية.

يضم الساحل الإريتري  أكثر من 300 جزيرة تقع في مقابل سواحل المملكة العربية السعودية واليمن، وهذه الجزر تشكل، ولاسيما في الآونة الأخيرة وبعد اندلاع الحرب في اليمن، أهمية خاصة لأطراف النزاع في الشرق الأوسط.

المكونات العرقية في إريتريا:

الشعب الإريتري خليط من الجنسيات الحامية والسامية التي هاجرت من البلاد العربية موزعة على مجموعات عرقية تعتنق ديانات مختلفة، ويشكل المسلمون الغالبية العظمى من السكان، وهناك مجموعات مسيحية، ووثنية، وغالبيتهم يقطنون في الحدود الإريترية  الإثيوبية.

يمارس الإريترييون مهنا مختلفة، فبعضهم يمارسون التجارة، وبعض آخر يمارس الزراعة، بينما الأغلبية العظمى من البدو الرحل.

ومن أهم هذه المجموعات:

  1. الأحباش: وهم جزء من المجموعات الحبشية في إثيوبيا، ويعيشون في منطقة التجراي، وعلى الهضاب الواقعة في الحدود بين إثيوبيا وإريتريا، وأنهم من المزارعين، وأغلبيتهم الساحقة تدين بالإرثوذكسية، وأن لغتهم التجريتية وانتماؤهم للكنيسة الأرثوذكسية وثقافتهم الحبشية، عوامل تجعلهم مرتبطين ثقافيا بشعوب الحبشة في إثيوبيا.

وتتميز هذه المجموعة بأنها الجماعة المسيطرة على حكم البلاد، والرئيس الإريتري إسياس أفورقي ينحدر منها.

  1. الدناكل أو العفر: ويدينون بالإسلام، وتعيش هذه المجموعة في الامتداد الجنوبي للسهول الساحلية، والصحراء المحيطة بها في إثيوبيا وجيبوتي، وبالتحديد في منطقتي باكسي ورهتو، وهم قريبون ثقافيا من الشعوب الحامية الشرقية والغالا والصومال وهذه المجموعة تنتشر أيضا في جيبوتي وإثيوبيا.
  2. قبيلة الساهو: وتعيش في سلسة تلال اكيلي -غوازي . والأغلبية الساحقة من قبيلة الساهو في إريتريا يدينون بالإسلام، لكن هناك فروع من قبيلة الساهو مسيحية تعيش في إثيوبيا. والأغلبية الساحقة من الساهو من البدو الرحل، والباقي يشتغلون في الزراعة. لغتهم حامية وقريبة من لغة الدناكل من حيث العادات، إلا أنهم قريبون للتجراي، وذلك بسبب قربهم منهم من حيث النسب وكذلك من حيث المظهر يشبهون التجراي.
  3. قبيلة البلين:  تعيش في الطرف الجنوبي للمرتفعات الشمالية، وبالتحديد في منطقة البقوس وأكثريتهم من أصول حبشية أو التجراي.

وهناك مجموعات عرقية أخرى من بينهم: بيت توقي، وآل كوناما، وأبناء الباريا الذين تنحدر أصولهم من شعوب ضفاف النيل، ويعيشون بالقرب من مناطق التجراي وفي منطقة تطلق عليها اسم “القبيلة”، ومن حيث الديانة فهم خليط من المسلمين والمسيحين والوثنيين.

الأسباب وراء الدبلوماسية الإرتيرية النشطة 

اشتهرت إريتريا طيلة العقدين الماضيين بالعزلة السياسية والانغلاق الدبلوماسي، نتيجة لتصرّفاتها السياسية الدّاخلية والخارجية، فعلى الصعيد الدّاخلي اتهمت القوى الغربية السياسية وبعض المنظمات الحقوقية النظام الإريتري بأنّه نظام ينتهج سياسية قمعية استبدادية أدّت إلى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان في إرتيريا وخصوصا المعارضين السياسيين.

أما على الصعيد الخارجي فاتسمت العلاقات الإريترية مع معظم دول الجوار بالتوتر والنزاع الحدودي، فكان بينها وبين إثيوبيا نزاع حدودي، تماما مثل ما كان بينها وبين جيبوتي، وكان لليمن نصيب من هذا النزاع الحدودي بين إرتيريا ودول الجوار، بينما كانت الصومال تتهم إرتيريا بمساندة المعارضة الصومالية المسلحة وإيوائها.

كان هذا هو المشهد السائد في السياسة الإرتيرية طيلة العقدين الماضيين، وهذا المشهد دليل كاف لمعرفة ما جعل إرتيريا دولة منعزلة سياسيا رغم وقوعها في منطقة استراتيجية من القرن الأفريقي.

تغيّر كلّ هذا فجأة، خلال العام الماضي، وما زالت التغيرات مستمرة حتى الآن. ويرى محللون أن التغيّر السياسي الّذي حدث في إثيوبيا والذي جاء على أعقابه إلى سدّة الحكم الإثيوبي أبي أحمد علي، كان المحرك الأساسي لحدوث تغيّر ليس فقط في السياسة الإرتيرية وإنما أيضا في معظم سياسات دول القرن الأفريقي التي اتسمت غالبا بالتوتر والنزاع.

إن مجيء أبي أحمد علي إلى سدّة الحكم في إثيوبيا، وسياسته الانفتاحية والإصلاحية أدّت إلى إنهاء أزمات داخل إثيوبيا، إذ أنه تصالح مع القوميات المضطهدة داخليا، وقام بإصلاحات جذرية تشمل المجالات المختلفة وخصوصا السياسية والاقتصادية، ثمّ توجّه إلى إنهاء أزمته مع دول الجوار في القرن الأفريقي.

