اخبار جديدة
الرئيسية / أخبار / قراءات بحثية: إشكالية بناء جيش وطني موحّد في مجتمع منقسم مناطقياً.. المشكلة والحل

قراءات بحثية: إشكالية بناء جيش وطني موحّد في مجتمع منقسم مناطقياً.. المشكلة والحل

عوامل الأمن والاستقرار، ومفارقة أجواء الانقسامات والحروب الأهلية والمناطقية، بعد أن خاض تجارب مريرة خلال فترات الصدام العسكري داخليا وخارجياً؛ لذا تعد المؤسسة العسكرية الصومالية(ممثلة في الجيش وعناصره) إحدى الركائز المهمة التي ينبني عليها آمال كبيرة بين الصوماليين، لتحقيق الوحدة الصومالية، والانتصار على جماعات العنف المسلح التي تستهدف أمن واستقرار المواطن الصومالي في كل مكان من أرض هذا البلد.

ورغم إقرار مجلس الأمن الدولي بالإجماع تمديد مهمة قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي(أميصوم)، حتى 31 يوليو القادم 2019، إلا أنه من المتوقع اتخاذ خطوات مرحلية لمغادرة هذه القوات مناطقها فوق الأرض الصومالية مغادرة نهائية بحلول العام 2020، ليبقى العبء الأكبر بعد مغادرة هذه القوات على عناصر الجيش الوطني الصومالي، والذي لا تزال تواجهه مشكلات كبيرة في الهيكلة والتكوين والتحديث، الأمر الذي يستوجب الاهتمام خلاله بالدراسات والأبحاث والأوراق المتخصصة التي تستهدف تفكيك أهم المشكلات التي تعاني منها مؤسسة الجيش الوطني الصومالي، وتحليل الأسباب والمعوقات التي تقف وارء تعطيل عمليات تحديثه وتطويره.

وانطلاقاً من هذه الأهمية، بالإضافة للاعتبارات السابقة، يفتش هذا التقرير القرائي الاستطلاعي، في إحدى الدراسات البحثية الصادرة في خريف 2017، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالعاصمة القطرية الدوحة، وبالتحديد ضمن العدد العشرين والمجلد الخامس لمجلة(عُمران) المتخصصة في الدراسات والعلوم الاجتماعية، وهي الورقة التي حملت عنوان( إشكالية بناء جيش وطني موحّد في مجتمع منقسم مناطقيا The Problem Of Building a Unified National Army in a Regionally Divided Society ) لكاتبتها( سمية عبد القادر شيخ محمود) المتخصصة في إعادة بناء الدول في فترة ما بعد النزاعات.

الجيش مصدر ثقة 

استهلت الكاتبة دراستها ببيان أهمية بناء الجيش الوطني الصومالي، مؤكدة ضمن الملخص التنفيذي للدراسة أن الجيش بصفة عامة، والجيش في الصومال بصفة خاصة” يمثل القوة، ووجود قوة تمثل المناطق كلها من شأنه إعادة الثقة بين المجتمع المنقسم مناطقياً، ما قد يسهّل بناء باقي مؤسسات الدولة”!!

وفي مقدمة دراستها، أوضحت الباحثة أن مؤسسة الجيش في الصومال” كانت أول مؤسسة جرى حلّها بعد إسقاط نظام محمد سياد برّي في مستهل التسعينيات، وأن اتساع الانشقاقات والصراعات في صفوف الميليشيات المتصارعة، والتي ترتب عليها ظهور كانتونات قبلية ومناطقية، أثّر في عملية إعادة مؤسسات الدولة عموماً، ومؤسسة الجيش خصوصاً، وفرض شكوكاً عميقة بين الأطراف الصومالية، ما جعل الحكومات المتعاقبة، تفشل في وضع استراتيجية ناجحة لدمج جيوش هذه الكانتونات”