أدرك أبي أحمد أن مفتاح الإصلاح بين إثيوبيا وإرتيريا يبدأ من تنفيذ اتّفاقية الجزائر لعام 2000م، فضلا عن قرارات لجنة ترسيم الحدود مع إرتيريا فأبدى استعداده لتنفيذها، مما يعني أنه استعدّ للانسحاب من منطقة بادمي التي انطلقت منها الشرارة الأولى للحرب والتي رسمت ضمن الحدود الإرتيرية.

لاقى هذا الاستعداد الإثيوبي قبولا إرتيريا، على إثره تبودلت البعثات الدبلوماسية حيث زار وزير خارجية إرتيريا إثيوبيا في يونيو الماضي، والتي ربما كانت تمهيدا لزيارة رئيس الوزراء الإثيوبي لأسمرا لإنهاء الخلافات بين البلدين والتي استمرت قرابة 20عاما.

لقد أسفر عن هذه الزيارة لرئيس الوزراء الإثيوبي لإرتيريا طيّ صفحة الماضي والتي كانت متسمة بالقطيعة والنزاع والعداء بين البلدين، وفتح صفحة جديدة مختلفة تماما من الماضي حيث بدأ الطيران الإثيوبي رحلاته إلى أسمرا كأول خطوة لإلغاء القطيعة التي كانت بين أبناء البلدين. وبالمقابل زار أسياس أفورقي في 14/يوليو/2018م أديس أبابا لفتح السفارة الإرتيرية هناك. واستقبل الرئيس الإرتيري حينها في أديس أبابا بحفاوة بالغة.

لم يقتصر الحراك الدبلوماسي الإرتيري على علاقاتها مع إثيوبيا فقط، بل تعدّى الأمر إلى دول مثل الصومال التي زارها وفد إرتيري رفيع المستوى بقيادة وزير خارجية إرتيريا السيد عثمان صالح -الذي زار الصومال بعد ذلك مرّات كانت آخرها زيارته إلى مقديشو قبل أيام_ وكانت زيارته الأولى للصومال في 13/أغسطس/2018م،وذلك عقب زيارة الرئيس الصومالي لأسمرا أواخر يوليو 2018م، وتعتبر زيارة وزير خارجية إرتيريا للصومال تمهيدا للزيارة التي جاء بها الرئيس الإرتيري أسياس أفورقي إلى الصومال أواخر ديسمبر 2018م.

يصحب هذا الحراك الدبلوماسي والانفتاح السياسي الإرتيري على دول المنطقة، يصحبه توقيع اتفاقيات تعاون وشراكة مع هذه الدول مما يعني أن الدول الواقعة في القرن الأفريقي أدركت أهميتها الاستراتيجية ورأت من مصلحتها أنه لا ينفعها التباغض والتنافر في زمن تكثر فيه التكتلات السياسية والتحالفات العسكرية.

وعلى الرغم من جهود دول المنطقة للوصول إلى مصالحة بين مكوناتها السياسية، إلا أنها ليست الوحيدة التي تريد إنهاء هذه الحالة العدائية السائدة بين دول المنطقة. فهناك على سبيل المثال دولة المملكة العربية السعودية التي استضافت القمة التي جمعت بين الرئيسين الإرتيري والجيبوتي بجدّة لإنهاء النزاع بين الدولتين، حيث التقى الرئيسان في 17/سبتمبر/2018م بجدة فيما وصف بلقاء تاريخي جمع بين الرئيسين بعد 10 أعوام من القطيعة.

أهداف الحراك الدبلوماسي الإريتري

هذه التحركات الدبلوماسية التي انتهجتها الدولة الإرتيرية سمحت لها بالخروج من عزلتها السياسية والاجتماعية، ولعل إرتيريا تسعى من وراء هذا الحراك الدبلوماسي تحقيق عدّة أهداف أبرزها فكّ العزلة السياسية المفروضة عليها عقب انتهاج النظام السياسي فيها نظاما قمعيا استبداديا طيلة العقدين، مبررا ذلك بمواجهة الاعتداء الإثيوبي على أراضيه وربما إيوائه لبعض معارضيه قبل مجيء أبي أحمد إلى الحكم الذي انتهج سياسة انفتاحية مثمرة، وسنحت لدول المنطقة  ومن بينها إرتيريا اكتشاف ذاتها وقدراتها.

كما يسعى النظام الإرتيري إلى الحصول على مشاريع تنموية، وإنّ الانفتاح السياسي يسمح للنظام الإريتري الاتّصال بكافة المنظمات والجمعيات الدولية التي تنفذ مشاريع تنموية في الدول المنفتحة سياسيا. وموقع إرتيريا الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر مهم لتنفيذ المشاريع التنموية، وخصوصا فيما يتعلق بتطوير الموانئ وتنميتها في وقت أصبح الحرب على الموانئ سمة العصر وميزته.

 وكذلك تجدر الإشارة إلى أن الانفتاح السياسي الإرتيري على دول الجوار ساهم بقوة في رفع حظر السلاح المفروض عليها من قبل الأمم المتحدة.

 وفي الختام تسعى إرتيريا إلى أن تكون جزءا مؤثرا في التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الجارية في المنطقة ، وتلعب دوراكبيرا في حل الأزمات التي تعيق بناء تحالف في المنطقة يقودها نحو تكامل شامل في شتى المجالات، مثل الخلافات بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، والتنافس بين الدول الخليجية على منطقة القرن الإفريقي، بالإضافة إلى حل قضية إقليم صومال لاند الانفصالي.

عن التحرير

التحرير

اترك رد