مراحل تفكيك الجيش الصومالي

وبعد أن تطرح الباحثة سؤالين مباشرين هما: ما الذي يعوّق الحكومة الصومالية عن دمج القوات تحت منظومة واحدة هي الجيش الوطني الصومالي؟ وكيف يمكن التغلب على أسباب هذه الإعاقة؟، انطلقت إلى ذكر تفصيلات متعددة عن الموقع الاستراتيجي لجمهورية الصومال في شرق إفريقيا، مؤكدة على تميّز الشعب الصومالي” بتجانسه العرقي واللغوي والديني؛ إذ يتحدث جميع السكان فيه لغة واحدة هي الصومالية، ويدينون بدين واحد هو الإسلام، وعلى مذهب واحد هو المذهب الشافعي”

وترصد الباحثة، بعد حديث مستفيض عن مراحل التفكك المجتمعي التي تعرض لها الشعب الصومالي بفعل التقسيمات الاستعمارية، الخطوات المتتابعة والمباشرة التي أفضت إلى تفكيك الجيش الصومالي، ومن ثم التسبب في تفتيت مكوناته وأركانه؛ حيث تؤرخ الباحثة لبدايات هذه الخطوات بظهور حركات التمرد في الصومال على يد منشقين عسكريين عن الحكومة، خلال عقد الثمانينيات(العقد الصعب)، وهي الحركات التي قادت حروب عصابات أودت بالعديد من القتلى والضحايا، لتتمخض الأحداث في النهاية، عن قيام الجناح السياسي/المدني لحركة المؤتمر الصومالي الموحد بتنصيب رجل الأعمال علي مهدي محمد رئيساً مؤقتاً، والذي عيّن بدوره عمر عرتة غالب رئيساً للوزراء، ليقوم الأخير باتخاذ أخطر قرار في وقته على الدولة الصومالية، وهو قرار حل الجيش وتوزيع السلاح على الميليشيات، الأمر الذي أدى بدوره إلى تفكيك مجمل الهيئات الأمنية، بحيث تباينت مصائر منتسبي هذه الهيئات؛ فمنهم من أصبح قائداً أو مقاتلاً في الميليشيات العشائرية، بينما انتهى المطاف بآخرين في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الجوار كلاجئين، وهكذا انتهى ما يسمى بالجيش الصومالي على حد قول الباحثة”

فشل محاولات التكوين والهيلكة

وعن المحاولات التالية لإعادة تأسيس الجيش الصومالي واستعادة دوره الحيوي في البلاد فيما بعد مرحلة تفكيكه، ذكرت الباحثة أن أولى هذه المحاولات كانت تالية لأكثر من 14 مؤتمراً فاشلاً لإقرار السلام في البلاد على يد المجتمع الدولي، تلك المؤتمرات التي أفضت إلى اختيار عبدي قاسم صلاد رئيساً مؤقتاً؛ حيث لم تفلح هذه المحاولة في إعادة التأسيس العسكري للجيش الصومالي، والذي كان يتكون وقتها من مسلحين مستقلين لا ينتمون إلى أي ميليشيات، بالإضافة لمجموعة من ضباط الجيش السابقين من عهد سياد بري، لتتوالى المحاولات الفاشلة بعد ذلك دون إحراز أي تقدم، في ظل ظهور تحديات جديدة منها بروز جماعة الشباب إلى الساحة الصومالية، وكذلك حزب الإسلام، وغير ذلك من حركات، ليصبح الصومال حتى الآن بلا جيش موحد بعد أن باءت كل محاولات إعادة البناء العسكري الصومالي بالفشل”.

إشكاليات بناء الجيش الموحد

وتنتقل الباحثة لذكر الأسباب المختلفة التي تؤدي إلى عرقلة بناء الجيش الصومالي الموحد، من خلال تناولها لمجموعة إشكاليات ترى أنها السبب في ذلك الفشل الذريع للحكومات الصومالية المتتابعة بخصوص إعادة بناء وتكوين جيش الصومال المنشود، وهي الإشكاليات التي فصّلتها الباحثة على النحو التالي:

  • إشكاليات سياسية: وأرجعتها الدراسة إلى خلو كافة المفاوضات المنعقدة بين الفصائل الصومالية خلال مؤتمرات السلام المتعددة، من مناقشة مسألة إعادة بناء الجيش؛ بحيث تم تحييد هذه المسألة لحساب التفاوض من أجل تقاسم السلطة والنفوذ، ورغم ذلك لم يتأت النجاح في أي شيء لا في تقاسم النفوذ والسلطة، ولا في غيره؛ حيث تتجلى الإشكاليات السياسية في أمرين: الأول عدم سيطرة الحكومة على كامل أراضي الجمهورية؛ فصوماليلاند تطالب بمحادثات ندية بينها وبين الصومال باعتبارهما دولتين مستقلتين، وبونتلاند تتوجس من الحكومة وتتهمها بانتهاك الدستور، بينما حركة الشباب تسيطر على بلدات وقرى كثيرة ولديها القدرة على الاختراق والدموية، وهو مجملاً ما يجعل عملية بناء الجيش مبادرة خطرة بحد ذاتها، أما الأمر الثاني ــ ووفق ما تذكره الباحثة ــ فهو غياب الإرادة السياسية، في ظل اعتقاد بعض السياسيين أنه سيخسر دعم عشائره التي قد تفقد نفوذها في مناطق استراتيجية، إذا تم بناء جيش وطني موحد، هذا بالإضافة إلى اعتقاد الميليشيات القبلية التي تمثل أغلبية أفراد الجيش، أن الوضع الحالي يصب في مصلحتها، وينبغي عدم تغييره، في حين تخشى الولايات الفدرالية أن يكون تأسيس الجيش أمراً يهدد باندلاع الحرب الأهلية مجدداً”
  • إشكاليات اجتماعية: وتلخصها الباحثة في عدة أمور مهمة “منها استغلال الجيش في قهر القبائل الأخرى؛ إذ اتُّهمت القوات العسكرية بتهجير المواطنين وتقتيلهم باسم الدولة، كما حدث في شبيلي الوسطى وشبيللي السفلى، ثم إشكالية حقوق الإنسان، كالاغتصاب الجماعي للنازحات، وقطع الطريق أمام باصات النقل العام لأخذ أتاوى غير شرعية”
  • إشكاليات فنية: وتوجزها الدراسة في افتقار الجيش الصومالي إلى جميع أنواع التسهيلات التي يتطلبها أي جيش نظامي؛ فهو لا يملك حتى ثكن عسكرية؛ أي أن أفراده يأتون إلى مقار قوات الأميسوم أو مراكز الاشتباك، ثم يعودون إلى بيوتهم وكأنهم موظفون عاديون، كما أنه لا يمتلك مركبات عسكرية ولا طائرات هليكوبتر أو حتى أجهزة اتصالات لاسلكية، وهنا أشارت الدراسة إلى أن جماعة الشباب استغلت ضعف الإمكانيات هذه من عدم وجود ثكن للجنود، وغياب آلية لحصر أعدادهم وحفظ المعلومات الخاصة بهم، وأحدثت اختراقات كثيرة لصفوف الجيش ونفذت اغتيالات ضد شخصيات سياسية بارزة، واقتحمت مباني شديدة التحصين، ثم إن هناك الحظر المفروض على استيراد الصومال للأسلحة، وضآلة الرواتب وتأخرها، الأمر الذي دفع الجنود إلى بيع أسلحتهم وذخيرتهم في الأسواق”
  • إشكاليات خارجية: الاتكالية: وتقصد الدراسة هنا أن الدولة الصومالية منذ العام 2007 تعتمد على قوات الأميسوم في حماية مقارها الحكومية، الأمر الذي أغناها عن التفكير الجدي في بناء جيش وطني موحد لا يستثني أي فصيل أو منطقة، وهو ما جعل قوات الأميسوم تستخدم هذه الاتكالية الصومالية كذريعة للبقاء فوق الأراضي الصومالية؛ إذ أدرجت الأميسوم في استراتيجيتها للخروج من الصومال شرط تأسيس جيش موحد ذي قيادة واحدة.
  • إشكالية روحية ونفسية: وهو ما يُفهم من قول الباحثة” من الإشكالات الكبيرة التي تعرقل بناء جيش وطني موحد، غياب رؤية تصوغ رسالة الجيش وعقيدته، فلئن كانت عقيدة الجيش الصومالي قبل الحرب الأهلية الالتزام بقضية الوحدة الصومالية ودعم حركات المقاومة القومية في كينيا وإثيوبيا، لكن تلك العقيدة شهدت تحولاً كبيراً ؛ فإثيوبيا وكينيا الآن دولتان حليفتان، والعدو هو حركة الشباب المجاهدين، وإذا تراجع خطر الحركة ـــ وقد انحسر خطرها فعلاً ــ فلن يبق للجيش شيء يفعله، وبالتالي يجب تقليص العدد وإيجاد بدائل لمن يخرجون من الخدمة العسكرية، وهو ما يبدو صعباً في ظل الموارد المالية القليلة للصومال”

نماذج الاستعادة والبناء

وتتطرق الباحثة بعد ذلك، إلى تذكير الصومال بأهمية الاقتداء بالنماذج الدولية العالمية أوروبيا وإفريقيا، والتي استطاعت أن تستعيد بناء جيشها الوطني بعد معاناة طويلة من الحرب الأهلية وفقد المؤسسات؛ فعلى حد قول الباحثة” ليست الصومال الدول الوحيدة التي انهارت مؤسساتها؛ فقد شهد العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي ظاهرة تفكك الدول، ونشوء دول أصغر، كما حصل في البلقان ويوغسلافيا، وحتى في الاتحاد السوفياتي السابق، كما أنها ليست الدولة الوحيدة التي شهدت حرباً أهلية؛ بل سبقتها بلدان كثيرة في إفريقيا، كسيراليون ورواندا وجمهورية الكونغو وغيرها، ويمكن للصومال أن يستفيد من تجارب تلك الدول، فتجربة رواندا ــ على سبيل المثال ــ يمكنها أن تقدم نموذجاً يحتذي الصومال به”

خلاصة الدراسة

وفي خلاصاتها النهائية، تدفع الباحثة عبر دراستها بأهمية العمل وفق جملة من المقترحات المساعدة على استعادة بناء الجيش الصومالي الموحد، وذلك على النحو التالي:

  • عقد مصالحة وطنية حقيقية وشاملة
  • إجراء حوار بين الحكومة ورؤساء الولايات لتوحيد قوات الولايات الفدرالية ودمجها في صفوف الجيش الصومالي الموحد، وذلك باعتبار أن النظام الفدرالي يمنح صلاحية الدفاع للحكومة الفدرالية، ما يعني أن من غير الدستوري أن يكون لكل ولاية قواتها الخاصة.
  • إعادة تأهيل وفتح المعاهد والأكاديميات العسكرية، على غرار ما تم في الثمانينيات عندما تخلصت الحكومة الصومالية من عبء تدريب قواتها في الخارج عن طريق تأسيس أكاديميات مختصة لتدريب وتأهيل أفراد الهيئات الأمنية ومنها الجيش.
  • بناء وتأسيس مقار تدريبية وثكن عسكرية، إلى جانب إعادة تعريف العقيدة العسكرية في ما بعد الحرب الأهلية؛ إذ لا يجب اقتصار عمل الجيش الصومالي على محاربة الإرهاب وحركة الشباب فقط، وإنما حفظ الحدود المهددة أيضاً.
  • إعادة توجيه ولاء الجيش في اتجاه وطني خالص، من خلال دمج جميع القوى المسلحة في فرق وكتائب ونشرها في محافظات لا تنتمي إليها عشائرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المصدر:

سمية عبد القادر شيخ محمود، إشكالية بناء جيش وطني موحد في مجتمع منقسم مناطقيا، مجلة عمران للدراسات والعلوم الاجتماعية،العدد20، المجلد5، خريف 2017، الصفحات من 147وحتى 161 ( بتصرف أحياناً )، إصدارات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، الدوحة، قطر

تنبيه: المنشورات لاتعبر عن راي المركز وإنما تعبر عن راي أصحابها.

عن محسن حسن

محسن حسن
باحث في الشئون الإقليمية والعلاقات الدولية، ومحلل أكاديمي مهتم بقضايا الاشتباك والنزاع الإفريقي والشرق أوسطي، وقضايا العنف والإرهاب وحركات الإسلام السياسي، وملفات الاقتصاد والتنمية والغذاء والطاقة وتوزيع الثروات، محلياً وإقليمياً ودوليا.

اترك رد